محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت محكمة النقض – الدائرة الجنائية – حكماً قضائياً فريداً من نوعه في موضوع جريمة الشهادة الزور وتمييزها عن مجرد الأقوال الكاذبة التي يدلي بها الشاهد في تحقيقات النيابة العامة، رسخت فيه لعدة مبادئ قضائية، قررت فيه أن مناط قيام جريمة الشهادة الزور أن تكون الأقوال الكاذبة قد صدرت من الشاهد أمام القضاء وبعد حلف اليمين، وأن يكون قد قصد بها تضليل القضاء، وأن مجرد اختلاف أقوال الشخص في التحقيقات عن أقواله أمام المحكمة لا يكفي بذاته لحمل لواء التجريم ما لم تستجمع الواقعة أركان الجريمة التي رسمها القانون، وذلك في الطعن المقيد برقم 15814 لسنة 92 قضائية، بجلسة 11 مايو 2024.
المبادئ التي أرستها المحكمة، على التفصيل التالي: المبدأ الأول: لا شهادة زور بغير شهادة أمام القضاء
وفى هذا الشأن – يقول الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي - لما كانت جريمة الشهادة الزور لا تقوم إلا إذا صدرت الأقوال الكاذبة أمام المحكمة وبعد حلف اليمين، فإن القول الذي يقال في غير مجلس القضاء، ولو ران عليه الكذب واعتراه التناقض، لا يستحيل بمجرد ذلك شهادة زور، فالعبرة في هذا المقام ليست بمجرد صدور قول غير مطابق للحقيقة، وإنما بمكان صدوره والظرف الذي أحاط به والغاية التي رامها قائله.

وبحسب "الديب" في تصريح لـ"برلماني": فالجريمة هنا ليست جريمة كذب مجرد، وإنما جريمة تمس محراب القضاء حين يدنا الشاهد من منصة الشهادة، ويحلف يمينه، ثم يعمد عامدا إلى قلب الحقيقة وتضليل العدالة، أما التحقيقات التي تجريها النيابة العامة، مهما بلغت أهميتها في كشف الحقيقة وتمحيص الأدلة، فلا تقوم مقام مجلس القضاء في هذا الخصوص؛ إذ لكل مرحلة من مراحل الدعوى طبيعتها وأحكامها وآثارها. ومن ثم لا يصح أن تختلط مرحلة التحقيق بمرحلة المحاكمة، ولا أن تستوي الشهادة القضائية بأقوال التحقيق استواء الحابل بالنابل، وقد أقامت المحكمة هذا المعنى على أساس قانوني واضح: إذا لم تحصل الشهادة أمام القضاء، انتفى أحد الأركان اللازمة للجريمة، فغدت الواقعة منبتة الصلة بها، حتى استوت وربت الحقيقة القانونية على أصلها الصحيح.

المبدأ الثاني: هل الكذب وحده لا ينشئ جريمة الشهادة الزور؟!
يضيف "الديب": أتراه كل قول مخالف للحقيقة شهادة زور؟ كلا؛ فإن الكذب وحده لا يكفي لقيام الجريمة، وإنما يلزم أن يقترن بالظروف والأوضاع التي حددها القانون، فقد يكون القول مطربا، ولكن لا يكون شهادة زور؛ وقد يكون متناقضا، ولا يكون بذلك جريمة؛ وقد يعدل الشخص عن أقوال سبق أن أدلى بها لتوضيح امر او انه قد نسي شي امام جهات التحقيق، دون أن يصبح بمجرد هذا العدول مرتكبا لجريمة من جرائم العدالة.
