الخميس، 17 سبتمبر 2026 12:42 ص

أوروبا تعزز صناعاتها المحلية فى وجه "المستورد".. البرلمان الأوروبى يلوح بعصا الإجراءات الصارمة ومليار يورو عجزاً يومياً.. ودعوات لتطبيق سياسة "صنع فى أوروبا" لحماية صناعات القارة العجوز من المنافسة الصينية

أوروبا تعزز صناعاتها المحلية فى وجه "المستورد".. البرلمان الأوروبى يلوح بعصا الإجراءات الصارمة ومليار يورو عجزاً يومياً.. ودعوات لتطبيق سياسة "صنع فى أوروبا" لحماية صناعات القارة العجوز من المنافسة الصينية تصدير
الخميس، 17 سبتمبر 2026 12:00 ص
كتبت- هناء أبو العز

يتجه البرلمان الأوروبى إلى تبني موقف أكثر تشددا تجاه الصين، في ظل تصاعد المخاوف داخل الاتحاد الأوروبي من تدفق الصادرات الصينية وتأثيرها على الصناعات المحلية، بينما يزداد التأييد لسياسات تستهدف حماية الإنتاج الأوروبي وتقليص الاعتماد على بكين في القطاعات الاستراتيجية.

وقال باسكال كانفين، المقرر في البرلمان الأوروبي لشؤون العلاقة التجارية مع الصين، إن هناك إجماعا متزايدا بين القوى السياسية داخل البرلمان على ضرورة أن يتخذ الاتحاد الأوروبي موقفا أكثر صرامة تجاه بكين.

وأكد كانفين، في تصريحات لموقع بوليتيكو، أن أعضاء البرلمان الأوروبي مستعدون لدعم إجراءات أكثر تشددا ضد الصين ضمن مشروع قانون الصناعة الرئيسي للاتحاد الأوروبي، في ظل ما وصفه بالتهديد المتزايد الناتج عن ارتفاع الصادرات الصينية.

وقال كانفين، العضو الليبرالي الفرنسي بالبرلمان الأوروبي، إن الهدف الكامل للسياسة الصينية هو أن تصبح قائدة للنظام العالمي الجديد القائم على قوتها وقيمها وديكتاتورية الحزب الشيوعي.

 

عجز تجاري بمليار يورو يوميا

وتأتي هذه المواقف في وقت تخوض فيه بروكسل وبكين مفاوضات مكثفة لإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية بين الجانبين، بعدما وصل العجز التجاري للاتحاد الأوروبي مع الصين إلى نحو مليار يورو يوميا.

وأدى الارتفاع الكبير في الصادرات الصينية إلى زيادة الضغوط على المنتجين المحليين داخل أوروبا، وسط مخاوف من تراجع القاعدة الصناعية للقارة، خاصة مع عمليات إغلاق واسعة النطاق للمصانع في قطاعي السيارات والكيماويات.

ومن المقرر أن يزور مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروش شيفكوفيتش، بكين في أكتوبر المقبل في إطار هذه المحادثات، بعدما أكد استعداد الاتحاد لاتخاذ إجراءات إذا لم يتم إحراز تقدم بحلول ذلك الوقت.

وتدرس المفوضية الأوروبية مجموعة من التدابير لمواجهة ما تعتبره هيمنة صناعية صينية، من بينها وضع قواعد جديدة لتشجيع الشركات الأوروبية على تنويع سلاسل التوريد الحيوية، إلى جانب إجراءات يمكن أن تحد من واردات بعض السلع الرئيسية، مثل السيارات الكهربائية الهجينة.

من ناحية أخرى، أيدت لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي، في بيان مشترك صدر الخميس، اتخاذ خطوات للحد من الاعتماد الأوروبي المفرط على الصين في قطاعات تمتد من المواد الخام إلى أشباه الموصلات.

ودعت اللجنة الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة ما وصفته بـاستخدام الاعتماد الاقتصادي المفرط للاتحاد الأوروبي كسلاح.

ويرى كانفين أن المشرعين الأوروبيين أصبحوا أكثر اقتناعا بأن استمرار الوضع الحالي في العلاقات مع الصين لم يعد خيارا.


وقال إن الدعم يتزايد داخل البرلمان لسياسة صناعية أوروبية أكثر حزما، وهو ما يعكس تغيرا واضحا في المواقف تجاه بكين.

ويعمل المشرعون حاليا على صياغة موقفهم من مشروع "قانون تسريع الصناعة"، الذي يهدف إلى ترسيخ تفضيل أوروبي للقطاعات الصناعية الاستراتيجية في المشتريات العامة الخضراء.

