في الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولًا ديموجرافيا متسارعًا مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع وزيادة أعداد كبار السن، تتجه مصر بدورها نحو مرحلة جديدة من التحول السكاني، تفرض تحديات متزايدة على منظومة الرعاية الصحية والاجتماعية، وتعيد طرح تساؤلات مهمة حول جودة حياة المسنين، ومدى قدرتهم على المشاركة في سوق العمل والحياة العامة، وحجم الخدمات المتاحة لتلبية احتياجاتهم.
كشفت أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الصادرة اليوم الخميس، بمناسبة اليوم العالمي للمسنين، الذي يوافق الأول من أكتوبر من كل عام، عن ارتفاع أعداد المسنين في مصر إلى نحو 10.2 مليون مسن خلال عام 2026، مقابل 9.8 مليون مسن في 2025، لترتفع نسبتهم إلى 9.3% من إجمالي السكان، مقارنة بنحو 9.1% خلال العام السابق، في مؤشر يعكس تنامي شريحة كبار السن داخل المجتمع المصري، وما يرتبط بذلك من متطلبات تنموية واجتماعية واقتصادية.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تتزايد فيه أهمية وضع سياسات تستوعب التحولات السكانية، لا تقتصر على توفير الرعاية الصحية والاجتماعية فحسب، وإنما تمتد إلى تعزيز استقلالية كبار السن، وحماية حقوقهم الاقتصادية، والاستفادة من خبراتهم المتراكمة، بما يضمن لهم حياة كريمة ومشاركة فاعلة في المجتمع.
10.2 مليون مسن في مصر.. والإناث يتصدرن المشهد
ووفقًا لتقديرات السكان في الأول من يوليو 2026، بلغ عدد المسنين الذكور في مصر نحو 5 ملايين مسن، بما يمثل 8.9% من إجمالي الذكور، مقابل 5.2 مليون مسنة من الإناث، بنسبة 9.7% من إجمالي الإناث، وهو ما يكشف عن ارتفاع عدد المسنات مقارنة بالمسنين الذكور، سواء من حيث الأعداد أو نسبة التمثيل داخل كل فئة.
وتعكس هذه المؤشرات تزايد أهمية مراعاة الفروق بين احتياجات الرجال والنساء في مرحلة الشيخوخة، لا سيما فيما يتعلق بالرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، في ظل اختلاف متوسط العمر المتوقع بين الجنسين.
وفي هذا السياق، سجل توقع البقاء على قيد الحياة ارتفاعًا خلال عام 2026، ليصل إلى 69.7 سنة للذكور، مقابل 69.4 سنة في 2025، بينما ارتفع لدى الإناث إلى 74.7 سنة، مقارنة بنحو 74.4 سنة خلال العام السابق، بما يعكس تحسنًا في العمر المتوقع لكلا الجنسين، مع استمرار الفارق لصالح الإناث.
مليار مسن بالعالم بحلول 2050
ولا يقتصر ارتفاع أعداد كبار السن على مصر، بل يمثل تحولًا ديموغرافيًا عالميًا، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر مرشح للارتفاع من نحو 1.1 مليار شخص في عام 2023 إلى 1.4 مليار شخص بحلول عام 2030، مع تسارع وتيرة هذا التحول بصورة خاصة في المناطق النامية.
وتتوقع المنظمة أن يتضاعف عدد الأشخاص في هذه الفئة العمرية ثلاث مرات، من 600 مليون شخص عام 2000 إلى ملياري شخص بحلول عام 2050، على أن تتركز الغالبية العظمى منهم في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وهو ما يضع أنظمة الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية أمام تحديات متزايدة، تتعلق بزيادة الطلب على الخدمات الطبية، وتوفير مصادر الدخل، وتهيئة بيئات ملائمة لحياة كبار السن.
وفي مؤشر يعكس التحسن العالمي في فرص البقاء على قيد الحياة، بلغ متوسط العمر المتوقع عند الولادة على مستوى العالم 73.3 سنة خلال عام 2024، بزيادة قدرها 8.4 سنة مقارنة بعام 1995، وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية.
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، تصدرت موناكو دول العالم من حيث نسبة السكان البالغين 65 عامًا فأكثر، وفق تقديرات الأمم المتحدة لعام 2025، بنسبة بلغت 37%، تلتها اليابان بنسبة 30%، بما يعكس التباين في التركيبة العمرية بين دول العالم، واختلاف مراحل التحول الديموغرافي من مجتمع إلى آخر.
