الأحد، 09 أغسطس 2026 09:46 م

من تحت قبة البرلمان إلى انتظار تصديق رئيس الجمهورية.. لماذا حظيت جامعة "كيان" للقوات المسلحة بإجماع سياسي غير مسبوق؟ وما الذي يجعلها استثمارا في الإنسان قبل كونها إضافة جديدة لمنظومة التعليم

من  تحت قبة البرلمان إلى انتظار تصديق رئيس الجمهورية.. لماذا حظيت جامعة "كيان" للقوات المسلحة بإجماع سياسي غير مسبوق؟ وما الذي يجعلها استثمارا في الإنسان قبل كونها إضافة جديدة لمنظومة التعليم أرشيفية
الأحد، 09 أغسطس 2026 09:00 م
كتبت - نورا فخري
 
 
 
 
لم يكن مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن إنشاء جامعة "كيان" بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية مجرد إضافة تشريعية جديدة إلى منظومة التعليم العالي، بل عكس رؤية أوسع تتبناها الدولة المصرية لربط التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل ومتطلبات الأمن القومي.
 
 
ولذلك، لم يكن مستغربا أن يحظى المشروع بموافقة كاسحة من مجلس النواب، بعدما نال تأييد الأغلبية والمعارضة على حد سواء، في مشهد برلماني نادر يعكس توافقا سياسيا حول فلسفة القانون وأهدافه. ومع انتهاء البرلمان من مناقشة المشروع وإقراره، تتجه الأنظار الآن إلى تصديق رئيس الجمهورية، لتبدأ مرحلة جديدة من تطوير منظومة التعليم الجامعي المتخصص في مصر.
 
 
ويأتي هذا القانون في توقيت تضع فيه الدولة التعليم والبحث العلمي في صدارة أولوياتها، باعتبارهما المدخل الحقيقي لبناء الإنسان المصري، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز ثقافة الابتكار، وتهيئة كوادر قادرة على التعامل مع المتغيرات العلمية والتكنولوجية المتسارعة. ومن هذا المنطلق، لم يكن الهدف إنشاء جامعة جديدة فحسب، وإنما تأسيس مؤسسة أكاديمية متخصصة تعتمد على أحدث النظم التعليمية والتطبيقية، وتربط بين الدراسة النظرية والتدريب العملي، بما يتوافق مع مستهدفات الجمهورية الجديدة ورؤية مصر 2030.
 
 
وتستند فلسفة المشروع إلى تجربة أثبتت نجاحها بالفعل، إذ لم يبدأ القانون من نقطة الصفر، وإنما اعتمد على خبرة متراكمة للقوات المسلحة في إدارة المؤسسات التعليمية والتدريبية، فعلى مدار سنوات، نجحت هذه المؤسسة في تقديم نموذج يجمع بين الانضباط المؤسسي، والتعليم الأكاديمي المتطور، والتدريب العملي، وغرس قيم الانتماء والمسؤولية، وهو ما انعكس بصورة واضحة على مستوى الخريجين، ورسخ ثقة المجتمع في جودة مخرجاتها التعليمية.
 
 
ولعل أبرز النماذج التي استند إليها المشروع هي كلية الطب بالقوات المسلحة، التي استطاعت منذ إنشائها أن تحقق مكانة علمية متميزة، من خلال تطبيق أحدث نظم التعليم الطبي، وتوفير بيئة تدريبية متطورة داخل المستشفيات العسكرية، والاستعانة بكفاءات أكاديمية رفيعة المستوى. ولم يتوقف الأمر عند تخريج أطباء ذوي كفاءة عالية، بل امتد إلى حصول الكلية على الاعتماد المؤسسي والبرامجي من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، فضلًا عن مواصلة عدد كبير من خريجيها الدراسات العليا حتى درجتي الماجستير والدكتوراه، بما جعلها نموذجًا عمليا يؤكد قدرة القوات المسلحة على بناء منظومة تعليمية تضاهي النظم العالمية.
 
 
ومن هذه التجربة، انطلقت فكرة جامعة "كيان"، لكن برؤية أكثر شمولا واتساعا، فالجامعة الجديدة لا تستهدف المجال الطبي فقط، وإنما تمتد إلى مختلف مجالات العلوم التطبيقية الحديثة، مع التركيز على التكنولوجيا، والبحث العلمي، والتعليم الرقمي، والابتكار، وريادة الأعمال، بما يخلق بيئة تعليمية متطورة قادرة على إعداد كوادر تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على المنافسة في سوق العمل المحلي والإقليمي والدولي.
 
