محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "د" – بمحكمة النقض – حكماً مهماً حول الاختصاص الولائي بمنازعات الحيازة الزراعية، يضع مبدأ قضائياً قالت فيه: "إن المنازعات المتعلقة بنقل بيانات الحيازة الزراعية تُعد منازعة إدارية ينعقد الاختصاص بنظرها لمحاكم مجلس الدولة؛ باعتباره صاحب الولاية العامة دون غيره بالفصل في كافة المنازعات الإدارية"، وذلك فى الطعن المقيد برقم 19536 لسنة 93 القضائية.
ملحوظة:
الحكم يُجيب على العديد من الأسئلة أبرزها ماهي المحكمة المختصة بنظر دعاوى نقل الحيازة التي تتضمن الطعن على قرارات اللجان الإدارية هل محكمة القضاء الإداري أم المحكمة الابتدائية؟ قضاء عادي أم قضاء إداري؟ هل أصبحت كل دعاوى الحيازة من اختصاص مجلس الدولة ام أن الأمر يقتصر على الطعن على قرارات اللجان الإدارية التي تشكل في الإدارات الزراعية فقط على النحو الذي تم تسليط الضوء عليها في هذا الحكم وحكم المحكمة الدستورية العليا؟ جدير بالذكر أنه سبق للمحكمة الدستورية العليا أن أكدت انعقاد الاختصاص لمحكمة القضاء الإداري وها هي محكمة النقض تؤكد على ذلك.
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 19536 لسنة 93 القضائية، برئاسة المستشار محمد عبدالراضى الشيمى، وعضوية المستشارين ناصر السعيد مشالى، وعمر القاروق عبدالمنعم، والدكتور أحمد نبيل طبوشة، وأحمد منير الببلاوى، وبحضور كل من رئيس النيابة خالد صبرى، وأمانة سر إبراهيم محمد عبدالمجيد.
تأكيداً لسيادة القانون وتحديداً للاختصاص القضائي الواضح بين جهات القضاء، أرست محكمة النقض "الدائرة المدنية" حكماً حديثاً بارزاً يُمثل خطاً فاصلاً في منازعات نقل وبيانات الحيازة الزراعية.
المبدأ القانوني المستخلص:
"إن المنازعات المتعلقة بنقل بيانات الحيازة الزراعية تُعد منازعة إدارية ينعقد الاختصاص بنظرها لمحاكم مجلس الدولة؛ باعتباره صاحب الولاية العامة دون غيره بالفصل في كافة المنازعات الإدارية".
تفاصيل وخلفية الحكم:
أوضح حُكم محكمة النقض محددات هذا المبدأ كالتالي:
طبيعة قرارات لجنة الحيازة: المشرع في قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 والقرارات الوزارية المنفذة له (ومنها القرار رقم 59 لسنة 1985)، أسبغ الصفة النهائية على القرارات الصادرة عن اللجان المشكلة للبت في الطعون الخاصة بالبيانات والحيازات.
التوصيف القانوني: هذه القرارات تُعتبر قرارات إدارية نهائية تصدر بمقتضى السلطة المخولة للجنة قانوناً، بقصد إحداث أثر قانوني معين بتحديد وضع حائز الأرض الزراعية.
النتيجة الحتمية: بما أن القرار إداري، فإن الاختصاص ينعقد حصراً للقضاء الإداري بمجلس الدولة "صاحب الولاية العامة وفقاً للمادة 190 من الدستور".
حكم المحكمة في الطعن:
قضت محكمة النقض بنقض الحكم المطعون فيه، وإلغاء الحكم المستأنف، وبإحالة الدعوى بحالتها إلى محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المختصة محلياً ونوعياً بنظرها، بعد أن ثبت عدم اختصاص القضاء العادي (المدني) ولائياً بالفصل في هذه المنازعة.