1.9 مليون مسن في سوق العمل.. والزراعة تستحوذ على النسبة الأكبر
وعلى صعيد المشاركة الاقتصادية، كشفت بيانات مسح القوى العاملة لعام 2025 عن استمرار وجود شريحة كبيرة من كبار السن داخل سوق العمل المصري، حيث بلغ عدد المسنين المشتغلين نحو 1.9 مليون مسن، بما يمثل 20% من إجمالي المسنين، وهو ما يعكس استمرار مساهمة هذه الفئة في النشاط الاقتصادي، وعدم اقتصار دورها على مرحلة ما بعد التقاعد.
وتتصدر الزراعة وصيد الأسماك الأنشطة الاقتصادية التي يعمل بها المسنون، حيث يستوعب هذا القطاع 49.5% من إجمالي المسنين المشتغلين، يليه نشاط تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 19%، بما يشير إلى تركز نسبة كبيرة من العمالة الأكبر سنًا في الأنشطة الزراعية والتجارية.
وتطرح هذه المؤشرات أهمية مراعاة طبيعة الأعمال التي يزاولها كبار السن، ومدى ملاءمة ظروف العمل لقدراتهم الصحية والعمرية، إلى جانب أهمية توفير مظلة الحماية الاجتماعية والاقتصادية للمشتغلين منهم، خاصة في الأنشطة التي تتسم بارتفاع المجهود البدني أو عدم انتظام الدخل.
أمية المسنين تتراجع إلى 49.3%.. والفجوة بين الرجال والنساء مستمرة
وفيما يتعلق بالمستوى التعليمي، أظهرت بيانات مسح القوى العاملة تراجع نسبة الأمية بين المسنين في مصر إلى 49.3% خلال عام 2025، مقابل 52.4% في عام 2024، بما يعكس انخفاضًا في معدلات الأمية داخل هذه الفئة العمرية.
ورغم هذا التراجع، لا تزال الأمية تمثل أحد أبرز التحديات المرتبطة بكبار السن، خاصة بين النساء، إذ بلغت نسبة الأمية بين المسنات 64.4% من إجمالي الإناث المسنات، مقابل 34.7% بين الذكور المسنين، وهو فارق يعكس استمرار الفجوة التعليمية بين الجنسين داخل الأجيال الأكبر سنًا.
وفي المقابل، بلغت نسبة الحاصلين على مؤهل جامعي فأعلى بين المسنين 11.2% خلال عام 2025، لترتفع بين الذكور إلى 14.8%، مقابل 7.5% بين الإناث، بما يؤكد استمرار التفاوت بين الجنسين في فرص الحصول على التعليم العالي، ويبرز أهمية مراعاة هذه الفروق عند تصميم برامج التمكين والتثقيف والخدمات الموجهة لكبار السن.
169 مؤسسة لرعاية المسنين في مصر.. و4072 مستفيدًا فقط
وعلى مستوى خدمات الرعاية الاجتماعية، كشفت بيانات نشرة الخدمات الاجتماعية لعام 2024 عن وجود 169 مؤسسة لرعاية المسنين على مستوى الجمهورية، يستفيد منها 4072 مسنًا، إلى جانب 157 ناديًا للمسنين، يبلغ عدد المنتفعين بها نحو 30.759 ألف مسن.
وتعكس هذه الأرقام تنوع الخدمات المقدمة لكبار السن بين مؤسسات الرعاية والأندية الاجتماعية، التي تستهدف توفير بيئة ملائمة للتواصل والمشاركة المجتمعية، إلا أن تنامي أعداد المسنين يضع أهمية التوسع في هذه الخدمات وتطويرها بما يتناسب مع احتياجاتهم المتزايدة.
وفي إطار الحماية الاجتماعية، بلغ عدد الأسر التي يرأسها مسنون وتستفيد من معاش وزارة التضامن الاجتماعي نحو 2.872 ألف أسرة خلال عام 2024، بإجمالي قيمة معاشات بلغت نحو 22.766 مليون جنيه، بما يعكس أحد أوجه الدعم المالي الموجه للأسر التي يتولى كبار السن مسؤولية إعالتها.
تراجع وفيات المسنين في 2025.. والإناث يسجلن المعدل الأقل
وعلى صعيد المؤشرات الصحية، أظهرت البيانات الأولية لنشرة المواليد والوفيات لعام 2025 تراجع معدل الوفيات بين المسنين في مصر إلى 40.4 حالة وفاة لكل ألف من السكان المسنين، مقابل 41.8 حالة خلال عام 2024.
