عنف المستوطنين
لم يعد الخلاف بين إسرائيل وبريطانيا حول الاستيطان في الضفة الغربية مجرد تبادل للانتقادات أو خلاف سياسي يمكن احتواؤه خلف أبواب الدبلوماسية، بعدما انتقل سريعاً إلى إجراءات عقابية متبادلة، بدأت بقرار بريطاني يحظر استيراد منتجات المستوطنات ويفرض عقوبات على أفراد وشركات مرتبطة بتوسعها، وردت عليه تل أبيب بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية وإنهاء عدد من أوجه الوجود الدبلوماسي والأمني البريطاني المرتبط بالملف الفلسطيني.
الأزمة مرشحة في الوقت نفسه لتجاوز العلاقات بين لندن وتل أبيب، مع إعلان مجموعة من الدول الغربية تأييد إجراءات تستهدف التجارة مع المستوطنات، بينما جاء موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر حذراً مما كانت تأمله إسرائيل، بعدما تجنب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إدانة الخطوة البريطانية، فيما كشفت تقارير إعلامية أن واشنطن كانت على علم مسبق بتحرك لندن ولم تطلب منها التراجع.
وقال مسؤول إسرائيلي ومصدر مطلع إن إسرائيل أبلغت القنصلية البريطانية في القدس الشرقية بوجوب إغلاقها، وأن الدبلوماسيين المعينين فيها سيفقدون اعتمادهم خلال 30 يوماً، في تصعيد مباشر ضد لندن بعد إعلان العقوبات البريطانية.
وبحسب المصدر المطلع، فإن الممثلين البريطانيين العاملين في بعثة تنسيق بشأن غزة تقودها الولايات المتحدة داخل إسرائيل، وكذلك دبلوماسيين بريطانيين مقيمين في رام الله، مطالبون بالمغادرة خلال سبعة أيام.
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قد أعلن أن بلاده ستغلق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية المعتمدة لدى السلطة الفلسطينية، كما ستنهي مشاركة بريطانيا في مركز التنسيق المدني العسكري بشأن قطاع غزة في كريات غات، إلى جانب وقف التدريب البريطاني لقوات السلطة الفلسطينية وإغلاق مكتب التمثيل الأمني البريطاني في رام الله.
كما أعلنت إسرائيل منع عدد من الشخصيات البريطانية من دخول أراضيها، بينهم الزعيم السابق لحزب العمال جيريمي كوربين، والنائبة زارا سلطانة، ضمن قائمة تضم 12 شخصية بريطانية، بينهم 11 عضواً في البرلمان.
وقال ساعر إن الرد جرى تنسيقه مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، متهماً بريطانيا بالتدخل في الشؤون الإسرائيلية والانتخابات المقررة في أواخر أكتوبر، ووصف الإجراءات البريطانية بأنها «مشوهة أخلاقياً»، فيما اعتبر الاتهامات الصادرة عن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند «أكاذيب فاضحة».
الخطوة الإسرائيلية جاءت رداً على واحدة من أكثر الإجراءات البريطانية حدة تجاه الاستيطان الإسرائيلي، بعدما أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وقال ميليباند أمام مجلس العموم إن الحكومة البريطانية تقر بأن "تطهيراً عرقياً" يجري في الضفة الغربية على أيدي من وصفهم بـ«المستوطنين الإرهابيين»، متهماً الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عن هذه الممارسات في كثير من الأحيان، بل ومتهماً بعض أعضائها بدعم سياسات تؤدي إلى التهجير القسري للفلسطينيين.
وشدد ميليباند على أن الموقف الرسمي لحكومته يعتبر الاحتلال غير قانوني، قائلاً إنه لا يعتقد أن البريطانيين يريدون دعم الاحتلال من خلال شراء منتجات المستوطنات في متاجرهم، وفي الوقت نفسه، حرص الوزير البريطاني على التمييز بين إسرائيل والمستوطنات، مؤكداً أن الخلاف البريطاني «ليس مع شعب إسرائيل بل مع سلوك حكومتها»، وأن لندن ستواصل التجارة مع إسرائيل والتعاون معها في ملفات الأمن القومي المشتركة.
