تعيش أوروبا اليوم واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخها الحديث، إذ تواجه عاصفة من الأزمات المتزامنة التي تهدد استقرارها الاقتصادي والأمني. فبين استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، التي دخلت عامها الرابع، وتصاعد التوتر في الشرق الأوسط مع إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية، تجد القارة العجوز نفسها محاصرة بين تهديدين وجوديين: الأول عسكري على حدودها الشرقية، والثاني طاقوي يضرب قلب اقتصادها.
فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط المنقول بحراً في العالم ، يمثل شريان حياة حيوياً لأوروبا. فأي اضطراب فيه ينعكس على إمدادات الوقود الأوروبية خلال ساعات، مما يجعل القارة بأكملها رهينة لأحداث قد تقع على بعد آلاف الكيلومترات .
الأزمة الأولى: الحرب في أوكرانيا واستنزاف الموارد
لم تتعاف أوروبا بعد من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في 2022، حينما هزت أسعار الطاقة القارة وأشعلت التضخم. ورغم أن أوروبا تمكنت من تقليل اعتمادها على الغاز والنفط الروسيين، إلا أن الحرب ما زالت تستهلك مئات المليارات من اليوروهات التي تضخها الدول الأوروبية دعماً لكييف.
ويؤكد مدير آلية الاستقرار الأوروبي بيير غراميغنا أن أوروبا أصبحت "أكثر استعداداً مما كانت عليه في 2022"، مع تنويع مصادر الطاقة وتراجع كثافة الإنتاج الطاقوي . لكنه يقرّ بأن أوروبا لا تزال تستورد نحو 60% من احتياجاتها الطاقوية، منها 90% من النفط والغاز، مما يعني أن الصدمات العالمية لا تزال تؤثر فيها بعمق.
والأخطر أن استمرار الحرب وغياب أي مؤشر على رغبة روسيا في التفاوض الجاد يبقيان أوروبا في حالة استنفار دائمة، ويجعلان أي تعافٍ اقتصادي مستدام بعيد المنال . وقد استغل الكرملين هذا الوضع ليسوّق لفكرة أن أوروبا "لا تستطيع البقاء" من دون النفط والغاز الروسيين ، في محاولة لاستعادة نفوذه الطاقوي على القارة.
الأزمة الثانية: مضيق هرمز وصدمة الطاقة الثالثة
مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز، واجهت أوروبا ما يصفه المحللون بـ"صدمة النفط الثالثة" . فأسعار النفط الخام قفزت فوق 100 دولار للبرميل مطلع مايو 2026 ، مما رفع تكاليف الطاقة والكهرباء بشكل حاد على الأسر والصناعات الأوروبية على حد سواء.
وهذه الأزمة تأتي في وقت بالغ الحساسية، إذ تعاني أوروبا أصلاً من تباطؤ اقتصادي ومخاوف من الركود. فارتفاع أسعار الطاقة يغذي التضخم في قطاعات النقل والزراعة والسلع المصنعة، ويزيد من خطر فقر الطاقة الذي يهدد ملايين الأسر الأوروبية . وقد أقرت المفوضية الأوروبية بأن ارتفاع تكاليف الطاقة يزيد من مخاطر فقر الطاقة، وقدمت تدابير لحماية المستهلكين الضعفاء، لكن الحلول الهيكلية طويلة الأمد ما زالت بعيدة المنال .
ويكشف هذا الواقع عن مفارقة قاسية: ففي الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى تحول طاقوي سريع، تضغط الأزمات المتلاحقة على الحكومات لتراجع خططها الخضراء وتلجأ إلى حلول قصيرة الأجل. وتقول رئيسة حزب الخضر الأوروبي المشاركة، فولا تسيتسي، إن أوروبا ما زالت عالقة في حلقة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتتخذ "خطوات إلى الأمام وخطوات إلى الوراء" في تحولها الأخضر .
التداعيات الاقتصادية: تضخم وتباطؤ وضعف تنافسي
يشكل الارتفاع المتواصل في أسعار الطاقة تهديداً مباشراً للقدرة التنافسية للصناعة الأوروبية. إذ تبلغ أسعار الكهرباء الصناعية في أوروبا ضعف نظيرتها في الولايات المتحدة أو الصين . وهذا يعني أن أي صدمة سعرية مطولة ستلحق أضراراً جسيمة بالنمو الاقتصادي والوظائف، في وقت تعاني فيه أوروبا أصلاً من مشكلة تنافسية هيكلية مرتبطة بضعف نمو الإنتاجية وتراجع الديموجرافيا .
ويدعو جراميجنا إلى تعزيز "الاستقلالية الاستراتيجية" لأوروبا، والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة للحد من التبعية للخارج، لكنه يحذر من أن القيام بذلك عبر تدابير طارئة متكررة غير مجدٍ، وأن الحل يكمن في تقليل الاعتماد الخارجي بشكل جذري .
التحديات الأمنية: أوروبا خارج طاولة المفاوضات
على الصعيد الأمني، يبدو الموقف الأوروبي ضعيفاً ومشتتاً. فالمفاوضات حول مستقبل مضيق هرمز تجري بين الولايات المتحدة وإيران أساساً، بينما تقف أوروبا خارج الطاولة الدبلوماسية . وعلى الرغم من أن فرنسا وبريطانيا تقودان جهوداً لتشكيل تحالف بحري أوروبي لفتح المضيق وإزالة الألغام، فإن هذه الجهود تنتظر موافقة سياسية لم تحصل بعد، وتواجه عوائق قانونية ولوجستية كبيرة .
حتى أن محاولة فرنسية أخيراً للاتفاق مع سلطنة عُمان لإزالة الألغام من المضيق قوبلت برفض إيراني فوري، مما أظهر مدى هشاشة الموقف الأوروبي وعدم قدرته على فرض شروطه في المنطقة . ويؤكد المحللون أن أوروبا تملك السفن والقدرات، لكنها تفتقر إلى السياسة الواضحة والإرادة الموحدة لاستخدامها بفعالية.
أما على الصعيد المؤسسي، فقد وسّع الاتحاد الأوروبي إطار عقوباته ليشمل الأفراد والكيانات المتورطة في تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز ، لكن هذه الإجراءات تبقى رمزية في مواجهة تحدٍ أمني بهذا الحجم.
تواجه أوروبا اليوم أزمة وجودية تتجاوز حدود الجغرافيا. فبينما تشتعل النيران في الشرق، وتُغلق ممرات الطاقة في الجنوب، تجد القارة نفسها عالقة بين استجابة عاجلة غير كافية واستراتيجية طويلة الأمد لم تُبلور بعد. إن فشل أوروبا في التعلم من دروس أزمة 2022، وتسارع الأحداث في الشرق الأوسط، يعرضان مستقبلها الاقتصادي والأمني لخطر كبير.
ويبدو أن الحل لن يكون في تدابير طارئة أو عقوبات إضافية، بل في إعادة هيكلة جذرية لسياسات الطاقة، وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، وتوحيد الموقف الأوروبي في مواجهة الأزمات. فكما قال رئيسة حزب الخضر الأوروبي: "إذا استمررنا في العمل كالمعتاد، لن نصل إلى أي مكان" . والأسابيع والأشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت أوروبا ستتمكن من تجاوز هذه العاصفة، أم أنها ستغرق في موجة طويلة من الاضطراب الاقتصادي والأمني.