وأوضح الخبير القانوني: والقانون الجنائي لا يعاقب على مجرد اضطراب الرواية لذاته، وإنما يعاقب حين تتوافر العناصر التي جعل منها المشرع قواما للجريمة. ولذلك فإن التناقض بين رواية وأخرى لا يصلح، في ذاته وبغير غيره، أن يكون جسرا يعبر عليه الحكم من دائرة الشك إلى دائرة الإدانة، فبين الكذب والشهادة الزور بون، وبين التناقض والتجريم فرق؛ الأول وصف للقول، والثاني وصف لجريمة لا تتم إلا بأركانها. وما لم تكتمل الأركان، بقي القول في دائرة الملاحظة والتقدير، ولم يجاوزها إلى دائرة العقاب.

المبدأ الثالث: القصد الجنائي ركن لا يستغنى عنه
لما كانت الشهادة الزور من الجرائم العمدية، فإن مجرد مخالفة القول للحقيقة لا يكفي للعقاب، بل يجب أن يثبت أن الشاهد قد علم بكذب ما يقول، واتجهت إرادته إلى قلب الحقيقة وقصد بها تضليل القضاء، فالقصد الجنائي في هذه الجريمة ليس ظلا تابعا للركن المادي، بل هو روح تسري في جسده؛ فإذا غاب القصد، خمدت الجريمة ولو بدا الكذب في ظاهر القول، وقد عبرت محكمة النقض عن ذلك بجلاء حين اشترطت أن يتعمد الشاهد قلب الحقيقة، وأن يكون ما يقوله محض افتراء في مجلس القضاء وبسوء نية. فليس كل خطأ كذبا، وليس كل قول شهادة زورا، وليس كل تناقض دليلا على سوء النية.
وإنما يتعين أن ترنو المحكمة إلى الباطن من خلال الظاهر، وأن تبحث: هل كان الشاهد يعلم الحقيقة ثم رام سترها؟ هل كان يعلم كذب ما قرره ثم قصد به تضليل القضاء؟ أم أن الأمر لا يعدو اختلافا في الرواية أو عدولا عن قول سابق؟ وهنا يتجلى الفارق الدقيق بين القول الذي يخالف الحقيقة والقول الذي يقصد صاحبه به تضليل الحقيقة فالأول قد يكون واقعة، أما الثاني فهو الذي يقترب من دائرة التجريم متى استكمل سائر عناصره.
المبدأ الرابع: مناط المسئولية هو تعمد قلب الحقيقة
يشترط لمسئولية الشاهد جنائيا أن يتجه قصده إلى الكذب وتعمد قلب الحقيقة، بحيث يكون ما أدلى به افتراء مقصودا في مجلس القضاء، لا مجرد رواية مضطربة أو قول متناقض، فالجريمة لا تقوم على ميزان الظاهر وحده، وإنما تحتاج إلى ميزانين متعاضدين: ميزان القول وميزان القصد؛ فإن اختل أحدهما لم تستقم دعائم الإدانة.
وما كان القضاء الجنائي ليبني الإدانة على مجرد الظنون، أو يجعل من التناقض قرينة لا تقبل المناقشة، لأن العقوبة لا تنزل على الاحتمال، ولا تقوم على التخمين، ولا تستقر إلا حيث يستقر اليقين القضائي المستخلص من عناصر الدعوى، ومن ثم، فإذا رام الحكم إدانة المتهم بالشهادة الزور، وجب أن يستظهر في أسبابه ليس فقط أن أقواله خالفت الحقيقة، بل أن هذه المخالفة كانت معلومة له ومقصودة منه وموجهة إلى تضليل القضاء.

المبدأ الخامس: لا محل للشهادة الزور في أقوال التحقيقات وحدها
لما كان الثابت أن الأقوال التي نسب الحكم إلى الطاعن الإدلاء بها كذبا قد صدرت منه في تحقيقات النيابة العامة، ولم تحصل أمام المحكمة، فإن الواقعة تفقد بذلك مقوما جوهريا من مقومات جريمة الشهادة الزور، فالتحقيق شيء، والمحاكمة شيء آخر؛ والتحقيق يمهد الطريق إلى القضاء، ولكنه لا يحل محله. وبينهما مقام ومقال، ومرحلة ومرحلة، وأثر وأثر.
