الأحد، 14 يونيو 2026 09:24 م

282 مليون مهاجر تحت رحمة "روبوت".. الـ AI يحسم مصير اللاجئين.. تراجع المعايير الإنسانية بعد إبعاد التدخل البشرى.. الخوارزميات "قاضٍ صامت" فى قرارات اللجوء.. وخبراء يحذرون من الاعتماد الكامل على الأنظمة الرقمية

 282 مليون مهاجر تحت رحمة "روبوت".. الـ AI يحسم مصير اللاجئين.. تراجع المعايير الإنسانية بعد إبعاد التدخل البشرى.. الخوارزميات "قاضٍ صامت" فى قرارات اللجوء.. وخبراء يحذرون من الاعتماد الكامل على الأنظمة الرقمية أرشيفية
الأحد، 14 يونيو 2026 06:00 م
كتبت- هبة حسام
- القبول أو الرفض بيد "آلة".. عندما يكون مستقبلك بيد "الخوارزميات"

- الإنسان خارج المعادلة.. والخوارزميات VS العدالة الإنسانية
- العدالة تُحسب بالأرقام.. والبيانات هي الحكم النهائي
- الهجرة فى عصر الذكاء الاصطناعى: مرفوض بلا تفسير

 

 
 
لم يعرف محمود. ص لماذا رُفض طلبه للجوء، رغم اكتمال أوراقه وهدوء المقابلة التى خضع لها، فقد جاءه القرار حاسمًا: مرفوض.
 
لكن، ما لم يكن يعلمه، أن هذا القرار ربما لم يصدر عن موظف بشري، بل عن خوارزمية مدرَّبة على ملايين البيانات، قادرة على تصنيف البشر إلى "مقبول" أو "مرفوض" دون تفسير واضح.
 
هذه القصة ليست حالة فردية، بل مدخل لفهم تحولات عميقة يشهدها العالم، حيث أصبح الذكاء الاصطناعي لاعبًا مباشرًا في أحد أكثر الملفات حساسية وهو "الهجرة واللجوء".

عالم يتحرك بالأرقام

بحسب تقديرات منظمة الهجرة الدولية، يتجاوز عدد المهاجرين حول العالم حاليًا 282 مليون مهاجر، في وقت تتصاعد فيه الأزمات الجيوسياسية والتغيرات المناخية والصراعات المسلحة، ما يضع أنظمة الهجرة التقليدية تحت ضغوط غير مسبوقة.
 
وقد شهدت حركة الهجرة واللجوء نموًا متسارعًا خلال العقدين الماضيين، إذ ارتفع عدد المهاجرين الدوليين من نحو 150 مليون شخص عام 2000 إلى أكثر من 282 مليونًا في عام 2024، فيما تضاعفت أعداد اللاجئين والنازحين داخليًا عدة مرات خلال الفترة نفسها، ولم يعد هذا النمو المتسارع مجرد مؤشر ديموجرافي، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومات والمنظمات الدولية في إدارة تدفقات بشرية متزايدة التعقيد.
 
ويعكس هذا التصاعد المستمر حجم الضغوط الواقعة على أنظمة الهجرة واللجوء، في ظل صعوبة متزايدة تواجهها المؤسسات الحكومية في معالجة ملايين الطلبات والبيانات المرتبطة بحركة التنقل عبر الحدود، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى البحث عن أدوات أكثر سرعة وكفاءة لإدارة هذه الملفات.
 
وفي هذا السياق، تشير دراسات صادرة عن المركز الدولي للابتكار في التعليم العالي "IIOE" التابع لمنظمة اليونسكو إلى أن عددًا متزايدًا من الحكومات اتجه إلى توظيف تقنيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي في إدارة الملفات المعقدة، وعلى رأسها الهجرة واللجوء، بهدف تسريع الإجراءات وخفض التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية.
 
