الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 03:43 م

من احتواء الإخوان إلى رصاص المنصة.. كيف تحول رهان السادات على التيار الإسلامي من ورقة سياسية لمواجهة خصومه إلى أزمة تهدد الدولة؟.. سنوات التقارب والإفراج وفتح المجال انتهت بالصدام والاغتيال في 6 أكتوبر 1981

من احتواء الإخوان إلى رصاص المنصة.. كيف تحول رهان السادات على التيار الإسلامي من ورقة سياسية لمواجهة خصومه إلى أزمة تهدد الدولة؟.. سنوات التقارب والإفراج وفتح المجال انتهت بالصدام والاغتيال في 6 أكتوبر 1981 الأخوان
الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 02:00 م
كتب: عزوز الديب
لم تبدأ قصة الصدام بين الرئيس الراحل محمد أنور السادات وجماعة الإخوان الارهابية بالرصاص، كما لم تكن نهايتها وليدة قرار واحد، فبين وصول السادات إلى الحكم عام 1970 واغتياله في السادس من أكتوبر 1981، مرت العلاقة بمراحل متناقضة؛ تقارب وانفتاح، ثم تمدد في المجال العام، وصولاً إلى الشك والصدام والمواجهة المفتوحة.
كان السادات، في سنوات حكمه الأولى، أمام واقع سياسي وأمني شديد التعقيد، فسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي بعد سنوات الرئيس جمال عبد الناصر، واتجه ضمن حساباته إلى تخفيف القيود المفروضة على التيار الإسلامي وإعادة بعض عناصر جماعة الإخوان إلى المجتمع المصري.
لكن الرهان الذي بدا في بدايته أداة لموازنة خصوم سياسيين وتيارات أخرى، انتهى ــ وفق شهادات عدد من المسؤولين والكتاب الذين تناولوا تلك المرحلة ــ إلى نتائج تجاوزت حسابات السلطة، مع اتساع نفوذ الجماعة والتيارات الإسلامية وظهور تنظيمات تبنت العنف.
 
رواية السادات عن البداية.. الإخوان لم يشاركوا في ثورة يوليو
قبل أن تبدأ مرحلة التقارب في عهد السادات، كانت هناك صفحة قديمة ومثيرة للخلاف بين الإخوان وتنظيم الضباط الأحرار.
ففي أحاديث سابقة له، روى السادات أن قادة ثورة 23 يوليو حاولوا التواصل مع جماعة الإخوان قبل قيام الثورة، بناءً على تكليف من جمال عبد الناصر، بهدف دعوتها إلى المشاركة في التحرك، إلا أن قيادة الجماعة، برئاسة المستشار حسن الهضيبي، رفضت الانضمام.
وبحسب رواية السادات، لم يكن الإخوان وحدهم في موقف المتردد، إذ جرت أيضاً اتصالات مع قيادات حزب الوفد، لكن تلك القوى فضلت عدم خوض المغامرة، بينما مضى الضباط الأحرار في تنفيذ تحركهم.
هذه الخلفية ظلت حاضرة في ذاكرة السادات، لكنها لم تمنعه بعد وصوله إلى الرئاسة من تبني سياسة مختلفة تجاه الجماعة.
 