ومن ثم فإن اختلاف أقوال المتهم أو الشاهد في محاضر التحقيق عن أقواله أمام المحكمة قد يكون له أثره في وزن الأدلة وتقدير صدق الرواية، لكنه لا يجعل من أقوال التحقيق بذاتها شهادة زور؛ لأن مناط التجريم – وفقا لما قررته المحكمة – أن تكون الشهادة الكاذبة قد صدرت أمام القضاء وبعد حلف اليمين، وهنا دقة القانون وروعة منطقه: ليس كل قول في أوراق الدعوى شهادة، وليس كل شهادة في أوراق الدعوى شهادة زور؛ وإنما العبرة بما حدده النص، لا بما قد يوحي به الظاهر.
المبدأ السادس: البراءة من الجريمة الأصلية لا تمنع – بذاتها – قيام الشهادة الزور
لا يمتنع قيام جريمة الشهادة الزور لمجرد أن المحكمة قضت ببراءة من نسبت إليهم الشهادة الكاذبة؛ إذ إن جريمة الشهادة الزور لها كيانها المستقل، ولا تتوقف حتما على صدور إدانة في الدعوى التي تناولتها الشهادة، فقد تفترق الجريمة الأصلية عن جريمة الشهادة الزور من حيث عناصر كل منهما، وقد يستقل كل منهما عن الآخر في التقدير القضائي. ومن ثم فإن البراءة في الدعوى الأصلية لا تعني بذاتها أن الشهادة كانت صادقة، كما أن الإدانة لا تعني بذاتها أن كل ما قيل في الدعوى كان صحيحا.
وهذا الذي قررته المحكمة يرد على خلط قد يدنا منه النظر لأول وهلة، إذ قد يتوهم أن براءة المتهمين الذين تناولتهم الشهادة تهدم بالضرورة جريمة الشهادة الزور، بينما مناط كل جريمة يجب أن يبحث في عناصرها الخاصة، فالعبرة ليست بالنتيجة وحدها، وإنما بالركن والمناط والشرط؛ ولا يغني ثبوت أحدها عن الآخر، ولا يسد فراغ عنصر بعنصر، حتى لا تتناثر الأركان شذر مذر، ولا تتحول النتيجة إلى دليل على المقدمة.

المبدأ السابع: خطأ الحكم في تطبيق القانون متى كان محضيا لا يوجب الإعادة
إذا كان الخطأ الذي ران على الحكم المطعون فيه قانونيا خالصا، وكان تصحيحه لا يحتاج إلى تقدير موضوعي جديد، جاز لمحكمة النقض أن تصحح هذا الخطأ وأن تقضي بإلغاء الحكم وبراءة الطاعن دون حاجة إلى إعادة الدعوى، وهذا من أدق تطبيقات وظيفة محكمة النقض؛ فهي لا تقف عند حدود كشف العيب، بل متى كان وجه الخطأ قد انكشف واستبان، وكان علاجه لا يتطلب إعادة وزن الأدلة أو مباشرة تقدير موضوعي جديد، فإنها تملك أن ترد الحكم إلى جادة القانون مباشرة.
فإذا دنا الخطأ من باب التطبيق القانوني، ورنا وجه الصواب من بين أوراق الدعوى، ولم يعد في الأمر مجال لتقدير موضوعي، فلا موجب لإعادة الخصومة إلى نقطة الصفر؛ إذ ليس من الحكمة القضائية أن تعاد الدعوى حيث لا تحتاج العدالة إلى إعادة، وهنا تتجلى محكمة النقض باعتبارها ميزان القانون؛ لا تستبدل تقديرها بتقدير محكمة الموضوع، لكنها إذا وجدت أن الواقعة الثابتة لا تحمل الحكم الذي رتبه عليها القانون، أعادت الحكم إلى نصابه، حتى تستوي العدالة على جودي الشرعية.
