الجمعة، 17 يوليو 2026 05:45 م

بعد 117 عاما.. سقوط آخر جدار فى أوروبا.. اتفاق جبل طارق بين الانتصار الدبلوماسى والتحديات السيادية.. محاولة تحويل الصخرة المتنازع عليها وتفتح آفاق اقتصادية.. فهل ينجح فى إنهاء أزمة عمرها أكثر من 3 عقود؟.. فيديو

بعد 117 عاما.. سقوط آخر جدار فى أوروبا.. اتفاق جبل طارق بين الانتصار الدبلوماسى والتحديات السيادية.. محاولة تحويل الصخرة المتنازع عليها وتفتح آفاق اقتصادية.. فهل ينجح فى إنهاء أزمة عمرها أكثر من 3 عقود؟.. فيديو إزالة سياج جبل طارق
الجمعة، 17 يوليو 2026 04:00 م
فاطمة شوقي
فى مشهد وصفه الخبراء بأنه الأكثر تأثيرا فى العلاقات الإسبانية -البريطانية منذ عقود، زار رئيس الوزراء الإسبانى بيدرو سانشيز، مدين لا لينيا الإسبانية المتاخمة لـ جبل طارق، حيث شهد بنفسه مراسم إزالة السياج الحدودى الفاصل بين الجانبين، فى خطوة اعتبرها الكثيرون نهاية حقبة طويلة من التوتر والانقسام.
 
وجمع الحدث التاريخي بين سانشيز ورئيس وزراء جبل طارق، فابيان بيكاردو، في لقاء وصف بالرمزي، إذ يجسد التحول الكبير في العلاقات بين الجانبين بعد سنوات من الجمود السياسي. وحضر المراسم المئات من سكان المنطقة الذين توافدوا لمشاهدة اللحظة الفارقة، حاملين الأعلام الإسبانية، ومطلقين الزغاريد ابتهاجاً بانتهاء معاناتهم اليومية مع الحدود.
 
كلمة سانشيز: "جرح مفتوح" يلتئم
في كلمة مؤثرة ألقاها خلال المراسم، وصف سانشيز السياج الحدودي الذي ظل قائماً لمدة لا تقل عن 117 عاما،  بأنه "جرح مفتوح" لآلاف العمال الذين كانوا يعبرونه يومياً. وقال: "لسنوات طويلة، كانت هذه الحدود بمثابة جرح مفتوح للآلاف من العمال الذين يعبرونها كل يوم، واليوم نصنع التاريخ، تاريخاً جيداً، بسقوط آخر جدار في أوروبا القارية، وبداية عصر جديد من الازدهار المشترك  لمنطقة كامبو دي جبل طارق".

 

وأضاف سانشيز: "ما نشهده اليوم ليس مجرد إزالة لسياج معدني، بل هو إزالة للحواجز النفسية والاقتصادية التي فصلت بين عائلات وأصدقاء لعقود. هذا الاتفاق يثبت أن الدبلوماسية والحوار قادران على تحقيق ما بدا مستحيلاً".


وأشار رئيس الوزراء الإسباني إلى أن الاتفاق سينعكس إيجاباً على حياة المواطنين في المنطقة، معتبراً إياه نموذجاً يحتذى به في حل النزاعات الحدودية في أوروبا والعالم.

 

اتفاق تاريخي بعد سنوات من المفاوضات

وجاءت هذه التصريحات بعد ساعات من دخول اتفاق حرية التنقل بين جبل طارق والاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عند منتصف ليل الثلاثاء، في خطوة أنهت سنوات من المفاوضات المعقدة التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2020.




وكانت بريطانيا قد غادرت التكتل الأوروبي دون أن يتم حسم وضع جبل طارق، وهو الإقليم البريطاني الواقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، مما خلق حالة من الغموض القانوني والسياسي. وبموجب الاتفاق الجديد، سيتم تطبيق قواعد منطقة شنجن الأوروبية على جبل طارق، مع نقل إجراءات مراقبة الهجرة والتأشيرات إلى الميناء والمطار، بدلاً من الحدود البرية.

 

ويُعد هذا الاتفاق ثمرة جهود مضنية بدأت مع مفاوضات "البريكست"، حيث وقعت مدريد ولندن اتفاقاً مؤقتاً في نهاية 2020 للحفاظ على حرية التنقل بين الجانبين، لكن توقيع اتفاق نهائي استغرق سنوات من المفاوضات الشاقة، شهدت لحظات توتر وتراجع، قبل أن تثمر في النهاية عن هذا الإنجاز التاريخي.

