الخميس، 20 أغسطس 2026 12:36 ص

مع احتفاظ المريض بحقه في التراجع

من البرلمان إلى قصر الإليزيه.. فرنسا تفتح باب "القتل الرحيم" .. ماكرون يوقّع قانون "المساعدة على الموت".. بعد أربعة سنوات من الجدل السياسي والأخلاقي.. التشريع يشترط الإصابة بمرض خطير غير قابل للشفاء

من البرلمان إلى قصر الإليزيه.. فرنسا تفتح باب "القتل الرحيم" .. ماكرون يوقّع قانون "المساعدة على الموت".. بعد أربعة سنوات من الجدل السياسي والأخلاقي.. التشريع يشترط الإصابة بمرض خطير غير قابل للشفاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الأربعاء، 19 أغسطس 2026 11:09 م
كتبت آمال رسلان

بعد سنوات من الجدل السياسي والطبي والأخلاقي، أغلقت فرنسا أخيراً آخر أبواب النقاش التشريعي حول " الموت الرحيم"، بعدما وقّع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القانون ونُشر في الجريدة الرسمية، ليدخل بذلك حيز التنفيذ. وبذلك تتحول المسألة من سؤال أخلاقي شديد الحساسية إلى حق قانوني، لكن ليس حقاً مفتوحاً للجميع، بل إجراء تحيطه سلسلة طويلة من الشروط والضمانات والرقابة الطبية والقانونية.

ويضع القانون فرنسا أمام اختبار جديد، كيف يمكن لدولة أن توازن بين حماية الحياة واحترام إرادة مريض يواجه مرضاً خطيراً لا أمل في شفائه، وفي الوقت نفسه، يأتي التشريع الفرنسي متأخراً عن دول أوروبية قطعت الطريق نفسه قبل سنوات، لكنها لم تصل جميعها إلى النموذج ذاته؛ فبينما تسمح هولندا وبلجيكا بالقتل الرحيم الذي ينفذه الطبيب، تضع سويسرا والنمسا حدوداً مختلفة تقوم أساساً على المساعدة على الانتحار.

تعود بداية الرحلة الحالية إلى عام 2022، عندما تعهد ماكرون، بعد إعادة انتخابه لولاية ثانية، بفتح نقاش حول نهاية الحياة وإتاحة «المساعدة على الموت» ضمن إطار قانوني يحمي المرضى والأطباء، لم يكن الطريق سريعاً، فقد أُطلقت اتفاقية المواطنين حول نهاية الحياة، وانتهت في فبراير 2023 إلى توصية بإقرار شكل من أشكال "المساعدة الفعالة على الموت"، لتبدأ بعدها عملية إعداد النص التشريعي وسط انقسام سياسي ومجتمعي حاد.

ووصل مشروع القانون إلى البرلمان بعد سنوات من النقاش، قبل أن تصوت الجمعية الوطنية الفرنسية في يوليو 2026 لصالحه بأغلبية 291 نائباً مقابل 241، مع امتناع 29 نائباً عن التصويت.

لكن التصويت لم يكن نهاية الطريق، فقد اصطدم المشروع بمجلس الشيوخ الذي تهيمن عليه أغلبية يمينية، ورفضه في مراحل سابقة. ومع استمرار الخلاف، لجأت الحكومة إلى الآليات الدستورية التي تسمح للجمعية الوطنية بالحسم النهائي في بعض الظروف.

وهكذا أصبح القانون واقعاً تشريعياً، قبل أن يخضع للمراجعة الدستورية. وفي 14 أغسطس، صادق المجلس الدستوري على النص، معتبراً أنه متوافق مع الدستور، لتأتي الخطوة الأخيرة بتوقيع ماكرون ونشر القانون رسمياً، وعلّق الرئيس الفرنسي على إقرار التشريع قائلاً: "في عام 2022 تعهدت بفتح هذا الطريق أمام الفرنسيين، وقد تم الوفاء بهذا التعهد".

 

من يحق له طلب الموت بمساعدة طبية؟

لا يمنح القانون الفرنسي حق إنهاء الحياة لمجرد رغبة الشخص في الموت، وإنما يضع مجموعة من الشروط التي يجب أن تجتمع في الحالة نفسها، ويستفيد من القانون الشخص البالغ الذي يعاني مرضاً خطيراً وغير قابل للشفاء، ويكون المرض في مرحلة متقدمة أو نهائية ويهدد حياته، على أن تكون المعاناة الناتجة عنه مستمرة وشديدة ولا تستجيب للعلاج، أو تصبح غير محتملة عند وقف العلاج.

كما يشترط أن يكون الشخص قادراً على التعبير عن إرادته بصورة حرة وواعية، مع احتفاظه بحق التراجع عن طلبه في أي وقت، ويشمل القانون المواطنين الفرنسيين ومن يستوفون شروط الإقامة القانونية التي يحددها النص.

ومن النقاط اللافتة في التشريع أن المشرعين تخلوا عن معيار "المدة المتوقعة للحياة" الذي كان مطروحاً في مراحل سابقة من المشروع، بعدما اعتُبر تحديد الفترة المتبقية للمريض أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً في حالات الأمراض العصبية التي قد تتطور بصورة غير متوقعة.

 

الطبيب لا يملك القرار وحده

ولا يتحول طلب المريض إلى قرار نهائي بمجرد تقديمه، إذ يبدأ الطبيب بدراسة الحالة والتأكد من استيفائها الشروط القانونية، مع الاستعانة بطبيب آخر مختص بالمرض، إضافة إلى عضو من الفريق العلاجي الذي يعرف المريض، ويمكن الاستعانة بأطباء أو اختصاصيين آخرين، ومن بينهم الطبيب النفسي إذا كان مشاركاً في علاج المريض.