السادات يفتح الباب من جديد
مع تولي السادات الرئاسة عام 1970، بدأت ملامح سياسة جديدة تجاه التيار الإسلامي تظهر تدريجياً.
ويروي اللواء حمدي البطران، في كتاباته عن تلك الفترة، أن زيارة كمال أدهم، المسؤول السعودي البارز في مجال الاستخبارات والمقرب من الملك فيصل، إلى القاهرة كانت إحدى المحطات التي ارتبطت بإعادة التفكير في التعامل مع التيار الإسلامي، في ظل الصراع الإقليمي والدولي مع النفوذ السوفيتي.
ووفق رواية البطران، لجأ السادات إلى الدكتور محمود جامع لإجراء اتصالات مع عدد من قيادات الإخوان الموجودين خارج مصر، بينهم يوسف القرضاوي وأحمد العسال وعبدالرؤوف مشهور وعبدالمنعم مشهور وسالم نجم، بهدف اختبار إمكانية عودة بعضهم وفتح قنوات جديدة مع الجماعة.
لم تتوقف الخطوات عند الاتصالات، فقد أفرج السادات عن عدد من قيادات الإخوان، وأعيدت الجنسية المصرية لبعض من سُحبت منهم، كما سُمح لعدد من المقيمين خارج البلاد بالعودة.
وبذلك انتقلت الجماعة تدريجياً من حالة الإقصاء التي عاشتها في عهد عبد الناصر إلى مساحة أوسع داخل المجتمع.
 
الانفتاح السياسي يتحول إلى فرصة للإخوان
في كتابه «خريف الغضب»، تناول محمد حسنين هيكل التحولات التي شهدها المشهد السياسي في عهد السادات، ورأى أن الإخوان التقطوا مبكراً اتجاه النظام الجديد نحو الانفتاح على التيار الإسلامي.
وبعد سنوات من الضربات الأمنية التي تعرضت لها الجماعة، خاصة عقب قضية تنظيم 1965، وفرت البيئة الجديدة فرصة لإعادة بناء شبكاتها الاجتماعية والتنظيمية.
ومع اتساع هامش الحركة، لم تعد الجماعة مجرد تنظيم يحاول استعادة وجوده، وإنما بدأت تستعيد حضوراً مؤثراً في عدد من مساحات المجتمع، خاصة الجامعات والنقابات والأنشطة الدعوية.
وهنا بدأت تظهر مشكلة جديدة أمام الدولة: هل كان الانفتاح وسيلة لضبط التوازن السياسي، أم أنه منح التيار الإسلامي مساحة أكبر من قدرة النظام على التحكم فيها؟
 
فؤاد علام: الدولة رفعت القيود.. والجماعة استغلت الفرصة
تقدم شهادة اللواء فؤاد علام، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة الأسبق، في كتابه «أنا والإخوان»، قراءة أكثر حدة لهذه المرحلة.
وبحسب علام، فإن الجماعة قدمت نفسها للسادات باعتبارها طرفاً يمكن أن يكون جزءاً من التوازن السياسي، بينما كانت ــ وفق روايته ــ هناك اتصالات بينها وبين تيارات وجماعات أكثر تشدداً.
ويرى علام أن تقليص القيود الأمنية على حركة الإسلاميين ساعد على انتشارهم في الجامعات والنقابات والمجال العام، وهو ما اعتبره لاحقاً أحد أبرز أخطاء تلك المرحلة.
كما تحدث عن تقارير أمنية حذرت من تنامي مظاهر الاحتقان الطائفي والعنف المرتبط ببعض الجماعات الدينية، إلا أن سياسة الاحتواء استمرت لفترة.
وفي هذه البيئة، عادت شخصيات إخوانية كانت تعيش خارج مصر إلى المشهد، بينما واصلت شخصيات أخرى نشاطها خارج البلاد ضمن شبكات ارتبط بعضها بالتيارات الإسلامية الأكثر تشدداً.
 
من التوسع إلى العنف.. نقطة التحول في منتصف السبعينيات
لم تستمر مرحلة الهدوء طويلاً، فمع منتصف السبعينيات بدأت العلاقة بين الدولة والتيارات الإسلامية تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، بالتزامن مع صعود جماعات تبنت أفكاراً أكثر تشدداً واتجه بعضها إلى العمل المسلح.
وبحلول عام 1976، أصبحت مؤشرات التوتر أكثر وضوحاً، وبدأت الدولة تواجه واقعاً مختلفاً عن ذلك الذي سمح لها في بداية عهد السادات بالتعامل مع التيار الإسلامي باعتباره ورقة سياسية يمكن احتواؤها.
ثم جاءت سلسلة من الأحداث التي عمقت القطيعة، وصولاً إلى جرائم عنف واغتيالات ارتكبتها جماعات متطرفة، كان من أبرزها اغتيال الشيخ محمد حسين الذهبي على يد جماعة شكري مصطفى.
ومع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة، لم يعد الخلاف يدور حول مساحة العمل السياسي أو الدعوي، وإنما تحول إلى مواجهة تتعلق بأمن الدولة واستقرار المجتمع.
 