 

احتفالات شعبية تغمر المنطقة

شهدت المنطقة احتفالات شعبية عارمة، حيث تجمع المئات من سكان الجانبين عند المعبر الحدودي، وحرصوا على توثيق اللحظة التاريخية بهواتفهم المحمولة. وقام عمال بهدم الأجزاء المعدنية من السياج الحدودي، وسط تصفيق وهتاف الحاضرين، فيما توافدت السيارات والمشاة لعبور الحدود دون أي عوائق للمرة الأولى منذ عقود.


وبكى بعض السكان المسنين بكوا فرحاً، قائلين إنهم لم يتخيلوا أن يشهدوا هذا اليوم في حياتهم. وأكد أحد العمال الذين يعبرون الحدود يومياً أن "هذا اليوم سيغير حياتنا وحياة أبنائنا إلى الأبد".


وأشارت التقارير إلى أن حركة العبور شهدت انتظاماً ملحوظاً منذ الصباح الباكر، دون أي طوابير أو تأخير، وهو ما لم يكن مألوفاً في السابق، حيث كانت الطوابير تمتد لساعات في أوقات الذروة، خاصة في فترات التوتر السياسي بين البلدين.

 

إجراءات أمنية جديدة

غير أن حكومة جبل طارق أوضحت أن ما تمت إزالته هو الجزء المخصص لعبور المشاة فقط، فيما سيتم استبدال بقية السياج بسياج جديد عالي الأمان، في إشارة إلى أن الإجراءات الأمنية ستظل قائمة لكن بآليات مختلفة. وأكدت السلطات أن الترتيبات الجديدة ستركز على مراقبة الحدود عبر الكاميرات والتقنيات الحديثة، بدلاً من التفتيش اليدوي الذي كان يسبب الطوابير الطويلة.

 

وقال مسؤول في حكومة جبل طارق: "الأمن لا يزال أولوية قصوى، لكننا نريد أن يكون التدفق الحدودي أكثر سلاسة وكفاءة". وأضاف أن الإجراءات الجديدة ستشمل تبادل المعلومات بين السلطات الإسبانية والبريطانية والجبل طارقية، لضمان عدم استغلال حرية التنقل في أنشطة غير قانونية.

ازالة سياج جبل طارق
ازالة سياج جبل طارق

 

خلفية تاريخية للأزمة

تُعد هذه الخطوة تتويجاً لجهود مضنية بدأت مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن جذور الأزمة تعود إلى أبعد من ذلك بكثير. ففي عام 1969، أغلقت إسبانيا حدودها مع جبل طارق إبان حكم الديكتاتور فرانثيسكو فرانكو، احتجاجاً على استمرار السيادة البريطانية على الإقليم بعد استفتاء عام 1967، الذي اختار فيه السكان بأغلبية ساحقة البقاء تحت الحكم البريطاني.

 


واستمر الإغلاق 13 عاماً، تاركاً آثاراً عميقة في حياة الآلاف من العائلات التي فرقتها الحدود، وقطع سبل العيش عن العديد من العمال الذين كانوا يعتمدون على العمل في جبل طارق. وحتى بعد إعادة فتح الحدود، ظلت التوترات السياسية تؤثر على حركة المرور، مع فرض إجراءات مشددة في أوقات الخلافات الدبلوماسية.


وكانت إسبانيا تطالب دوماً بالسيادة على جبل طارق، وهو موقف تدعمه الأمم المتحدة منذ صدور قرارها الشهير عام 1965، لكن بريطانيا تتمسك بموقفها القائل إنها لن تتنازل عن السيادة دون موافقة سكان الإقليم، وهو ما كرسته استفتاءات متتالية كانت نتيجتها دائماً لصالح البقاء بريطانياً.


وتعود أزمة جبل طارق إلى تاريخ احتلالها إلى 322 عاماً، شهدت تطوراً دراماتيكياً بإغلاق الحدود عام 1969 واستمرار النزاع السيادي حتى الاتفاق الأخير.

 

أهمية اقتصادية واستراتيجية

يُذكر أن جبل طارق، الذي لا تتجاوز مساحته 7 كيلومترات مربعة، يتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية عند مدخل البحر المتوسط، حيث يسيطر على مضيق جبل طارق، أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم. وهذا الموقع جعل منه قاعدة عسكرية بريطانية رئيسية، فضلاً عن كونه مركزاً اقتصادياً مهماً.


يعتمد اقتصاد جبل طارق على الخدمات المالية والرهانات الإلكترونية والخدمات الرقمية، ويتمتع بواحدة من أعلى معدلات الدخل الفردي في العالم، حيث تتجاوز 80 ألف دولار سنوياً للفرد. وفي المقابل، يعتمد نحو 15.5 ألف عامل يومياً من منطقة كامبو دي جبل طارق الإسبانية على عبور الحدود للعمل في الإقليم، وهي منطقة عانت تاريخياً من ارتفاع معدلات البطالة، التي كانت تصل في بعض الفترات إلى 30%، مما يجعل هذا الاتفاق شريان حياة حقيقياً لسكانها.