ومع تضخم حركة التنقل البشري عالميًا، لم تعد الأساليب التقليدية قادرة على التعامل مع الكم الهائل من البيانات المرتبطة بالمهاجرين وطالبي اللجوء، ما دفع العديد من الحكومات إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل سجلات الحدود والتأشيرات وملفات اللجوء والبيانات الديموغرافية، ورصد أنماط الهجرة والتنبؤ بموجات النزوح المحتملة، وصولًا إلى دعم عمليات التقييم واتخاذ القرار، غير أن هذا التحول الرقمي المتسارع فتح في المقابل بابًا واسعًا للنقاش حول العدالة والشفافية وحدود الاعتماد على الخوارزميات في قضايا تمس مصير ملايين البشر.

كيف تُدار الهجرة بالخوارزميات؟.. تجارب الدول

تشير بيانات دولية إلى أن أكثر من 70% من دول العالم تستخدم أنظمة رقمية تعتمد على تحليل البيانات في الخدمات الحكومية، بما في ذلك، إدارة الهجرة.
 
وتعتمد هذه التحولات على مستويات متفاوتة من الدمج بين التحليل البشري والخوارزمي وفقًا لطبيعة كل نظام هجرة.
 
على سبيل المثال، في كندا، تُستخدم أنظمة "دعم القرار الذكي" في فرز طلبات الهجرة مبدئيًا عبر تحليل التعليم والخبرة والسجل الأمني، بينما يظل القرار النهائي بيد موظف بشري، رغم أن ترتيب الأولويات يتأثر بشكل واضح بنتائج الخوارزميات.
 
أما في المملكة المتحدة، طورت السلطات أدوات لتقييم المخاطر تعتمد على أنماط السفر وسلوك الطلبات السابقة، بهدف تقدير احتمالات القبول أو الرفض، وسط تحذيرات من احتمالية تأثر بعض المؤشرات بانحيازات غير مباشرة.
 
بينما في أستراليا، فيتجه النظام إلى مستوى أعلى من الأتمتة، حيث تُستخدم الخوارزميات في مراقبة الحدود وتحليل بيانات التأشيرات، ضمن ما يُعرف بإدارة الحدود الرقمية التي تركز على تقييم المخاطر قبل الدخول.
 
وفي ألمانيا، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع معالجة الملفات، خاصة في فترات الضغط المرتفع، مع الإبقاء على القرار النهائي بيد الإنسان لتجنب اختزال الحالات الإنسانية في بيانات رقمية فقط.
 
لكن، في هولندا، كشفت أزمة "خوارزميات كشف الاحتيال" التى حدثت عام 2021 عن مخاطر الاعتماد غير المدقق على الأنظمة الرقمية، بعدما تم تصنيف آلاف الأسر كمشتبه فيهم بناءً على أنماط بيانات غير دقيقة، ما أدى إلى أزمة سياسية واسعة.
 
أما في الولايات المتحدة، فتشير تحليلات قانونية إلى أن الإشكال لا يرتبط باستخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل بدرجة الشفافية في هذه الأنظمة، حيث تعتمد بعض مراحل المعالجة على أدوات تحليل بيانات تختلف مستويات الشفافية في آليات عملها، ما قد يجعل فهم كيفية اتخاذ القرار أو مراجعته أكثر تعقيدًا في بعض الحالات.
 
وبتحليل أنظمة الهجرة الرقمية عالميًا، وفقًا لدراسات التحليل المقارن، يمكننا تصنيف نماذج الدول السابقة إلى ثلاث فئات رئيسية، هى:
 
1- النموذج الإنسانى "نسبيًا"، ويتمثل في تجربتى كندا وألمانيا، حيث تظل الخوارزميات بهذه الدول أدوات مساعدة مع احتفاظ الإنسان بالقرار النهائى.
2- النموذج الهجين القائم على المخاطر، كما يتضح في تجربتى "المملكة المتحدة وأستراليا"، حيث تتوسع النظم الرقمية بتلك التجارب في التقييم وتزداد قدرتها التأثيرية فى القرار.
3- النموذج الغامض، ويمثله الولايات المتحدة، وتجربة هولندا السابقة في عام 2021، وهو النموذج الذى تتراجع به الشفافية ويصعب تفسير القرار أو الطعن عليه، مع ارتفاع مخاطر التحيز.
 
