الإثنين، 27 يوليو 2026 08:43 م

من الأبيض إلى بارا.. الجيش السودانى يوسع هجومه فى كردفان.. استعادة المدن الاستراتيجية تمهد لمعركة دارفور.. السيطرة على بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة تعيد رسم خريطة الحرب.. والدعم السريع يستهدف المدنيين بالمسيرات

من الأبيض إلى بارا.. الجيش السودانى يوسع هجومه فى كردفان.. استعادة المدن الاستراتيجية تمهد لمعركة دارفور.. السيطرة على بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة تعيد رسم خريطة الحرب.. والدعم السريع يستهدف المدنيين بالمسيرات الجيش السودانى
الإثنين، 27 يوليو 2026 07:00 م
كتبت ريهام عبد الله
بعد أكثر من 3 أعوام من حرب اتسمت بسيطرة ميليشيا الدعم السريع على مساحات واسعة من إقليم كردفان وفرضها حصارًا طويلًا على مدينة الأبيض، دخلت العمليات العسكرية خلال الأيام الأخيرة مرحلة جديدة، انتقل فيها الجيش السوداني من الدفاع عن المدن الرئيسية إلى شن عمليات هجومية متزامنة لاستعادة المراكز الحضرية والطرق الاستراتيجية التي ظلت خارج سيطرته لأشهر.
وجاءت استعادة مدينة بارا وعدد من البلدات الواقعة على طريق الصادرات في شمال كردفان لتشكل أكبر اختراق ميداني للجيش في الإقليم منذ بداية العام، ليس فقط لما تمثله هذه المدن من أهمية عسكرية، وإنما لأنها تعيد فتح أحد أهم المحاور البرية التي تربط العاصمة أم درمان بمدينة الأبيض، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمليات قد تمتد إلى غرب السودان، في وقت تصاعدت فيه هجمات الدعم السريع بالطائرات المسيّرة على المدنيين والمنشآت الخدمية، في محاولة لإبطاء التقدم العسكري وفرض كلفة إنسانية متزايدة على المناطق التي يستعيدها الجيش.
 
الجيش يفتح عدة محاور ويستعيد أهم مدن شمال كردفان
شهدت الساعات الماضية تقدماً عسكرياً واسعاً أعلن خلاله الجيش السوداني والقوة المشتركة والقوات المساندة استعادة السيطرة على بارا، والبركة، وأم سيالة، وأم قرفة، وجبرة الشيخ بعد معارك وصفت بأنها من أعنف المواجهات التي شهدتها الولاية خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضحت القوة المشتركة أن العمليات نُفذت بمشاركة القوات المسلحة وقوات "قشن" والقوات المساندة، فيما أكدت مصادر ميدانية مشاركة قوات درع السودان بقيادة أبو عاقلة كيكل في معارك أم سيالة، التي تعد من أهم نقاط الارتكاز على طريق الصادرات.
ووفقاً لبيان القوة المشتركة، أسفرت العمليات عن تدمير 73 عربة قتالية مزودة بالأسلحة، والاستيلاء على عدد من المركبات العسكرية، إضافة إلى مقتل أعداد من ضباط وعناصر الدعم السريع.
وفي الوقت نفسه، أعلنت حركة تحرير السودان مقتل اللواء عبد العزيز إسماعيل أبكر، المعروف داخل الحركة باسم "مستر هجوم 77"، خلال العمليات العسكرية في شمال كردفان، وهو ما يعكس حجم الاشتباكات التي صاحبت عملية استعادة تلك المناطق.
 
بارا.. لماذا تمثل نقطة التحول في معركة كردفان؟
لم يكن اختيار بارا هدفاً للعملية العسكرية أمراً عشوائياً، فالمدينة تعد ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، وتقع على بعد نحو 45 كيلومتراً شرق مدينة الأبيض، بينما تتحكم عملياً في جزء مهم من الطريق الذي يربط الأبيض بالعاصمة أم درمان.
كما تمثل جبرة الشيخ محطة رئيسية على طريق الصادرات، الذي يعد الشريان البري الأهم لنقل البضائع والإمدادات بين وسط السودان وغربه، في حين تقع أم سيالة بالقرب من هذا الطريق، الأمر الذي يمنح القوات الحكومية عمقاً دفاعياً جديداً حول مدينة الأبيض.
وقالت وسائل إعلام سودانية إن السيطرة على هذه المدن تحقق للجيش عدة أهداف في آن واحد؛ فهي تؤمن الأبيض من الجهة الشرقية، وتفتح ممراً جديداً للإمدادات العسكرية، وتحد من قدرة الدعم السريع على التحرك بين شمال كردفان وولاية الخرطوم، كما تمهد مستقبلاً لإعادة تشغيل طريق الصادرات، الذي يمثل شرياناً اقتصادياً مهماً للبلاد.
 
