الأربعاء، 05 أغسطس 2026 01:04 ص

الحلم بقى حقيقة.. من بنبان إلى السخنة مرورا بجبل الزيت.. مثلث يقود حلم مصر باصبح مصنع الطاقة الخضراء في المنطقة .. توطين صناعة الألواح والبطاريات ومكونات محطات الطاقة لا الاكتفاء بإنتاج الكهرباء فقط

الحلم بقى حقيقة..  من بنبان إلى السخنة مرورا بجبل الزيت.. مثلث يقود حلم مصر باصبح مصنع الطاقة الخضراء في المنطقة .. توطين صناعة الألواح والبطاريات ومكونات محطات الطاقة لا الاكتفاء بإنتاج الكهرباء فقط محطة طاقة شمسية
الثلاثاء، 04 أغسطس 2026 11:20 م
كتبت - نورا فخري
قبل سنوات، كانت الشمس والرياح في مصر مجرد موارد طبيعية واعدة، تُنتج الكهرباء في حدود مشروعات متفرقة. أما اليوم، فلم تعد الدولة تنظر إليهما باعتبارهما مصدرًا للطاقة فقط، بل باعتبارهما المادة الخام لصناعة جديدة قد تعيد رسم خريطة الاقتصاد المصري خلال العقد المقبل.
 
فبين الصحراء التي تستقبل آلاف ساعات السطوع الشمسي سنويًا، وسواحل البحر الأحمر التي تُصنف بين أفضل مناطق العالم لإنتاج طاقة الرياح، تتشكل ملامح قطاع صناعي جديد لا يقوم على استخراج الموارد، وإنما على تصنيع التكنولوجيا التي تحولها إلى كهرباء، ثم إلى صادرات واستثمارات وفرص عمل.
 
هذه الرؤية تكشفها وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، المقدمة من وزير التخطيط أحمد رستم، والتي وافق عليها البرلمان بغرفتيه (مجلسا النواب والشيوخ)، لتعلن انتقال مصر من مرحلة إنشاء محطات الطاقة المتجددة إلى مرحلة أكثر طموحًا؛ وهي بناء صناعة وطنية متكاملة لمكونات الطاقة النظيفة.
 
فالرهان لم يعد يقتصر على إضافة ميجاوات جديدة إلى الشبكة القومية للكهرباء، وإنما على تصنيع الألواح الشمسية والخلايا الكهروضوئية، ومكونات توربينات الرياح، وأنظمة تخزين الكهرباء بالبطاريات داخل المصانع المصرية، بما يعمق التصنيع المحلي، ويخفض فاتورة الاستيراد، وينقل التكنولوجيا الحديثة، ويضاعف القيمة المضافة للصناعة الوطنية، ويمنح المنتجات المصرية موطئ قدم داخل سوق عالمي تتسابق عليه كبرى الاقتصادات.
 
ولذلك، اختارت الدولة أن تبدأ من حيث تنتهي سلاسل التوريد العالمية؛ في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتحديدًا السخنة، إلى جانب مناطق البحر الأحمر والسويس، حيث تتجاور المصانع مع الموانئ، وتلتقي خطوط الإنتاج بخطوط الملاحة، وتتكامل مع شبكات الكهرباء والمناطق اللوجستية وسلاسل إمداد المواد الخام، لتصبح مصر منصة إقليمية لتصنيع وتصدير مكونات الطاقة المتجددة.
لكن بناء هذه المصانع لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى قاعدة قوية من مشروعات الطاقة النظيفة التي أنشأتها الدولة خلال السنوات الماضية. ففي قطاع الرياح، تمتلك مصر قدرات مركبة تبلغ 1625 ميجاوات، منها 1125 ميجاوات تابعة لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، موزعة بين محطة الزعفرانة بقدرة 545 ميجاوات، ومجمع جبل الزيت بمراحله الثلاث بقدرة 580 ميجاوات، وهي مشروعات وضعت مصر على خريطة الدول الرائدة في استغلال طاقة الرياح.
أما في الجنوب، فقد تحولت صحراء أسوان إلى أيقونة للطاقة الشمسية، بعدما أصبح مجمع بنبان أحد أكبر التجمعات الشمسية في العالم بقدرة مركبة تبلغ نحو 1465 ميجاوات على مساحة تتجاوز 37 كيلومترًا مربعًا، ويضم عشرات المحطات المملوكة لمستثمرين محليين ودوليين ضمن نظام تعريفة التغذية. ولم يعد بنبان مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل نموذجًا اقتصاديًا متكاملًا يوفر نحو 10 آلاف فرصة عمل، ويجذب استثمارات تقارب ملياري دولار، ويخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو مليوني طن سنويًا، بما يعزز مكانة مصر في سوق الطاقة النظيفة عالميًا.
واليوم، تنتقل الدولة إلى المرحلة التالية من الحكاية؛ مرحلة تصنيع التكنولوجيا نفسها.
 