هذا التباين بين النماذج الدولية لم يكن معزولًا عن مسار أوسع من التحول في أنظمة الهجرة عالميًا.

التحول الرقمى الذى غيًر قواعد الهجرة

وبالعودة إلى تطور أنظمة الهجرة عالميًا، يتضح أن الاعتماد الواسع على الذكاء الاصطناعي لم يكن نقطة البداية، بل جاء بعد سنوات من الضغوط المتزايدة على أنظمة الهجرة التقليدية، فحتى عامي 2018 و2019 تقريبًا، كانت غالبية طلبات اللجوء والهجرة تُراجع عبر موظفين وقضاة وفرق بشرية، مع استخدام محدود للأدوات الرقمية.
 
وخلال تلك الفترة، استمرت أعداد المهاجرين في الارتفاع داخل دول الاستقبال الكبرى، ففي كندا ارتفع عدد المهاجرين الدائمين من نحو 227 ألف مهاجر عام 2000 إلى أكثر من 341 ألفًا في 2019، كما قفزت طلبات اللجوء من نحو 16 ألف طلب عام 2015 إلى أكثر من 64 ألفًا في 2019، بينما حافظت الولايات المتحدة خلال أغلب سنوات العقد الأخير قبل الجائحة على استقبال ما يقارب مليون مهاجر دائم سنويًا.
 
ومع تراكم الطلبات وتصاعد موجات النزوح والهجرة، بدأت الحكومات منذ 2018 و2019 في إدخال الخوارزميات الرقمية وأدوات تحليل المخاطر داخل منظومات الهجرة، إلا أن التحول الأكبر جاء بعد جائحة كورونا، عندما واجهت الدول ملايين الطلبات المؤجلة وضغوطًا تشغيلية غير مسبوقة.
 
وفي كندا تحديدًا، ارتفع عدد المهاجرين الدائمين من نحو 184 ألفًا فقط خلال 2020 إلى أكثر من 405 آلاف في 2021، ثم 437 ألفًا في 2022، وتجاوز 471 ألفًا في 2023، بالتزامن مع توسع الاعتماد على الأنظمة الذكية في فرز الملفات وتحليل المخاطر وتسريع المعالجة، كما توسعت الولايات المتحدة هي الأخرى في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الفحص الأمني وإدارة الملفات ومراقبة الحدود بعد الجائحة.
 
وتشير هذه التطورات إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يُستخدم أساسًا لتقليل أعداد المهاجرين، ولم تُظهر البيانات المتاحة تأثيرًا مباشرًا له على إجمالي أعداد المهاجرين، بقدر ما استُخدم لإدارة التدفقات البشرية بصورة أسرع وأكثر كفاءة، من خلال تسريع معالجة الملفات وتقليل التكدس وتعزيز الفحص الأمني واكتشاف الاحتيال، إلا أن هذا التحول أثار في المقابل جدلًا واسعًا حول عدالة وشفافية القرارات الخوارزمية، خاصة بعد انتقادات وُجهت لبعض الأنظمة الرقمية المستخدمة في إدارة الهجرة واللجوء، من بينها تطبيق CBP One في الولايات المتحدة، الذي واجه انتقادات تتعلق بأداء تقنيات التعرف على الوجه مع أصحاب البشرة الداكنة وبعض المتقدمين من أصول أفريقية. 
 
في الوقت ذاته، حذرت دراسات قانونية وحقوقية من أن اعتماد النظم الرقمية على بيانات تاريخية غير متوازنة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط من التحيز تجاه بعض الجنسيات أو الفئات الأكثر عرضة للتدقيق الأمني، وهو ما فتح نقاشًا عالميًا متزايدًا حول حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في ملفات تمس مصير ملايين المهاجرين واللاجئين حول العالم.

سباق عالمي على جذب العقول

ولا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على فرز طلبات اللجوء أو مراقبة الحدود فقط، بل يمتد إلى قياس قدرة الدول على جذب الكفاءات والمهارات البشرية أيضًا، وتعتمد نماذج تحليلية حديثة على مؤشرات تشمل جودة التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية وفرص العمل ومستويات الابتكار والاستقرار الاقتصادي لتقييم جاذبية الدول للمواهب، حيث يعكس ذلك تحول الهجرة من مجرد حركة انتقال للأفراد إلى منافسة دولية متزايدة على استقطاب رأس المال البشري.