من الأبيض إلى دارفور.. هل بدأت المرحلة الثانية؟
التقدم في شمال كردفان لم يُنظر إليه باعتباره هدفاً مستقلاً، بل باعتباره جزءاً من خطة أوسع لإعادة تشكيل خريطة العمليات العسكرية غرب السودان.
وفي هذا السياق، أعلن حاكم إقليم دارفور والمشرف على القوة المشتركة، مني أركو مناوي، أن المرحلة المقبلة ستتركز على استكمال السيطرة على بقية مناطق دارفور، مؤكداً أن المناطق الواقعة في غرب الإقليم تحظى بأولوية بسبب موقعها الحدودي مع تشاد، وما تمثله من أهمية لخطوط الإمداد.
وأشار مناوي إلى أن العمليات العسكرية تستهدف أيضاً إعادة مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف الأمنية لعودة النازحين واللاجئين، مؤكداً أن القوى المتحالفة مع الجيش لا تسعى للاحتفاظ بالسلاح بعد انتهاء الحرب، وأن الحوار السياسي سيظل السبيل للوصول إلى تسوية شاملة.
وتعكس هذه التصريحات أن القيادة العسكرية تعتبر ما تحقق في شمال كردفان نقطة انطلاق لعمليات أوسع باتجاه دارفور، خاصة مع تضييق الخناق على قوات الدعم السريع في عدد من المحاور.
 
الدعم السريع يغيّر تكتيكاته.. والطائرات المسيّرة تستهدف المدنيين
في المقابل، تزامن التراجع الميداني لميليشيا الدعم السريع مع تصاعد الهجمات التي تستهدف المناطق المدنية باستخدام الطائرات المسيّرة.
فقد أعلنت حكومة ولاية شمال كردفان أن هجوماً استهدف منطقة بُربُر جنوب مدينة الأبيض أسفر عن مقتل 15 مدنياً وإصابة 7 آخرين، مؤكدة أن الضحايا كانوا من المدنيين، وأن الهجوم صاحبه نهب أعداد من رؤوس الماشية.
وأضافت حكومة الولاية أن القوات النظامية تحركت عقب الهجوم وتمكنت من ملاحقة المهاجمين وإجبارهم على الانسحاب، قبل أن تعلن فرض السيطرة الكاملة على المنطقة واستمرار عمليات التمشيط.
ويأتي هذا الهجوم ضمن سلسلة من الضربات بالطائرات المسيّرة شهدتها الولاية خلال الأسابيع الأخيرة، واستهدفت أسواقاً ومنشآت خدمية ومناطق مأهولة بالسكان.
 
المياه تدخل دائرة الاستهداف
ولم تقتصر آثار الهجمات على الخسائر البشرية، بل امتدت إلى البنية التحتية المدنية. فقد أفادت مصادر محلية بأن طائرات مسيّرة قصفت محطات المياه التي تغذي منطقة رهيد النوبة، ما أدى إلى تدمير محطة مياه في بلدة أم نبق.
وتوفر هذه المحطات مياه الشرب لآلاف النازحين الذين نزحوا من أم سيالة وجبرة الشيخ وشرق بارا، وهو ما يهدد بتفاقم الأزمة الإنسانية في منطقة تستضيف أعداداً كبيرة من الأسر الفارة من القتال.
ويرى عاملون في المجال الإنساني أن استهداف مصادر المياه يضاعف معاناة المدنيين، خصوصاً في ظل تراجع الخدمات الأساسية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى أجزاء واسعة من شمال كردفان.
 
معركة الطرق.. أكثر من مجرد استعادة مدن
تكشف التطورات الأخيرة أن المعركة الدائرة في شمال كردفان لم تعد مجرد سباق للسيطرة على المدن، بل أصبحت معركة للسيطرة على الطرق وخطوط الإمداد التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة من الحرب.
فاستعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة تعني عملياً استعادة أجزاء واسعة من طريق الصادرات، وهو ما يمنح الجيش أفضلية لوجستية طال انتظارها، ويعزز قدرته على دعم قواته في الأبيض والانطلاق غرباً نحو دارفور.
وفي المقابل، تشير الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة على المدنيين ومحطات المياه إلى أن الدعم السريع تحاول تعويض خسائرها الميدانية بإطالة أمد الأزمة الإنسانية وإرباك المناطق التي خرجت من نطاق سيطرتها.
وبينما يواصل الجيش توسيع نطاق سيطرته في شمال كردفان، يبقى تثبيت هذه المكاسب وتأمين الطرق وحماية المدنيين هو التحدي الأكبر، في ظل حرب تتغير فيها خرائط السيطرة بوتيرة متسارعة، لكن آثارها الإنسانية تتفاقم يوماً بعد آخر.

الأكثر قراءة



print