ويرغب عدد من المشرعين الرئيسيين في أن يشكل القانون أساسا لتحالف صناعي أوروبي تحت شعار "صنع في أوروبا"، إلى جانب تشديد إجراءات التدقيق في الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وينظر إلى هذه السياسة على نطاق واسع باعتبارها ردا مباشرا على المنافسة الصينية ومحاولة لإعادة بناء وتعزيز القاعدة الصناعية للقارة الأوروبية.

وأوضح كانفين أنه رغم استمرار الانقسامات بين الكتل السياسية الرئيسية بشأن كيفية التعامل مع الصين، فإن إجماعا أكثر تشددا بدأ يتشكل داخل البرلمان.

وأضاف أن هذا الاتجاه يحظى بدعم من أطراف مختلفة على الخريطة السياسية، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.
وقال: "أنا لا أقول إن الأمر محسوم، لكنني أعتقد أننا نستطيع بالفعل الفوز في هذه المعركة داخل البرلمان".

 

الحكومات الأوروبية أكثر حذرا

لكن كانفين حذر من أن حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وليس البرلمان، قد تكون الطرف الأكثر ميلا إلى الحذر في التعامل مع بكين.

وتسعى بعض حكومات الاتحاد إلى تخفيف عدد من بنود قانون تسريع الصناعة، من خلال فتح نطاق بعض أحكام "صنع في أوروبا" أمام الدول التي تربطها بالاتحاد اتفاقيات تجارة حرة أو اتفاقيات للمشتريات، على أساس كل منتج على حدة.

و بدأت ألمانيا، صاحبة أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، تميل بصورة متزايدة نحو تبني موقف أكثر تشددا تجاه الصين.

ويرتبط هذا التحول، بحسب كانفين، بتزايد الدعم داخل قطاع الشركات المتوسطة والصغيرة في ألمانيا لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة، في وقت تواصل فيه الشركات الكبرى الاستثمار في السوق الصينية.

وقال: لطالما اعتبرت الحكومة الألمانية أن ما هو جيد لشركات بي إم دبليو وباسف ومرسيدس هو جيد للجميع، واليوم، قد يتم التشكيك في ذلك.

 

هل يواصل ميرز تشديد موقفه؟

ويظل الموقف الألماني عاملا رئيسيا في تحديد مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على تبني سياسة أكثر صرامة تجاه الصين، خاصة أن برلين كانت لفترة طويلة من أبرز الداعمين لتوسيع العلاقات التجارية مع بكين.

لكن أي تحول حقيقي في السياسة الألمانية يرتبط أيضا بمدى قوة ائتلاف المستشار فريدريش ميرز، الذي يتعرض لضغوط سياسية بعد فوز حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت.

وقال يورغ فوتكه، المراقب المخضرم للشؤون الصينية، إن تراجع قبضة ميرز على السلطة قد يؤدي إلى تراجع الملف الصيني في قائمة أولويات برلين.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية، بحسب التقرير، حول مدى جدية دعوات ميرز الأخيرة لاتخاذ إجراءات تجارية أكثر حزما لحماية الصناعات الأوروبية.

وخلال مؤتمر صحفي عقده في يوليو مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أكد المستشار الألماني أن الفائض التجاري الصيني يكلف أوروبا وظائف، معلنا أنه "غير مستعد لقبول الوضع الراهن".

لكن الحكومات الألمانية المتعاقبة اتبعت لسنوات نهجا حذرا في التعامل مع الصين، خشية تعرض الشركات الألمانية العاملة هناك لإجراءات انتقامية.

ويرى فوتكه أن تصريحات ميرز القوية تجاه الصين ربما كانت مرتبطة أيضا باعتبارات داخلية، وجاءت قبل انتخابات ساكسونيا-أنهالت، ما يثير تساؤلات حول مدى استعداد برلين لتحويل هذا الخطاب إلى إجراءات فعلية.

وبين تحرك البرلمان الأوروبي نحو تشديد القواعد لحماية الصناعة، وحذر حكومات الاتحاد من الدخول في مواجهة مفتوحة مع بكين، تبدو أوروبا أمام مرحلة جديدة في علاقتها الاقتصادية مع الصين، قد تحددها خلال الفترة المقبلة مفاوضات بروكسل وبكين، إلى جانب قدرة العواصم الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها برلين، على الانتقال من الخطاب السياسي إلى خطوات عملية.

 

 


print