خبراء التكنولوجيا: الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا بديل عن الإنسان

ومع هذا التوسع فى توظيف الذكاء الاصطناعى لتحليل مؤشرات الهجرة وجذب الكفاءات، تبرز تساؤلات حول حدود دوره الفعلى في صناعة القرار ومدى استقلاليته عن التدخل البشري، فمازال الجدل قائمًا حول طبيعة الدور الذى يلعبه الذكاء الاصطناعي في هذه المنظومة.
 
وفى هذا السياق، يقول الدكتور عمر السيد، خبير الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في ملفات الهجرة واللجوء لا يعني بالضرورة اتخاذ القرار النهائي بصورة آلية، إذ تعتمد معظم النماذج الحالية على أنظمة "دعم القرار" التي تقوم بترتيب الطلبات أو تقييم المخاطر استنادًا إلى قواعد بيانات ضخمة ومؤشرات متعددة.
 
وأوضح السيد في تصريحات لـ "برلماني" أن قوة هذه الأنظمة تكمن في قدرتها على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة كبيرة، بما يسهم في تقليل التحيز البشري المباشر في بعض مراحل الفرز الأولي، إلا أنها تظل مرتبطة بجودة البيانات التي تُغذّى بها، ما يعني أن أي نقص أو خلل أو انحياز تاريخي في تلك البيانات قد ينعكس على نتائج التقييم.
 
وأشار إلى أن أحد أبرز التحديات التقنية يتمثل فيما يعرف بـ"قابلية التفسير"، حيث تعمل بعض النماذج المتقدمة باعتبارها "صندوقًا أسود" يصعب تتبع الكيفية التي توصلت بها إلى نتيجة معينة، وهو ما يثير تساؤلات مهمة عند مراجعة القرارات أو الاعتراض عليها.
 
وأكد أن هذه الأنظمة لم تُصمم لاستبدال العنصر البشري، بل لدعمه في اتخاذ القرار، لافتًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في كيفية دمجها داخل منظومات حساسة مثل الهجرة واللجوء، بما يحقق التوازن بين الكفاءة التشغيلية التي توفرها الخوارزميات وضمانات العدالة والشفافية وحماية حقوق الأفراد.
 
فيما أكد محمد عسكر، خبير التكنولوجيا والتحول الرقمي، أن التوسع العالمي في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل منظومات الهجرة واللجوء يعكس قدرة هذه التقنيات على تحليل كميات هائلة من البيانات خلال فترات زمنية قصيرة، بما يساعد الجهات المختصة على تسريع إجراءات الفحص والتقييم الأولي للطلبات، لكنه شدد على أن هذه المزايا لا تعني إمكانية الاستغناء عن العنصر البشري في اتخاذ القرارات النهائية.
 
وأوضح في تصريحات سابقة، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على البيانات التي يتم تدريبها عليها، وبالتالي فإن جودة البيانات ودقتها وتنوعها تمثل عاملًا حاسمًا في سلامة النتائج التي تنتجها الخوارزميات، محذرًا من أن أي تحيزات أو أخطاء متراكمة داخل قواعد البيانات قد تنعكس بصورة مباشرة على مخرجات النظام.
 
وأضاف أن الاعتماد الكامل على نتائج الخوارزميات دون مراجعة بشرية قد يخلق إشكاليات تتعلق بالدقة والعدالة، خاصة في الملفات الإنسانية المعقدة التي تتداخل فيها اعتبارات قانونية واجتماعية وأمنية يصعب اختزالها في نماذج رقمية فقط، مؤكدًا أن دور التكنولوجيا يجب أن يظل في إطار دعم متخذ القرار لا استبداله.
 
كما شدد على أهمية وجود آليات مستمرة للمراجعة والتدقيق وقياس الأداء، بما يضمن اكتشاف أي انحرافات أو أخطاء قد تؤثر على حقوق الأفراد، مؤكدًا أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة مثل الهجرة واللجوء يرتبط بقدرة الدول على تحقيق التوازن بين الكفاءة التي توفرها التكنولوجيا ومبادئ الشفافية والمساءلة والإشراف البشري الفعّال.