المبدأ الثامن: متى انتفى الركن القانوني وجبت البراءة
إذا كشفت مدونات الحكم عن أن الواقعة المسندة إلى المتهم لا تستجمع العناصر القانونية للجريمة، فإن الإدانة تكون قد أقيمت على غير سند من القانون، ويتعين القضاء بإلغاء الحكم وبراءة المتهم متى كان تصحيح الخطأ لا يخضع لتقدير موضوعي، فالقانون لا يترك العقوبة معلقة في الهواء، ولا يسمح بأن تقام الإدانة على واقعة لا تتوافر فيها أركان الجريمة. فإذا سقط ركن من أركانها، لم يكن الأمر نقصا عارضا يمكن ترميمه، بل خللا يمس بنيان التجريم من أساسه.
وفي الطعن محل البحث، كان الأمر أوضح من أن يلتبس؛ فالمحكمة المطعون في حكمها نسبت إلى الطاعن شهادة زور، ثم استخلصت هذه الشهادة من أقوال أدلى بها في تحقيقات النيابة العامة، مع أن القانون لا يجعل تلك الأقوال شهادة زور بالمعنى الذي تقوم به الجريمة، وهنا انكشف الخلل، وظهر وجه الصواب، واستقامت النتيجة على مقتضى القانون.
ومن ثم قضت محكمة النقض بإلغاء الحكم وبراءة الطاعن مما أسند إليه، دون بحث باقي أوجه الطعن؛ لأن الحكم حين أخطأ في تحديد مناط الجريمة، كان قد بنى إدانته على غير أساس، وما بني على غير أساس فهو إلى السقوط أقرب، وإلى الإلغاء أحق.
خاتمة جامعة:
وهكذا جاءت المبادئ الثمانية، وإن بدت متفرقة في ظاهرها، متساندة في باطنها، يشد بعضها بعضا كحلقات السلسلة، ويؤدي أولها إلى آخرها في نسق قانوني محكم، فالأول أقام مكان الشهادة، والثاني ميز بين الكذب والجريمة، والثالث أبرز القصد الجنائي، والرابع أحكم معيار تعمد قلب الحقيقة، والخامس فصل بين تحقيقات النيابة ومجلس القضاء، والسادس قرر استقلال الجريمة عن مجرد البراءة في الدعوى الأصلية، والسابع بين أثر الخطأ القانوني الذي لا يحتاج إلى تقدير موضوعي، ثم جاء الثامن خاتمة البناء ليقرر أن انتفاء ركن الجريمة يوجب إسقاط الإدانة والقضاء بالبراءة متى كان وجه الخطأ قانونيا محضا.
وبذلك لم تكن محكمة النقض أمام مجرد خلاف في الروايات، ولا أمام مفاضلة بين قول وقول، وإنما كانت أمام سؤال أعمق وأدق: هل استوت الواقعة على أركان الجريمة التي رسمها القانون، أم أن الحكم رام التجريم فيما لا يسعه نص؟ فكان جوابها فاصلا: لا عقوبة بغير نص، ولا إدانة بغير أركان، ولا شهادة زور بغير شهادة أمام القضاء وبعد حلف اليمين، ولا مسئولية جنائية بغير قصد جنائي، ولا مقام للظن حيث يتطلب القانون اليقين.
وفى الأخير يقول "الديب": وهكذا ظل سلطان القانون فوق سلطان الانطباع، وبقيت الشرعية الجنائية سدا لا يعبره الظن، وميزانا لا يميل بالهوى، حتى غدت القاعدة القضائية في صورتها النهائية درسا بليغا في أن القضاء لا يعاقب على ما يشتبه فيه، وإنما يحاسب على ما ثبت، ولا يبني الإدانة على ما يبدو، وإنما على ما استوى دليله واستقام حكم القانون عليه.