ماهي المحكمة المختصة بنظر دعاوى نقل الحيازة التي تتضمن الطعن على قرارات اللجان الإدارية.. وهل محكمة القضاء الإداري أم المحكمة الابتدائية؟
جدير بالذكر أنه سبق للمحكمة الدستورية العليا أن أكدت انعقاد الاختصاص لمحكمة القضاء الإداري وها هي محكمة النقض تؤكد على ذلك، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل اصبحت كل دعاوى الحيازة من اختصاص مجلس الدولة أم أن الأمر يقتصر على الطعن على قرارات اللجان الإدارية التي تشكل في الإدارات الزراعية فقط على النحو الذي تم تسليط الضوء عليها في هذا الحكم وحكم المحكمة الدستورية العليا؟
وفي هذا الحكم ذهبت محكمة النقض إلى أنه: وحيث إن المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أنه يجوز لمحكمة النقض - كما هو الشأن بالنسبة للنيابة العامة والخصوم - إثارة الأسباب المتعلقة بالنظام العام ولو لم يسبق التمسك بها أمام محكمة الموضوع أو في صحيفة الطعن متى توافرت عناصر الفصل فيها من الوقائع والأوراق التي سبق عرضها على محكمة الموضوع ووردت هذه الأسباب على الجزء المطعون فيه من الحكم، وأن الطعن بالنقض يُعتبر ورادًا على القضاء الضمني في مسألة الاختصاص الولائي المتعلقة بالنظام العام.
وبحسب "المحكمة": وإذ كان من المستقر عليه قضاءً أن المنازعات المتعلقة بنقل بيانات الحيازة الزراعية تعتبر منازعة إدارية ينعقد الاختصاص بنظرها لمحاكم مجلس الدولة باعتباره صاحب الولاية العامة دون غيره المختص بالفصل في كافة المنازعات الإدارية، ذلك أن المشرع في قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 قد حدد ضوابط تدوين بيانات الحيازة الزراعية وما يطرأ عليها من تعديلات، وناط بوزير الزراعة إصدار قرارات في مسائل معينة، منها تحديد نماذج السجلات وبطاقات الحيازة، وطرق القيد فيها، وتحديد المسئولية عنها، ونظم وقواعد إثبات ما يطرأ على بيانات البطاقة من تغيير وطرق الطعن في بيانات الحيازة، والجهة التي تفصل في الطعن وكيفية تشكيلها والإجراءات التي تتبعها، ونفاذًا لذلك أصدر وزير الزراعة قراره رقم 59 لسنة 1985 بشأن نظام بطاقة الحيازة الزراعية، متضمنًا كيفية تشكيل اللجنة الإدارية المنوط بها تلقي الطعون من ذوى الشأن بالطعن في بيانات الحيازة، والنظر فيها والتحقق من مدى صحتها بجميع الوسائل.
وتابعت: ثم إصدار قرار نهائي في شأنها، بما يفصح عن أن المشرع أولى حيازة الأراضي الزراعية عنايةً خاصة، واختصها بنظام بطاقة الحيازة الزراعية بحسبانه أحد جوانب التنظيم الإداري لمرفق الزراعة، الذي يهدف إلى تيسير تعامل حائز الأطيان الزراعية مع الجهات الحكومية المعنية بشئون الزراعة؛ وكفالة وصول الخدمات ومستلزمات الإنتاج إلى الأرض الزراعية، التي تعمل الدولة من خلال سياساتها الزراعية على توفيرها لقطاع الزراعة، تعزيزًا لدوره الحيوي في دعم الاقتصاد القومي، وعهد إلى وزير الزراعة سلطة إصدار قرار بتحديد طرق الطعن في بيانات الحيازة الزراعية، واللجنة التي تقوم بالفصل في تلك الطعون، وأسبغ على القرارات الصادرة عن هذه اللجنة صفة النهائية، بما يقطع بأنها قرارات إدارية نهائية، تصدر عن اللجنة بمقتضى السلطة المخولة لها قانونًا، بقصد إحداث أثر قانوني معين بتحديد وضع حائز الأرض الزراعية.
وتضيف: وبهذه المثابة تتوافر لتلك القرارات مقومات القرارات الإدارية التي ينعقد الاختصاص بنظر المنازعات المتعلقة بها للقضاء الإداري بمجلس الدولة، بحسبانه صاحب الولاية العامة الذي اختصه الدستور القائم - في المادة (190) منه - دون غيره بالفصل في المنازعات الإدارية، وإذ خالف الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه هذا النظر وفصل في موضوع الدعوى رغم تعلقها بتغيير البيانات الخاصة بالحيازة الزراعية، وقضى بذلك ضمنًا باختصاص القضاء العادي بنظرها فإنه يكون معيبًا بما يوجب نقضه".