هل تتوافق الخوارزميات مع العدالة؟.. أبعاد قانونية وحقوقية

ومع توسع هذا التحول، برزت تساؤلات قانونية وحقوقية حول حدود استخدام هذه التقنيات، حيث أصبحت المخاوف لا تقتصر على الجوانب التقنية فقط، بل امتدت إلى المجال القانوني والحقوقى أيضًا، ففي مارس 2026، نشرت منظمة Open Rights Group البريطانية على موقعها الرسمي، رأيًا قانونيًا أعده محاميان من مؤسسة Cloisters Chambers، بمشاركة من مؤسسةDoughty Street Chambers.
 
 حذّر الرأي القانوني، من أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تقييم طلبات اللجوء دون إبلاغ المتقدمين أو تمكينهم من فهم آلية اتخاذ القرار والطعن عليه، قد يتعارض مع مبادئ العدالة الإجرائية وحقوق الإنسان، ويكتسب هذا الرأي أهمية خاصة لأنه يتناول استخدام الذكاء الاصطناعي داخل ملفات اللجوء تحديدًا، وهي من أكثر الملفات ارتباطًا بحقوق الإنسان والحماية الدولية.
 
كما أشار الرأى القانونى، إلى أن الاعتماد على الملخصات أو التقييمات المولدة آليًا قد يؤدي إلى إغفال معلومات جوهرية أو إعادة إنتاج تحيزات كامنة في البيانات المستخدمة لتدريب الأنظمة، وهو ما يثير تساؤلات متزايدة حول حدود الاعتماد على الخوارزميات في ملفات ترتبط مباشرة بمصير الإنسان ومستقبله.
 
ولم تقتصر التحذيرات على المنظمات الحقوقية، بل امتدت إلى خبراء القانون الدولى الذين يرون أن الاعتماد المتزايد على الخوارزميات يثير أسئلة قانونية معقدة بشأن المسئولية والشفافية.
 
فبينما ترى الحكومات أن الذكاء الاصطناعي وسيلة لتسريع إجراءات اللجوء وتقليل الأعباء الإدارية، يحذر خبراء القانون الدولي من أن منح الخوارزميات دورًا متزايدًا في تقرير مصير البشر قد يخلق إشكاليات قانونية وحقوقية غير مسبوقة.

خبراء قانون: الذكاء الاصطناعي لا يعفي الدول من المسئولية

الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، حذر من أن التوسع المتسارع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لتقييم طلبات اللجوء والهجرة يطرح تحديات قانونية تمس جوهر حقوق الإنسان وضمانات العدالة الإجرائية.
 
وأشار، في تصريحات لـ"برلماني"، إلى أن الاتحاد الأوروبي صنّف الأنظمة المستخدمة في ملفات الهجرة واللجوء ضمن فئة "الأنظمة عالية المخاطر" بموجب قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، وهو ما يعكس حجم التأثير المباشر لهذه الأنظمة على مصير الأفراد.
 
وأوضح مهران أن إحدى أبرز الإشكاليات تتمثل فيما يُعرف بـ"الصندوق الأسود" للخوارزميات، حيث تصدر بعض الأنظمة توصيات أو تقييمات يصعب تفسير الأسس التي بُنيت عليها، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن حق طالب اللجوء في معرفة أسباب القرار والطعن عليه بصورة فعالة.
 
 كما حذر من مخاطر التحيز الخوارزمي الناتج عن الاعتماد على بيانات تاريخية قد تتضمن أنماطًا سابقة من التمييز، بما قد ينعكس على عدالة القرارات الصادرة.
 
وأكد أن المسئولية القانونية تظل في جميع الأحوال على عاتق الدولة، حتى إذا استند القرار إلى تقييم أو توصية صادرة عن نظام ذكاء اصطناعي، موضحًا أن القانون الدولي لا يجيز التنصل من المسؤولية بحجة الاعتماد على أدوات تقنية.
 