 

وبعد دراسة الطلب، يتعين إصدار القرار خلال مدة أقصاها 15 يوماً. وإذا تمت الموافقة، يحصل المريض على مهلة تفكير لا تقل عن يومين قبل تأكيد رغبته بصورة نهائية، حتى في يوم تنفيذ الإجراء، لا يصبح القرار آلياً؛ إذ يتعين التأكد مرة أخرى من أن المريض ما زال يريد إنهاء حياته. وإذا ظهرت مؤشرات على تعرضه لضغط أو إكراه، يجب وقف الإجراءات وإبلاغ النيابة العامة.

وهنا يحاول القانون الفرنسي بناء حاجز قانوني بين الاختيار الحر والموت تحت الضغط، وهي إحدى أكثر النقاط حساسية في النقاش حول تشريعات نهاية الحياة.

الرعاية التلطيفية في مواجهة «الموت الرحيم»

ولم يرد المشرعون أن تتحول المساعدة على الموت إلى بديل عن الرعاية الطبية في نهاية الحياة، لذلك يلزم القانون الطبيب بالتأكد من إمكانية حصول المريض على الرعاية التلطيفية إذا أرادها، في محاولة لإبقاء خيار تخفيف الألم والعناية بالمريض قائماً قبل اللجوء إلى الخيار النهائي.

كما تعهدت الحكومة بزيادة تمويل الرعاية التلطيفية بنسبة 60% بحلول عام 2034، بما يعادل 5.5 مليارات يورو إضافية خلال عشر سنوات.

فرنسا تدخل نادياً أوروبياً.. لكن لكل دولة نموذجها

لا تدخل فرنسا أرضاً مجهولة في أوروبا، فقد سبقتها دول عدة إلى تشريع أشكال مختلفة من المساعدة على الموت، لكن المقارنة تكشف أن «الموت الرحيم» ليس نموذجاً واحداً.

كانت هولندا أول دولة في العالم تقنن القتل الرحيم عام 2002. ويسمح قانونها للطبيب بإنهاء حياة المريض في ظروف محددة، عندما تكون معاناته لا تُحتمل ولا يوجد أمل في تحسنها، مع ضرورة التأكد من أن الطلب طوعي ومدروس، وأن المريض تلقى معلومات كافية عن حالته، وأنه لا يوجد بديل معقول، إلى جانب الاستعانة برأي طبي مستقل

وفي العام نفسه، اتخذت بلجيكا الخطوة ذاتها، وألغت تجريم القتل الرحيم في ظروف محددة. ويشترط القانون أن يكون المريض واعياً وقادراً على اتخاذ القرار وأن يعاني مرضاً خطيراً وغير قابل للشفاء يسبب معاناة جسدية أو نفسية مستمرة لا يمكن تخفيفها. وتتميز بلجيكا أيضاً بكونها تسمح في ظروف قانونية معينة بالاستناد إلى معاناة نفسية

أما لوكسمبورغ، فأقرت عام 2009 قانوناً يتيح القتل الرحيم والانتحار بمساعدة الغير، مع اشتراط أن يكون المريض بالغاً وقادراً على اتخاذ القرار ويعاني حالة طبية غير قابلة للشفاء ومعاناة مستمرة وغير محتملة

وفي إسبانيا، جاء التشريع لاحقاً عام 2021، وأتاح القتل الرحيم والانتحار بمساعدة الغير للبالغين الذين يعانون مرضاً خطيراً وغير قابل للشفاء أو حالة مزمنة خطيرة ومُنهكة. ويشترط القانون تقديم طلبين يفصل بينهما 15 يوماً تقويمياً على الأقل، مع التأكد من غياب أي ضغط خارجي

أما النمسا، فقد اختارت نموذجاً أكثر تضييقاً، إذ تسمح بالمساعدة على الانتحار ولا تسمح للطبيب بتنفيذ الموت الرحيم بالطريقة ذاتها المعمول بها في هولندا وبلجيكا. ويخضع المريض لتقييم طبي وشروط محددة، مع فترة انتظار قبل تنفيذ الإجراء

وتختلف سويسرا عن معظم هذه النماذج أيضاً، إذ تسمح بالانتحار بمساعدة الغير، لكنها لا تشرّع القتل الرحيم الذي ينفذه الطبيب. وبذلك تنقسم الخريطة الأوروبية بين دول تسمح للطبيب بإنهاء حياة المريض في ظروف محددة، ودول تكتفي بتوفير الوسائل التي يستخدمها المريض بنفسه

 

جدل لم ينتهِ بإقرار القانون

ورغم وصول فرنسا إلى نهاية الرحلة التشريعية، فإن الجدل لم ينتهِ، فالمعارضون يرون أن الدولة تخاطر بتحويل حماية الحياة إلى استثناء، ويحذرون من إمكانية توسع نطاق القانون مستقبلاً ليشمل فئات لم تكن مشمولة عند إقراره.

وفي المقابل، ترى جمعية الحق في الموت بكرامة أن القانون يمثل انتصاراً تاريخياً لحرية الفرد، وبذلك، يفتح توقيع ماكرون صفحة جديدة في فرنسا، لكنه لا يغلق النقاش حول السؤال الأصعب: هل منح الإنسان حق اختيار نهاية حياته يمثل أقصى درجات الحرية والكرامة، أم أن حماية الإنسان تقتضي إبقاء هذا القرار خارج حدود القانون؟ وهذا السؤال، كما أثبتت التجربة الأوروبية، لن يحسمه التصويت البرلماني وحده.

 


print