سن الحضانة - أرشيفية
تعتبر حضانة الأولاد وتربيتهم في الأصل مسؤولية مشتركة للأبوين قال الله تعالى: "وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً"، وهذا تأكيد من أن المقصد في الآية الكريمة أن العلاقة بين الصغير ووالديه هي الرعاية والتربية بما يحقق مصلحة الأولاد، ويضمن أن ينشأوا نشأة سليمة ليكونوا نافعين لأبويهم وللمجتمع، وعليه فإن كلا الوالدين دون تمييز يستحقان الرحمة دون تمييز بين الأم أو الأب بالنظر لأدوارهما في حياة أبنائهما، وتأسيساً على ذلك فإن الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع المبنية على الشراكة والتكامل.
ولا شك أن حضانة الوالدين للأولاد في ظل وجود أسرة مستقرة لا يرتب أية مشكلات من الناحية الفعلية، حيث دوام العشرة واستمرار العلاقة الزوجية بين الأبوين، ولكن تظهر المشكلة بوضوح عند انتهاء العلاقة الزوجية، إما بالطلاق أو بوجود مشكلات معلقة بينهما، أو بوفاة الأب، حيث يتم التنازع على من الأحق بحضانة الأولاد في حالة الطلاق: الأم أو الأب، وفي حالة وفاة الأب، تنشأ الخلافات بين الأم الأرملة وعائلة المتوفي "الجد والجدة، الأعمام... الخ"، وفي جميع الحالات يتضرر الأطفال من النزاع القائم حول من يجب أن يحتضنهم ويرعاهم.
"سن حضانة" الصغير بين التأويل والتطبيق
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على مسألة "سن الحضانة"، فإذا كان هناك من يرى أن هناك خلاف فقهي حول سن الحضانة فإنه يتوجب على الجميع إرجاع الأمر إلى صحيح الرأي من الدين، ذلك أن الإجماع على أن معيار التمييز الصغير دليل على انتهاء سن حضانة النساء، بمعنى أن يصل المحضون إلى سن التمييز وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن سن التمييز هو سبع سنوات، ونستعرض معا الآراء الفقهية حول ذلك الأمر – بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض شوكت مدبولى .
في البداية – الرأي الأول والصحيح من كلام أهل العلم أن بلوغ الصغير أو الصغيرة سن 7 سنوات ينتهي إليها أمد الحضانة وحينئذ يخير بين أبويه، كما قضى بذلك عمر وعلي وشريح - قال ابن قدامة - وهو إجماع الصحابة واستدل على ذلك بما رواه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة جاءت فقالت: يا رسول الله؛ إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم استهما عليه فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أبوك وهذه أمك وخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به، قال الترمذي: حديث صحيح – وفقا لـ"مدبولى".
الرأي الثانى
الرأي الثانى - وفي المغني لابن قدامة قال: وروي عن عمر أنه خير غلاما بين أبيه وأمه، كما روي عن عمارة الجرمي أنه قال: خيرني علي بين عمي وأمي وكنت ابن سبع سنين أو ثمان، قال ابن قدامة: وهذه مظنة الشهرة ولم تنكر فكانت إجماعا، وكل تلك الآثار أخرجها عبد الرزاق في مصنفه، وقال ابن القيم: كما احتج لهذا القول بأن التخيير يستدعي التمييز والفهم ولا ضابط له في الأطفال، فضبط بمظنته وهي السبع فإنه أول سن التمييز، ولهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم حدا للوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة، ثم ذكر قول أبي بكر وعمر وأبي هريرة، وقضاءهم بذلك، وذكر عن حرب بن إسماعيل قال: سألت إسحاق بن راهويه إلى متى يكون الصبي مع أمه إذا طلقت؟ قال: أحب إلي أن يبقى مع أمه إلى سبع سنين ثم يخير، قلت له: أترى التخيير؟ قال: شديدا. قلت: فأقل من سبع سنين لا يخير؟ - هكذا يقول "مدبولى".
الرأي الثالث
أما الرأي الثالث فقد رأي التخيير هو ما نراه راجحا لما ذكر من الأدلة، ومما يرجح حق الأب هنا كون الأم متزوجة بأجنبي عن الطفل، وذلك يسقط حقها في الحضانة قبل سن التخيير بالإجماع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي، رواه أبو داود والبيهقي، ولاشتغالها بأمر زوجها، وهذا كله مما يرجح جانب الأب وحقه في انتقال الابن إليه ورعايته له بعد ما بلغ سن التخيير – طبقا للخبير القانوني.
التعديلات الأخيرة المقترحة عند سن 15 سنه
ووفقا للتعديلات الأخيرة ومشروع قانون الاحوال الشخصية الجديد الأسرة، قرر فى مادته 148 وما بعدها تستمر حضانة النساء "الأم" للأطفال حتى سن 15 عاما للذكر والأنثى على حد سواء، وبعد هذا السن، يمنح القاضي الصغير أو الصغيرة الحق في الاختيار بين البقاء مع الحاضنة أو الانتقال للأب – كما يرى "مدبولى".