وتشير التقديرات الاقتصادية، إلى أن إزالة الحواجز الحدودية قد تساهم في زيادة النشاط التجاري في المنطقة بنسبة تصل إلى 15% خلال العامين المقبلين، مع توقعات بزيادة الاستثمارات العقارية والسياحية في لا لينيا والبلدات المجاورة.

 

ردود فعل دولية

حظي الاتفاق بإشادة دولية واسعة، حيث رحبت به كل من بروكسل ولندن. وأكدت المفوضية الأوروبية أن الاتفاق يمثل "نموذجاً للتعاون بين الاتحاد الأوروبي ودولة ثالثة في قضية حساسة"، فيما وصفته الحكومة البريطانية بأنه "خطوة مهمة للحفاظ على الازدهار المشترك في المنطقة".

 

كما أبدت الولايات المتحدة اهتمامها بالتطورات، خاصة وأن جبل طارق يضم قاعدة عسكرية أمريكية وبريطانية مشتركة، وتعتبر واشنطن استقرار المنطقة مهماً لأمن الملاحة البحرية في المتوسط.

 

تحديات مستقبلية

رغم الأجواء الاحتفالية، لا تزال هناك تحديات تواجه تنفيذ الاتفاق، أبرزها، قضية السيادة حيث لم يحل الاتفاق النزاع التاريخي حول ملكية جبل طارق، بل جمدها مؤقتا لصالح التعاون الاقتصادى والأمنى، بالإضافة إلى الضرائب حيث مازالت هنام خلافات حول السياسات الضريبية لجبل طارق التي تعتبرها إسبانيا غير عادلة وتشدع على هروب رؤوس الأموال، والتنسيق الأمني ويتطلب الاتفاق عاليا من التنسيق بين سلطات الجانبين فى مجالات الهجرة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا الاتفاق قد يكون نقطة تحول في العلاقات بين إسبانيا وبريطانيا، وأن نجاحه قد يفتح الباب لحلول دبلوماسية لقضايا خلافية أخرى.

 

لا يمثل اتفاق جبل طارق مجرد تسهيل لحركة العبور، بل يعد نموذجاً رائداً لكيفية معالجة إحدى أكثر القضايا تعقيداً التي خلفها "بريكست". ولهذا وصف سانشيز إزالة السياج بأنها "سقوط آخر جدار في أوروبا القارية"، في إشارة إلى نهاية مرحلة طويلة من الانقسام، وبداية مرحلة جديدة من التعاون بين ضفتي الحدود، حيث تجتمع المصلحة الاقتصادية مع الإرادة السياسية لطي صفحة من أكثر الصفحات تعقيداً في التاريخ الأوروبي الحديث.

موضوعات متعلقة :

24 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030.. منظمة العمل الدولية: الاقتصاد الدائرى يعزز فرص التشغيل عالميا.. وتكشف: 52% من العاملين به خارج القطاع الرسمى.. والنساء يمثلن 26% فقط.. وتدعو إلى الاستثمار فى المهارات

غارات أمريكية تستهدف مطارا و6 جسور فى إيران.. طهران ترد بشن هجمات بالمنطقة وتستهدف دول خليجية والأردن وسوريا.. الحرس الثورى الإيرانى يستهدف قاعدة التنف بريف دمشق..ويتوعد: لن يتم تصدير قطرة نفط أو غاز من المنطقة

خطوة نحو المستقبل.. وكالة الفضاء تطلق حزمة تدريبية للطلاب والخريجين طوال الصيف.. برامج فى هندسة وتجميع وتكامل واختبار الأقمار الصناعية وهذه تفاصيل التقديم والفئات المستهدفة

إدارة التنبؤات بهيئة الأرصاد تكشف توقعات طقس صيف 2026.. الدكتور محمود شاهين: الصيف لم يعد فصل الاستقرار والعام الماضى شهدنا أمطارا فى عز الحر وتكرارها وارد.. ويوجه نصائح للمواطنين لتجنب تأثيرات منخفض الهند

ألمانيا تحاصر تمويل الإخوان.. تحركات تكشف تنامي الوعي الأوروبي بخطورة شبكات الدعم المالي للجماعة.. باحث سياسي: لابد من ضرورة تشديد الرقابة على مصادر التمويل والنفوذ داخل المجتمعات الغربية

واشنطن تحسم الجدل.. لا اتفاق سلام فى السودان حتى الآن.. مسعد بولس: نواصل المفاوضات وبنود جوهرية تم رفضها.. الخرطوم تعتمد ردها على مقترحات الوساطة وتتمسك بوحدة البلد.. والدعم السريع توافق على هدنة وترفض الانسحاب


الأكثر قراءة



print