كامب ديفيد.. الخلاف السياسي يدخل مرحلة جديدة
كان توقيع اتفاقية كامب ديفيد وما تبعها من معاهدة السلام مع إسرائيل محطة أخرى في علاقة السادات بالتيارات الإسلامية.
فقد واجه السادات انتقادات حادة بسبب مسار السلام، بينما رأى هو أن جانباً من هذا الرفض تحركه قوى خارجية، ووجه اتهامات صريحة إلى جهات دعمت التيارات المعارضة لسياسته.
وفي المقابل، أقر السادات في أحاديث له بأنه ارتكب خطأ عندما سمح للإخوان بالعودة إلى الساحة بعد سنوات من الغياب.
وهكذا بدأ الرجل الذي استخدم الانفتاح على التيار الإسلامي ضمن حسابات سياسية في النظر إلى نتائجه باعتبارها مشكلة تهدد الدولة نفسها.
 
سبتمبر 1981.. السادات يغلق الباب
بلغت المواجهة ذروتها في سبتمبر 1981، عندما اتخذ السادات إجراءات واسعة ضد معارضين من اتجاهات سياسية ودينية مختلفة، في محاولة لاحتواء حالة التوتر المتصاعدة.
وفي خطابه أمام مجلس الشعب في الخامس من سبتمبر، قدم السادات ما يشبه المراجعة السياسية لمسار السنوات السابقة، متحدثاً عن الجماعات الدينية وعن رؤيته لخطورة التنظيمات التي تضع الانتماء للجماعة فوق الانتماء إلى الدولة.
وبحسب القراءات التي تناولت الخطاب، كان السادات قد وصل في هذه المرحلة إلى قناعة بأن سياسة الاحتواء لم تحقق الهدف الذي انطلقت من أجله، وأن السماح بالعمل العلني لم يؤد بالضرورة إلى تحول هذه الجماعات إلى تيار سياسي طبيعي داخل مؤسسات الدولة.
بل على العكس، رأى أن بعض التنظيمات حافظت على بنيتها التنظيمية الخاصة، وأن الولاء للتنظيم يمكن أن يتقدم على الولاء للدولة.
 
6 أكتوبر.. النهاية الدموية
بعد أسابيع قليلة فقط من إجراءات سبتمبر، كان السادات يقف في السادس من أكتوبر 1981 أمام العرض العسكري للاحتفال بذكرى انتصار حرب أكتوبر.
لم يكن يعلم أن العرض الذي جاء للاحتفال بانتصار عسكري سيصبح المشهد الأخير في حياته.
اقتحم عدد من المشاركين في العرض المنصة، وأطلقوا النار والقنابل، في عملية اغتيال ارتبطت بتنظيمات إسلامية متطرفة.
سقط السادات قتيلاً، وانتهت بذلك تجربة استمرت أكثر من عقد، بدأت بمحاولة استيعاب التيار الإسلامي وإعادة فتح المجال أمام بعض عناصره، وانتهت بمواجهة دامية مع تنظيمات تبنت العنف.
 
من الرهان السياسي إلى درس الدولة
بعد مرور عقود، لا تزال تجربة السادات مع جماعة الإخوان الإرهابية والجماعات الإسلامية واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث فالمسألة كانت بمثابة اختبار لحدود استخدام التيارات السياسية والدينية في إعادة تشكيل التوازنات الداخلية.

الأكثر قراءة



print