ولما كان ذلك فى تجاوز صريح وافتئاتا على الثابت من الشرع الحنيف ومخالفاً لقول وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الائمة من السلف الصالح أبو بكر وعمر، حيث قرر مشروع القانون بأن ينتهى سن حضانة النساء ببلوغ الصغير أو الصغيرة سن 15 عاماً، وعند بلوغ الـ 15 يخير الطفل بالبقاء مع الحاضنة دون أجر حضانة أو الانتقال للطرف الآخر، فإنه من الواجب إعادة النظر مرة أخرى إلى ذلك القانون المعيب حتى لا نهدر حقا للمحضون والحاضن ولصاحب الترتيب فى حق حضانة الصغار، سيما وأنه قد طالعتنا بعض الآراء الشاذة تدعى أن تعيين سن الحضانة يرجع إلى أصول طبية ونفسية واجتماعية – بحسب "مدبولى".
الأسباب الآتية:
1-القانون المعيب قرر تخيير الطفل بعد سن 15 بين أبيه وأمه، فإذا كانت السن المعتبرة لانتهاء الحضانة للنساء هي 15 سنة، فلا معنى لتخيير الطفل بعدها، لأن الحضانة قد انتهت أصلا بإنتهاء سنها المناسب، وإن كان التخيير معترفا به في القانون عند وصول المحضون لسن 15 سنة، فمعنى ذلك أن الطفل يبلغ من النضج الإدراكي ما يؤهله للاختيار، وهذا يهدم بدوره دعوى أن سن الحضانة يمتد إلى 15 سنة .
2-مخالفة القانون الإجماع الطب النفسي وعلم نفس النمو للطفل ما بين 6 سنوات الى 12 سنة : فقول القانون بأن السن 15 سنة أقصى حد لحضانة النساء ليس له أصل في أي من المراجع الدولية المعتبرة في الطب النفسي للطفولة وعلم نفس النمو، بل الإجماع الدولي يقوم على نقيضه، فالبحث الدقيق فى عام نفس النمو نجد أن جميع شراح هذا العلم أكدوا أن سن الإدراك العقلي والنفسي الانفعالي يبدأ من سن 6 سنوات وحتى 12 سنه، وهو ما يؤكد الرؤية الشرعية أيضا .
3-التحليل البعدى فى علم نفس النمو والتى أجريت على حالات متعددة لأطفال خلال مرحلة السن المختلفة، فخلص إلى أن الأطفال في ترتيبات الحضانة المشتركة للأبوين يظهرون تكيفا نفسيا وسلوكيا وتعليميا أفضل من نظرائهم في الحضانة المنفردة، وأن مبيت الصغير لدى أبيه يؤدى إلى تعديل السلوك الطبيعي للصغير والاستقرار النفسي له بغض النظر عن مستوى النزاع بين الأبوين .
4-التحليل البعدي الموسع فى علم نفس النمو للبروفيسورة Nielsen من جامعة Wake Forest على أكثر من 60 حالة مختلفة دينياً وثقافياً واجتماعياً وتعليمياً ومالياً، وهي دراسات موثقة ثبت أن الحضانة الفيزيائية المشتركة تنتج نتائج أفضل في الصحة النفسية، والأداء التعليمي، والعلاقات الاجتماعية، بصرف النظر مستوى النزاع بين الأبوين .
5-قررت أعمال وأبحاث الدكتور Michael Lamb: أن شخصية الأب للصغير ذات صفة تعلقية من الأشهر الأولى وأن انقطاع هذا التعلق له آثار عصبية وسلوكية موثقة "المرجع المؤسس The Role of the Father in Child Development".
6-النتائج المترتبة على الحرمان الأبوي: فقد أثبتت الدراسات الاجتماعية والنفسية أن الأطفال المحرومين من الأب يعانون:
أ ) ضعف التحصيل الدراسي بمعدل قليل بالمقارنة مع أقرانهم، ويزداد ذلك الضعف مع إقحام الصغير المحضون فى المشاكل الأسرية بين الأبوين .
ب ) ارتفاع معدلات الانحراف السلوكي ولا سيما لدى الذكور، فالكثير منهم يعانون من اضطرابات نفسية وعداء غير مفهوم وغير مبرر للجنس الآخر .
ج ) اضطرابات الهوية الجنسية والنفسية خلال مرحلة التميز والإدراك من 6 إلى 12 سنة.
د ) ارتفاع معدلات الاكتئاب في المراهقة التي تبدأ من مرحلة الحلم إلى بلوغ الصغير أو الصغيرة لسن 15 سنة .
وفى الأخير يقول "مدبولى": مما نخلص معه أن المرحلة العمرية التي يدعي واضعي القانون والمصممين على أن سن حضانة الصغير هى 15 وأنها "الأنسب" لبقاء الطفل بعيدا عن أبيه "من الميلاد إلى 15 سنة" هي بالضبط النافذة الحرجة (Critical Window) التي يحدث الحرمان الأبوي فيها أعمق، مما يؤدي إلى أضرار عصبية ونفسية وسلوكية، لا يمكن تداركها أو إصلاحها، فالطفل يحتاج كلا أبويه في كل مراحل نموه، وأن أي نظام قانوني يحتجز الطفل عن أحدهما باسم مصلحته إنما يلحق به ضررا عميقا ويصبح معه شخصا غير سوى .