ففي عام 2025، تم توقيع عقود لإنشاء مصنعين، أحدهما لإنتاج الخلايا الكهروضوئية، والآخر لإنتاج الوحدات الشمسية، بطاقة إنتاجية تبلغ 2 جيجاوات سنويًا لكل مصنع، في خطوة تستهدف بناء سلسلة إنتاج محلية تبدأ من الخلية الشمسية وتنتهي باللوح الجاهز للتصدير أو الاستخدام المحلي.
 
ثم جاءت الخطوة الأكبر في يناير 2026، مع افتتاح مجمع مصانع "إيليت سولار" بالمنطقة الصناعية في السخنة باستثمارات بلغت نحو 116 مليون دولار، ويضم مشروعين لإنتاج الخلايا والألواح الشمسية بقدرات تصل إلى 5 جيجاوات، مع نسبة مكون محلي تقارب 50%، في مؤشر واضح على انتقال الصناعة من مرحلة التجميع إلى التصنيع الحقيقي.
 
ولأن مستقبل الطاقة لا يعتمد على الإنتاج وحده، بل على القدرة على التخزين، جاء المشروع الذي تطوره شركة صنجرو الصينية ليضع مصر على خريطة صناعة البطاريات العالمية، عبر إنشاء أول مصنع في الشرق الأوسط وأفريقيا لإنتاج أنظمة بطاريات تخزين الطاقة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، على مساحة 50 ألف متر مربع، وبطاقة إنتاجية تصل إلى 10 جيجاوات/ساعة سنويًا عند التشغيل الكامل، مع توفير نحو 150 فرصة عمل مباشرة، على أن يبدأ الإنتاج خلال أبريل 2027.
 
ويتكامل هذا المصنع مع المشروع العملاق الذي تطوره شركة سكاتك النرويجية بمحافظة المنيا، والذي يجمع بين محطة ضخمة لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ومحطات لتخزين الطاقة باستخدام البطاريات، باستثمارات تتجاوز 1.8 مليار دولار، ليقدم نموذجًا جديدًا يجمع بين إنتاج الطاقة وتصنيع مكوناتها داخل مصر.
 
وتكشف هذه المشروعات عن حقيقة أكثر أهمية؛ فمستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030 لن يتحقق بمجرد إنشاء محطات جديدة، بل يحتاج إلى إضافة ما يقرب من 80 جيجاوات من القدرات خلال سنوات قليلة، في ظل نمو الأحمال الكهربائية بمعدل يقارب 6% سنويًا، وهو ما يجعل التصنيع المحلي ضرورة اقتصادية قبل أن يكون خيارًا صناعيًا.
 
ومن هنا، يأتي برنامج الصناعات الخضراء المستدامة (GSI) باعتباره الذراع التمويلية لهذا التحول، عبر حزمة تمويل تصل إلى 271 مليون يورو، لدعم مشروعات إزالة التلوث وخفض الانبعاثات والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة ورفع كفاءة الموارد وتعزيز الاقتصاد الدائري.
ولا يكتفي البرنامج بالتمويل، بل يقدم قروضًا ميسرة تصل إلى 25 مليون يورو للمشروع الواحد، مع فترات سماح تمتد لعامين، وسداد من خمس إلى ثماني سنوات، إضافة إلى منح تحفيزية تصل إلى 20% من تكلفة المشروع عند تحقيق المستهدفات البيئية، ليستفيد منها عشرة قطاعات صناعية رئيسية، من بينها الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة والألومنيوم والكيماويات، بما يعزز تنافسية الصناعة المصرية في الأسواق التي أصبحت تضع البصمة الكربونية ضمن أهم شروط النفاذ.
 
 
عندما تعود إلي خطة التنمية فتجد أنها لا تتحدث عن محطات كهرباء جديدة فحسب، بل عن اقتصاد جديد يولد من قلب الطاقة النظيفة؛ اقتصاد تتحول فيه الشمس إلى ألواح، والرياح إلى توربينات، والبطاريات إلى صناعة استراتيجية، والموانئ إلى بوابات للتصدير، والاستثمار الأخضر إلى محرك للنمو.
 
وبين بنبان التي تلتقط أشعة الشمس، وجبل الزيت الذي يحصد الرياح، والسخنة التي تصنع الخلايا والألواح والبطاريات، ترسم مصر ملامح مرحلة جديدة، لا تكتفي فيها بإنتاج الكهرباء النظيفة، بل تراهن على أن تصبح مصنعا للتكنولوجيا الخضراء، ومركزا إقليميا لصناعة الطاقة التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل.
 
 
 

print