ولا تقتصر الإجراءات البريطانية على المنتجات القادمة من المستوطنات، إذ أعلن ميليباند إنشاء نظام شامل للعقوبات خلال فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر، يستهدف أفراداً وشركات تقدم خدمات تساعد على توسيع المستوطنات.
وتشمل الإجراءات حظر استيراد بضائع المستوطنات، وفرض عقوبات على شركات وأفراد يعملون في مجالات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات المرتبطة بالتوسع الاستيطاني، إلى جانب حظر الإعلان في بريطانيا عن عقارات داخل المستوطنات، وفرض قيود على تراخيص الأسلحة والصادرات التي ترى لندن أنها "تسهم بشكل جوهري في الاحتلال".
وبالتزامن مع القرار البريطاني، أعلنت 11 دولة أخرى، بينها فرنسا وكندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، مواقف داعمة لاتخاذ إجراءات ضد التجارة المرتبطة بالمستوطنات.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إن فرنسا ستضع حداً للتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، محذراً من أن الضفة الغربية أصبحت «على شفا الانفجار» نتيجة التوسع الاستيطاني وتصاعد اعتداءات المستوطنين المتطرفين ضد الفلسطينيين.
لكن المفاجأة الأكبر بالنسبة إلى تل أبيب جاءت من واشنطن، فبحسب ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، أبلغ رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالخطة قبل إعلانها، إلا أن ترامب لم يطلب منه التريث أو إعادة النظر فيها.
وعندما سئل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن القرار، تجنب إدانته، وقال إن الإدارة الأمريكية أُبلغت به واستمعت إلى مبررات الجانب البريطاني، مضيفاً: «نتشارك معهم هدف تحقيق الاستقرار، ولا نريد تصعيداً أو توتراً في الضفة الغربية خلال هذه المرحلة العصيبة».
ودعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى طرد السفير البريطاني، فيما طالب وزير الأمن الداخلي إيتمار بن جفير بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وهي الخطوة التي قررت الحكومة الإسرائيلية بالفعل المضي فيها.
كما اتهم الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوج بريطانيا بالتدخل في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر، بينما أكد ساعر أن الإجراءات المضادة جرى تنسيقها مع نتنياهو.
على الجانب الآخر، رحبت الرئاسة الفلسطينية بالقرار البريطاني وبالتحركات الغربية، ووصفتها بأنها «خطوة مهمة لمواجهة منظومة الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي وانتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني».
وأكدت الرئاسة ضرورة الانتقال إلى إجراءات عملية لمساءلة المسؤولين عن الاستيطان وعنف المستوطنين، معتبرة أن وقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال شرطان أساسيان لتحقيق السلام والاستقرار.
كما اعتبر السفير الفلسطيني لدى بريطانيا حسام زملط أن الخطوة تأتي استكمالاً طبيعياً لاعتراف بريطانيا بدولة فلسطين قبل عام، قائلاً إن الاعتراف يفقد معناه إذا استمر في الوقت نفسه انتزاع أراضي الدولة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية.
وهكذا، فإن إغلاق القنصلية البريطانية لا يبدو نهاية الأزمة بقدر ما يمثل بداية مرحلة جديدة منها. فقرار لندن الذي بدأ بحظر منتجات المستوطنات تحول إلى مواجهة دبلوماسية مع إسرائيل، بينما انضم عدد متزايد من الدول الغربية إلى تحركات تستهدف التجارة المرتبطة بالاستيطان.
وبينما تستعد الحكومة الإسرائيلية لمناقشة ردها على الدول الأخرى المؤيدة للإجراءات البريطانية، ينتقل الخلاف حول المستوطنات من ملف فلسطيني إسرائيلي إلى أزمة دبلوماسية أوسع بين تل أبيب وعدد من حلفائها الغربيين، وسط سؤال هل يمثل التحرك البريطاني حالة منفردة، أم بداية تحول غربي أوسع من انتقاد الاستيطان إلى فرض تكلفة سياسية واقتصادية فعلية على استمراره.