 وأضاف أن الخطورة تزداد عندما يتعلق الأمر بقرارات الترحيل أو رفض اللجوء، إذ قد تؤدي الأخطاء الخوارزمية إلى تعريض أشخاص لخطر الاضطهاد أو التهديد في بلدانهم الأصلية، بما يمثل مساسًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية اللاجئين لعام 1951.
 
وشدد مهران على أن الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي يجب ألا تكون على حساب الضمانات القانونية الأساسية، داعيًا إلى الإبقاء على رقابة بشرية حقيقية على القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة، وتوفير آليات شفافة للمراجعة والطعن، إلى جانب العمل على وضع إطار دولي أكثر وضوحًا ينظم استخدام هذه التقنيات في الملفات المرتبطة بحركة البشر عبر الحدود.
 
وفي السياق ذاته، يرى الدكتور محمد محفوظ، الخبير القانوني الدولي، أن إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقييم طلبات اللجوء والهجرة يثير تساؤلات جوهرية بشأن الشفافية الإجرائية، إذ إن بعض الخوارزميات تعتمد على آليات معقدة لا تتيح لطالب اللجوء فهم الأسس التي استند إليها القرار أو التحقق من سلامة البيانات المستخدمة في تقييم حالته، وهو ما قد يحد من فاعلية حق الطعن والمراجعة.
 
وأكد محفوظ في تصريحات لـ "برلماني"، أن المسئولية القانونية لا يمكن أن تُنسب إلى الخوارزمية ذاتها، بل تظل مسؤولية الدولة قائمة باعتبارها الجهة التي تعتمد هذه الأنظمة وتشرف على تشغيلها، مشيرًا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعفي الحكومات من التزاماتها القانونية المتعلقة بالعدالة والشفافية وحماية حقوق الإنسان.
 
وشدد على أهمية وضع ضوابط قانونية واضحة تضمن بقاء القرارات المتعلقة باللجوء والهجرة خاضعة لإشراف بشري فعّال وقابلة للتفسير والمراجعة، بما يحقق التوازن بين التطور التقني والضمانات الحقوقية الأساسية.

الوجه الآخر للذكاء الاصطناعى 

أما في مصر، فجهاز التعبئة العامة والإحصاء، فجر مفاجآت في دراسة حديثة بعنوان "أبعاد جديدة لدور التكنولوجيا في فهم وإدارة حركة الهجرة عالميًا"، حيث أوضحت الدراسة أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الهجرة يواجه مجموعة من التحديات المعقدة، تمثل أبرزها في، قضية الخصوصية الناتجة عن الاعتماد على بيانات حساسة، إلى جانب احتمالات التحيز الخوارزمي المرتبط بجودة بيانات التدريب، كما حذرت من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا قد يؤدي إلى تراجع البعد الإنساني في اتخاذ القرار.
 
وأضافت الدراسة أن هناك تحديات تقنية تتعلق بعدم اكتمال البيانات أو ضعف جودتها، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والتطوير والصيانة، ما يشكل عبئًا على الدول النامية بشكل خاص، كما تشير إلى أبعاد اجتماعية وسياسية، حيث يمكن أن يؤدي استخدام بيانات تاريخية منحازة إلى تعزيز التمييز أو استخدام التكنولوجيا لتبرير قرارات أكثر تشددًا في ملف الهجرة.

مصر والتحول نحو الذكاء الاصطناعى

وفي سياق التحول الرقمي الوطنى، أشارت بيانات رسمية صادرة عن جهاز الإحصاء، إلى أن مصر تتحرك ضمن استراتيجيتها للذكاء الاصطناعي 2025–2030، إلى تحسين مراكزها في كافة مؤشرات الذكاء الاصطناعى، حيث أظهرت الدراسة ارتفاع ركيزة الحوكمة الرقمية من 62.4 إلى 69 نقطة، ما يعكس تحسن الأطر التنظيمية والسياسات.
 
