وعروض لا تقاوم للأسواق الجديدة من آسيا إلى أمريكا اللاتينية وأفريقيا
والتنوع بين سحر سيوة وجبال سانت كاترين إلي فخامة العلمين الجديدة
ربط خطوط الطيران لتنشيط سياحة المغامرة والعلاج
مصر تودع الحملات التقليدية وتتحول لأضخم منصة تجارب عالمية تحت شعار "تنوع لا يُضاهي"
لم تعد مصر تريد أن تبيع للعالم «رحلة إلى الأهرامات» أو عطلة على شاطئ البحر فحسب، وإنما تسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها مقصدا سياحيا متعدد التجارب، يمكن للسائح أن يجد فيه الحضارة والشاطئ والمغامرة والعلاج والطبيعة والرفاهية، في رحلة واحدة أو في زيارات متكررة.
هذه هي الفكرة التي تقف خلف استراتيجية الترويج السياحي الجديدة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، والتي ترفع شعارا لافتا: "مصر.. تنوع لا يُضاهى"، وتكشف تفاصيلها كاملة وثيقة الخطة المقدمة من وزير التخطيط أحمد رستم ووافق عليها البرلمان بغرفتيه (مجلسي النواب، والشيوخ)
الفكرة الجديدة لا تكتفي بتغيير شعار الحملات، وإنما تعيد صياغة طريقة مخاطبة السائح نفسه، فبدلا من حملة واحدة تخاطب عشرات الأسواق بالطريقة ذاتها، تتجه مصر إلى تصميم استراتيجية مختلفة لكل سوق، وفقًا لاهتمامات مواطنيه وقدرتهم على الإنفاق، وأنماط إقامتهم والأنشطة التي يفضلونها.
فالرهان هنا على أن السائح الألماني ليس بالضرورة كالسائح الخليجي، وأن الزائر القادم من شرق آسيا قد يبحث عن تجربة مختلفة تماما عن السائح القادم من أمريكا اللاتينية.
لذلك تستهدف الخطة تحويل مكاتب مصر السياحية في الخارج إلى أدوات أكثر فاعلية في قراءة الأسواق قبل مخاطبتها، بالتعاون مع مكاتب التمثيل التجاري، لرصد سلوك السائحين وتفضيلاتهم ومستويات إنفاقهم، ثم بناء برامج وحملات تتحدث بلغة كل سوق واهتماماته.
المتحف المصري الكبير.. ورقة مصر الأثقل
وفي قلب هذه الاستراتيجية يأتي المتحف المصري الكبير باعتباره أكثر من مجرد منشأة ثقافية، حيث تراهن عليه الحكومة كمنصة عالمية لإعادة تقديم الحضارة المصرية إلى ملايين الزائرين، ورافعة قوية للسياحة الثقافية.
وإلى جانب المتحف، تستفيد الاستراتيجية من سلاح آخر تمتلكه مصر وحدها تقريبا حيث "الاكتشافات الأثرية الجديدة"، فكل كشف أثري جديد لا يمثل قيمة علمية وتاريخية فحسب، بل يتحول أيضا إلى مادة جاهزة لإعادة إشعال الاهتمام العالمي بالمقصد المصري، وهو ما تعكسه الاكتشافات المعلنة في الإسكندرية والشرقية وغيرها من المحافظات.
المعركة لا تجري داخل المتاحف فقط
لكن مصر لا تراهن على الحضارة وحدها، فالخطة تضع الساحل الشمالي في مقدمة رهاناتها السياحية الجديدة، مع توجه لتحويل المنطقة من وجهة صيفية إلى مقصد يعمل طوال العام.
وتأتي العلمين الجديدة في قلب هذا التحول، بما تشهده من تطوير للفنادق والقرى والمرافق والمناطق الترفيهية، بالتوازي مع تطوير مطارات برج العرب والعلمين الدولي وتحسين شبكة الطرق والربط بين المقاصد الساحلية.
والهدف أكبر من مجرد تنشيط موسم الصيف، حيث تستهدف الخطة اجتذاب أكثر من 15 مليون سائح سنويا بحلول عام 2028، بما يعكس الطموح لتحويل الساحل الشمالي إلى أحد أهم مراكز الجذب السياحي والاستثماري في المنطقة.
مصر تفتح "خريطة سياحية" جديدة
وفي الوقت نفسه، تتحرك الاستراتيجية لتوسيع تعريف المنتج السياحي المصري، فاليخوت تجد طريقها إلى البحرين الأحمر والمتوسط، والطبيعة تصبح عنصر جذب في سيوة و مرسى علم وجنوب سيناء، بينما تتحول الصحراء إلى ساحة للمغامرات في الوادي الجديد، وتبرز جبال سانت كاترين كوجهة لمحبي تسلق الجبال.
أما السياحة العلاجية والاستشفائية، فتدخل هي الأخرى على خط المنافسة، مستفيدة من المقومات الطبيعية في جنوب سيناء والوادي الجديد وسيوة والساحل الشمالي.
وهكذا تتعامل الخطة مع كل منطقة في مصر باعتبارها منتجا سياحيا قابلا للتسويق، وليس مجرد موقع جغرافي.
من أوروبا والخليج.. إلى آسيا والبرازيل وأفريقيا
ولا تتوقف عملية إعادة رسم الخريطة عند تنويع المنتجات، وإنما تمتد إلى تنويع السائحين أنفسهم، فبينما تواصل مصر تعزيز حضورها في الأسواق الأوروبية التقليدية والأسواق العربية، وبخاصة الخليجية، تضع الخطة أعينها على أسواق جديدة في شرق وجنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، وفي مقدمتها البرازيل، إلى جانب الأسواق الأفريقية.
الطيران.. الحلقة التي تكمل المعادلة
ولا يمكن أن تنجح أي حملة ترويجية من دون أن يجد السائح وسيلة سهلة للوصول، لهذا تتضمن الخطة المستهدفة حملات ترويج مشتركة مع وزارة الطيران، بما يربط بين برامج "مصر للطيران" وخطوطها الجوية وبين البرامج السياحية الموجهة للأسواق الخارجية، في محاولة لتحويل الإعلان عن المقصد المصري إلى رحلة فعلية تصل بالسائح إلى المقصد.
كما تستند مصر إلى تكثيف مشاركتها في المعارض السياحية الدولية، وتنظيم لقاءات مباشرة مع كبار منظمي الرحلات وشركات السياحة العالمية، باعتبارها البوابة الأساسية لتحويل الاهتمام بمصر إلى حجوزات فعلية.
الرهان الأكبر: أن تصبح مصر "تجربة" لا "رحلة"
و تبدو استراتيجية 2026/2027 أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف المنتج السياحي المصري نفسه، فمصر التي كانت تسوق لعناصر منفصلة ــ الأهرامات، البحر، الآثار، المنتجعات ــ تريد أن تضع هذه العناصر جميعا تحت مظلة واحدة "بلد يمتلك تنوعا سياحيا يصعب منافستها".
ومن المتحف المصري الكبير إلى العلمين، ومن اليخوت في البحر الأحمر والمتوسط إلى جبال سانت كاترين، ومن واحات سيوة إلى مغامرات الوادي الجديد، تتحرك الخطة باتجاه تحويل هذا التنوع إلى قوة تسويقية واقتصادية.
والتحدي الحقيقي لن يكون في امتلاك المقومات، فمصر تمتلكها بالفعل، وإنما في القدرة على تحويلها إلى تجارب وبرامج تصل إلى السائح المناسب، في السوق المناسب، وبالسعر المناسب.