 
ولا يقتصر تميز المشروع على طبيعة البرامج التعليمية التي سيقدمها، بل يمتد أيضا إلى فلسفة القبول داخل الجامعة، إذ يتيح للمرة الأولى انضمام العسكريين والمدنيين من الذكور والإناث داخل كيان جامعي واحد، في إطار يحقق مبدأ تكافؤ الفرص والاستفادة من الخبرات المتراكمة في المؤسسات التعليمية العسكرية، مع توسيع دائرة الاستفادة منها لخدمة المجتمع بأكمله. ويعكس هذا التوجه رؤية تستهدف نقل التجربة الناجحة من الإطار العسكري إلى نطاق أوسع، بما يدعم جهود الدولة في إعداد الكفاءات البشرية في التخصصات الحيوية.
 
 
كما يحمل المشروع بعدا اقتصاديا وتنمويا مهما، إذ يأتي في ظل ما تواجهه الدولة من تحديات تتعلق باستقطاب الكفاءات المصرية في بعض القطاعات الحيوية للعمل خارج البلاد، وهو ما أدى إلى وجود فجوات في بعض التخصصات الاستراتيجية، ومن ثم، فإن إنشاء جامعة متخصصة تعتمد على أحدث وسائل التعليم والتدريب يمثل استثمارا مباشرا في العنصر البشري، ويسهم في زيادة أعداد الخريجين المؤهلين علميا وعمليا، بما يلبي احتياجات الدولة ويعزز قدرتها على مواجهة هذه التحديات.
 
 
ومن هنا، يمكن تفسير حالة الإجماع التي صاحبت مناقشة المشروع داخل مجلس النواب. فلم يكن التأييد الواسع نابعا فقط من الرغبة في إنشاء جامعة جديدة، وإنما من اقتناع مختلف القوى السياسية بأن المشروع يمثل خطوة عملية نحو تطوير التعليم التطبيقي، وتعزيز قدرة الدولة على إعداد كوادر في مجالات ترتبط ارتباطا وثيقًا بالتنمية والأمن القومي.
 
 
وقد انعكس ذلك في المناقشات البرلمانية التي شهدت توافقت على أهمية المشروع ودوره في دعم منظومة التعليم العالي،وأكد تقرير لجنة الدفاع والأمن القومي هذا التوجه، إذ أوضح أن مشروع القانون يأتي استجابة لمتطلبات تطوير التعليم العالي المتخصص، ودعم جهود الدولة في إعداد كوادر علمية وفنية مؤهلة، مع الالتزام الكامل بالضوابط القانونية والأكاديمية المنظمة للتعليم الجامعي. كما انتهت اللجنة إلى أن المشروع يتفق مع أحكام الدستور، ويحقق المصلحة العامة، ويواكب التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، بما يعزز قدرات الدولة في المجالات ذات الطبيعة الاستراتيجية.
 
 
 
ولم يكن استناد المشروع إلى الدستور أمرا شكليا، بل جاء مدعوما بعدد من النصوص الدستورية الواضحة. فالمواد 19 و21 و22 و23 أكدت جميعها حق المواطن في التعليم، وضمان جودة التعليم الجامعي، ودعم البحث العلمي، وتنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس، باعتبار البحث العلمي والتعليم ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية وبناء اقتصاد المعرفة.
 
كما استند المشروع إلى المادة 203 من الدستور، التي تنظم عرض مشروعات القوانين المتعلقة بالقوات المسلحة على مجلس الدفاع الوطني، بما يؤكد سلامة الإجراءات الدستورية التي مر بها القانون.
 
 
 
وفي المحصلة، لا ينظر إلى جامعة "كيان" باعتبارها مجرد مؤسسة تعليمية جديدة، وإنما باعتبارها نموذجا مختلفا للتعليم الجامعي يقوم على التكامل بين المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، ويستثمر في التجربة الناجحة للقوات المسلحة في إدارة المؤسسات التعليمية، مع توسيع نطاق الاستفادة منها لخدمة المجتمع المدني والعسكري معًا.
 
 
 
وإذا كان البرلمان قد منح المشروع موافقة شبه إجماعية، فإن ذلك يعكس قناعة بأن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من بناء الإنسان، وإعداد كوادر تمتلك العلم والمهارة والقدرة على الابتكار، بما يواكب طموحات الدولة في الجمهورية الجديدة ويعزز قدرتها على المنافسة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
 

الأكثر قراءة



print