جرائم الواتس آب
أصدرت الدائرة الثانية الابتدائية "جنح اقتصادى" – المنعقدة بمحكمة استئناف الإسماعيلية الاقتصادية، حكماً فريداً من نوعه، في جرائم المضايقة والازعاج عبر وسائل التواصل الاجتماعى، طبقت المحكمة خلاله نص المادة 32 من قانون العقوبات "عقوبة الجريمة الأشد"، وذلك لأن العقوبات متعددة والجرائم ناتجة عن فعل واحد مرتبطة ببعضها، وقررت التالى:
-"براءة المتهمة من الاتهام الأول "إنشاء حساب لارتكاب جريمة".
- وإدانة المتهمة ومعاقبتها عن باقي الاتهامات "تعمد الإزعاج، التهديد، انتهاك حرمة الحياة الخاصة"، وتغريمها 50 ألف جنيه بموجب المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018.
- وإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المدنية المختصة بلا مصاريف "حيث طالبت المجني عليها بتعويض مؤقت قدره 100,001 جنيه".
صدر الحكم في الجنحة المقيدة برقم 206 لسنة 2025 جنح اقتصادى الدائرة الثانية الابتدائية بمحكمة استئناف الإسماعيلية الاقتصادية، برئاسة المستشار فادى معلوى، وعضوية المستشارين هبه خليفة، ومصطفى الشناوى، وبحضور كل من وكيل النيابة أحمد يسرى، وأمانة سر نور الدين عمر.
حكم حديث وفصل خطير سطرته محكمة الإسماعيلية الاقتصادية - الدائرة الثانية الابتدائية -، يمثل درساً بليغاً في الثقافة القانونية الرقمية، ويوضح خيطاً رفيعاً يجهله الكثيرون بين "البراءة" في تهمة، و"السقوط في فخ الإدانة" في تهمة أخرى.

تفاصيل الحكاية: من "خلاف ديكور" إلى قاعة المحكمة
القصة بدأت بخلاف تجاري ومهني معتاد في بورسعيد بين "مهندسة ديكور" وصاحبة محل. لكن الخلاف لم يقف عند حدود القانون، بل تطور إلى "سيل" من الرسائل عبر تطبيق "الواتساب" حملت لهجة تهديد وإزعاج واضحة.
الرسائل والعبارات
من واقع تقرير الفحص الفني لوزارة الداخلية، شملت الرسائل عبارات مثل: "ملكيش حاجة عندي واعملي اللي عايزة تعمليه، أنا زهقت وكرهتيني في المحل"، "وحياتو هو عندي لـ هفضحك يا سالي في بورسعيد كلها.. وجو التلقيح اللي عايزة تبدأي بيه خليكي فاكرة كويس أوي إن انتي اللي بدأتيه ومتزعليش من نتيجته"، وإرسال "لقطة شاشة" لفيديو مكتوب عليه: "احكيلكو على المحل الجديد كل حاجة بايظة فيه ولا على النصب؟".

العبقرية القانونية للمحكمة: التكييف الدقيق للجريمة
المحكمة برئاسة المستشار فادي معوض وعضوية القضاة الأجلاء، قامت بـ "تشريح" دقيق للاتهامات الموجهة من النيابة العامة، وخرجت بمعادلة قانونية في غاية الأهمية:
1- البراءة من فخ "إنشاء الحساب" (المادة 27): النيابة اتهمت السيدة بإنشاء حساب خاص بقصد ارتكاب الجريمة. هنا المحكمة قالت: (لا) الحساب المستخدم هو حسابها الشخصي المعتاد والطبيعي الذي تستخدمه في حياتها اليومية، ولم تنشئ حساباً "خصيصاً" أو وهمياً لارتكاب الجريمة؛ وبالتالي انتفى الركن المادي لهذه الجريمة وحصلت على البراءة منها.
2-الإدانة الحاسمة (المادة 25 وإساءة استخدام الاتصالات): كونك تستخدم حسابك الشخصي، فهذا لا يعني قانوناً أنك تملك "رخصة" لانتهاك خصوصية الآخرين أو إزعاجهم! المحكمة أكدت أن إغراق هاتف المجني عليها برسائل مكثفة دون رضاها، والتهديد بكتابة أمور مخلة بالشرف أو السمعة، هو انتهاك صارخ لحرمة الحياة الخاصة وتعمُّد لإزعاج الغير.

منطوق الحكم الغيابي:
لأن العقوبات متعددة والجرائم ناتجة عن فعل واحد مرتبطة ببعضها، طبقت المحكمة نص المادة 32 من قانون العقوبات "عقوبة الجريمة الأشد"، وقررت: براءة المتهمة من الاتهام الأول "إنشاء حساب لارتكاب جريمة"، وإدانة المتهمة ومعاقبتها عن باقي الاتهامات "تعمد الإزعاج، التهديد، انتهاك حرمة الحياة الخاصة"، وتغريمها 50 ألف جنيه بموجب المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المدنية المختصة بلا مصاريف "حيث طالبت المجني عليها بتعويض مؤقت قدره 100,001 جنيه".
الخلاصة القانونية.. "احمِ نفسك"
حسابك الشخصي ليس حصناً: إرسال رسائل بنية التهديد أو الابتزاز أو حتى "التلقيح والكلام المبطن" الذي يتضمن تشهيراً من حسابك الحقيقي، يضعك تحت طائلة عقوبات الحبس والغرامة الضخمة.
الخصوصية خط أحمر: القانون المصري يحمي حرمة الحياة الخاصة بقوة؛ فالإزعاج لا يشترط فيه السب والقذف الصريح، بل يكفي فيه "المضايقة" وتعمُّد النيل من هدوء وراحة المجني عليه الرقمية.