كما ارتفعت ركيزة البنية التحتية والبيانات من 48.6 إلى 55.8 نقطة، بما يشير إلى توسع قواعد البيانات القابلة للتحليل، في حين ارتفعت ركيزة التكنولوجيا والابتكار من 35.6 إلى 42.1 نقطة، لكنها ما تزال الأضعف مقارنة بالمحاور الأخرى.
 
أما على المستوى العربى، فأشارت تحليلات منظمة الهجرة الدولية إلى أن التأثير يكون أكثر تعقيدًا، فغالبًا ما تُعالج طلبات المهاجرين العرب داخل أنظمة تعتمد على بيانات غير مكتملة أو مؤشرات لا تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي بدقة، خاصة في مناطق النزاع.
 
كما أن محدودية الشفافية في بعض الأنظمة تجعل من الصعب فهم أسباب الرفض أو تحسين الملف ما يجعل فهم آلية اتخاذ القرار أو الطعن عليه تحديًا متزايدًا أمام بعض المتقدمين بطلبات الهجرة واللجوء، في ظل تباين مستويات الشفافية بين الأنظمة المختلفة واعتماد بعضها على أدوات تحليل متقدمة لا تكون تفاصيل عملها واضحة بالكامل للمستخدم أو حتى لصانع القرار في بعض الحالات.
 
حلول مقترحة
وبينما تتباين النماذج الدولية في درجة الاعتماد على الخوارزميات، تتفق غالبية الدراسات والنقاشات الأكاديمية المتخصصة على أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تسريع الإجراءات وتحليل البيانات، لا يمكن أن يحل محل التقدير الإنساني الكامل في ملفات اللجوء والهجرة، نظرًا لما تنطوي عليه من اعتبارات إنسانية وقانونية معقدة.
 
وفي إطار مواجهة هذه التحديات، دعت دراسة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أيضًا، إلى تبني مجموعة من السياسات الكفيلة بضبط هذا التحول، من بينها تعزيز الشفافية في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإتاحة حق الطعن على القرارات، ومراجعة البيانات المستخدمة لضمان خلوها من التحيز، إلى جانب وضع إطار قانوني وأخلاقي ينظم استخدام هذه التقنيات. كما أكدت الدراسة أهمية التعاون الدولي وإشراك المجتمع المدني والخبراء لضمان بقاء هذه الأنظمة تحت رقابة متعددة المستويات.

من يملك القرار؟

وربما لم يعرف محمود. ص حتى اليوم لماذا رُفض طلبه، وربما لن يعرف أبدًا ما إذا كان القرار قد صدر عن موظف هجرة أم عن خوارزمية حللت بياناته وأدرجته ضمن فئة لا تستوفي شروط القبول، لكن قصته تعكس واقعًا جديدًا يتشكل تدريجيًا حول العالم، لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت طرفًا مؤثرًا في قرارات تمس مصير ملايين البشر.
 
صحيح أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، وتسريع الإجراءات، وتقليل التكدس، وتعزيز كفاءة الفحص الأمني، لكنها لا تستطيع أن تدرك معنى الخوف من الحرب، أو قسوة النزوح، أو تعقيدات التجارب الإنسانية التي تقف خلف كل طلب لجوء، فخلف كل ملف إلكتروني إنسان يحمل قصة مختلفة لا يمكن اختزالها بالكامل في أرقام ومؤشرات وخوارزميات.
 
وبينما تتسابق الحكومات لبناء أنظمة هجرة أكثر سرعة وكفاءة، يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الكفاءة الرقمية والعدالة الإنسانية، وبين قدرة الآلة على المعالجة السريعة وحق الإنسان في الفهم والتفسير والطعن، فالسؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيشارك في رسم مستقبل الهجرة، بل كيف يمكن ضمان ألا يتحول القرار الخوارزمي إلى حكم نهائي على حياة البشر، فإذا كانت الخوارزميات تراقب البشر وتقيّمهم وتقرر مصيرهم، فمن يراقب الخوارزمية نفسها؟.
 
 
79e80f3c-4b8d-4497-ab78-ee2dbf59ae2b
 
fc2fa84a-d257-4e68-9909-ee0a924fc760\
 
fcc978fb-eb01-4071-bc6f-3f883d198987
 

 


الأكثر قراءة



print