كما انخفض معدل الوفيات بين الذكور المسنين إلى 42.5 حالة لكل ألف من السكان الذكور المسنين، مقابل 43.3 حالة في العام السابق، بينما سجلت الإناث المسنات تراجعًا أكبر، ليصل معدل الوفيات بينهن إلى 38.3 حالة لكل ألف من السكان المسنات، مقارنة بنحو 40.3 حالة خلال عام 2024.
وتكشف هذه المؤشرات عن انخفاض معدلات الوفيات بين كبار السن من الجنسين خلال عام 2025، مع استمرار تسجيل الذكور معدلات أعلى من الإناث، وهو ما يبرز أهمية استمرار تطوير الخدمات الصحية والوقائية الموجهة لهذه الفئة العمرية، وتعزيز برامج الكشف المبكر ومتابعة الأمراض المزمنة.
التدخين بين المسنين يتراجع إلى 15.4%
وفيما يتعلق بالعادات الصحية، أظهرت بيانات مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2021/2022 تراجع نسبة التدخين بين المسنين في مصر إلى 15.4%، مقابل 16.4% خلال عام 2019/2020، بانخفاض قدره نقطة مئوية واحدة، وهو ما يعكس تراجعًا طفيفًا في معدلات التدخين بين كبار السن خلال فترة المقارنة.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في ظل ارتباط التدخين بالعديد من المخاطر الصحية، لا سيما مع التقدم في العمر، وما يصاحبه من زيادة احتمالات الإصابة بالأمراض المزمنة، بما يجعل تعزيز الوعي الصحي وتوفير برامج الإقلاع عن التدخين من بين الجوانب المهمة في منظومة رعاية المسنين.
حقوق المسنين بالدستور
وعلى المستوى التشريعي، أولى الدستور المصري لعام 2014 اهتمامًا بحقوق المسنين، حيث نصت المادة 83 على التزام الدولة بضمان حقوقهم الصحية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والترفيهية، وتوفير معاش مناسب يكفل لهم حياة كريمة، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة.
كما ألزمت المادة الدولة بمراعاة احتياجات المسنين عند تخطيط المرافق العامة، وتشجيع منظمات المجتمع المدني على المشاركة في رعايتهم، بما يؤسس لإطار دستوري يستهدف حماية حقوق كبار السن وتعزيز اندماجهم في المجتمع.
وتتزامن هذه الالتزامات مع التحولات الديموغرافية التي تشهدها مصر والعالم، والتي تجعل من قضايا الشيخوخة وجودة الحياة والاستقلال الاقتصادي والاجتماعي لكبار السن ملفات أساسية في التخطيط التنموي، خاصة مع استمرار ارتفاع أعداد المسنين وتزايد احتياجاتهم للخدمات الصحية والاجتماعية.
من الجدير بالذكر، أن الاحتفال باليوم العالمي للمسنين هذا العام جاء تحت شعار "عصر طول العمر: إعادة التفكير في الأنظمة لحياة أطول"، وهو الشعار الذي يسلط الضوء على ضرورة تطوير النظم الصحية والاجتماعية والاقتصادية لمواكبة الارتفاع المتوقع في أعداد كبار السن، وضمان أن تكون زيادة متوسط العمر مصحوبة بتحسن حقيقي في جودة الحياة.
وكانت الأمم المتحدة قد أقرت الاحتفال باليوم العالمي للمسنين في الأول من أكتوبر من كل عام، خلال اجتماعها في 14 ديسمبر 1990، بهدف نشر الوعي بأهمية رعاية كبار السن والحفاظ على حقوقهم، وتسليط الضوء على إسهاماتهم في التنمية الشاملة، والتعرف على القضايا المرتبطة باحتياجاتهم والخدمات المقدمة إليهم.
ومع وصول أعداد المسنين في مصر إلى 10.2 مليون شخص خلال عام 2026، تبرز أهمية التعامل مع الشيخوخة باعتبارها تحولًا سكانيًا يتطلب تخطيطًا طويل الأجل، يجمع بين الرعاية الصحية والحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي، إلى جانب تهيئة المرافق والخدمات العامة بما يضمن استقلالية كبار السن، ويعزز مشاركتهم في الحياة العامة، ويستفيد من خبراتهم المتراكمة، بما يتجاوز مفهوم الرعاية التقليدية إلى بناء مجتمع أكثر استجابة لاحتياجات جميع فئاته العمرية.