الخميس، 28 مايو 2026 05:53 م

الدورة الـ114 لمؤتمر العمل الدولى.. تقرير المنظمة يكشف: اقتصاد فلسطين يلفظ أنفاسه الأخيرة.. وفاتورة إنقاذ عمال قطاع غزة تطرق حاجز الـ 71 مليار دولار.. ربع مليون وظيفة ابتلعتها الحرب والبطالة تتخطى 85%

الدورة الـ114 لمؤتمر العمل الدولى.. تقرير المنظمة يكشف: اقتصاد فلسطين يلفظ أنفاسه الأخيرة.. وفاتورة إنقاذ عمال قطاع غزة تطرق حاجز الـ 71 مليار دولار.. ربع مليون وظيفة ابتلعتها الحرب والبطالة تتخطى 85% عمال فلسطين - صورة أرشيفية
الخميس، 28 مايو 2026 04:00 م
كتب آية دعبس
ـ مافيا "سماسرة التصاريح" تبتلع أجور 59 ألف عامل فلسطيني
- 925 حاجز يقيد الحركة بالضفة وتلتهم 73 مليون ساعة عمل سنويا.. وارتفاع قياسي للعوائق بنسبة 43%
- إسرائيل تحتجز ثلثي الإيرادات العامة للفلسطينيين
- قانون صهيونى يهدد آلاف المعلمين بالقدس بالفصل من وظائفهم
 
تفتتح منظمة العمل الدولية في جنيف أعمال دورتها ال114، المقرر لها الأول من يونيو وحتى 12 يونيو 2026، وسط أجواء تسيطر عليها أرقام غير مسبوقة تعكس تدهورا حادا في عالم العمل بالأراضي العربية المحتلة، ويضع التقرير السنوي للمدير العام للمنظمة، جيلبير هونغبو، المجتمع الدولي أمام حقائق إحصائية توثق انكماشا اقتصاديا تاريخيا في قطاع غزة، وأزمة هيكلية متفاقمة في الضفة الغربية، مدفوعة بزيادة قياسية في الأنشطة الاستيطانية والقيود المالية والميدانية.
 
ويكشف التقرير، الذي يغطي التطورات حتى الربع الأول من عام 2026، أن الاقتصاد الفلسطيني دخل مرحلة "التآكل المؤسساتي"، حيث تجاوزت تكلفة إعادة الإعمار والاحتياجات الأساسية في غزة وحدها حاجز ال71 مليار دولار أمريكي، وفق تقديرات مشتركة للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
 
غزة: حصر مليوني شخص في نصف مساحة القطاع ودمار سوق العمل
 
تتصدر الأرقام القادمة من قطاع غزة المشهد القاتم؛ حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي انخفاضا بنسبة 82% مقارنة بمستويات ما قبل النزاع، وتؤكد البيانات الإحصائية فقدان أكثر من 250,000 وظيفة، ما دفع بمعدلات البطالة إلى مستوى 85.1% بحلول الربع الثالث من عام 2025.
 
ويشير التقرير إلى أن أكثر من مليوني شخص في غزة باتوا محصورين في مساحة جغرافية تمثل أقل من 50% من إجمالي مساحة القطاع، وهي المنطقة الواقعة خارج ما يعرف ب "الخط الأصفر" الذي حددته السلطات الإسرائيلية، هذا الحصر الجغرافي أدى إلى شلل تام في الأنشطة الزراعية وصيد الأسماك التي كانت تمثل عصب التشغيل للآلاف، كما بلغت خسائر دخل العمل التراكمية في غزة 2.8 مليار دولارأمريكي.
 
كما وثق التقرير دمارا واسعا في البنية التحتية لسوق العمل، شمل مكاتب التشغيل والنقابات ووزارة العمل، بتكلفة أضرار مباشرة للمؤسسات العمالية والخدمية بلغت 16.8 مليون دولار أمريكي، مما جعل استعادة الخدمات العمالية الأساسية أمرا "عسير المنال" في المدى المنظور، ووثق التقرير أن إجمالي الوفيات في قطاع غزة تجاوز 72,000 حالة حتى أبريل 2026.
 
ورغم سريان هدنة، إلا أن الفترة بين أكتوبر 2025 ومارس 2026 شهدت مقتل 689 فلسطينيا وإصابة 1,860 آخرين داخل القطاع، وفي ظل هذا الواقع، أعلن مجلس السلام عن تعهدات دولية بقيمة 17 مليار دولار لدعم الاستجابة الإنسانية، وهو ما يغطي جزءا يسيرا من الفجوة التمويلية المطلوبة لإعادة الإعمار."
 
الضفة الغربية: 925 عائقا تخنق الحركة وتستنزف زمن العمل
 
في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية)، يوثق التقرير تحول القيود الميدانية إلى أداة لاستنزاف القدرة الإنتاجية؛ حيث سجلت المنظمة وجود 925 عائقا أمام الحركة (حواجز، بوابات، سواتر)، بزيادة نسبتها 43% عن المتوسط السنوي للسنوات العشرين الماضية، وتكشف الإحصائيات أن هذه القيود تؤدي إلى فقدان 191,000 ساعة عمل يوميا، ما يعادل استنزاف 73 مليون ساعة عمل سنويا، وتترجم هذه الأرقام زمنيا إلى فقدان 36,500 وظيفة بدوام كامل سنويا نتيجة ضياع الوقت وتكاليف التنقل، ونتيجة لهذا الواقع، قفز معدل البطالة في الضفة من 13.1% في عام 2022 إلى 28.7% في عام 2025، مع تراجع المشاركة في القوى العاملة إلى 45.5% نتيجة فقدان العمال للأمل في إيجاد فرص عمل مستقرة.
 
كما رصدت المنظمة تدهورا في جودة التشغيل، حيث وصل عدد العمال في القطاع غير المنظم بالضفة إلى 351,000 عامل، وبلغت معدلات البطالة بين الشباب (15-24 سنة) نحو 32.2%، في حين يشير مؤشر 'NEET'  إلى أن 25.8% من الشباب الفلسطيني هم حاليا خارج دائرة التعليم والعمل والتدريب، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل."
 
تحول في سياسة المساعدات الاجتماعية
 
يفرد التقرير مساحة واسعة للأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، مشيرا إلى أن احتجاز إسرائيل لإيرادات المقاصة بلغ مستويات حرجة؛ حيث تقدر الأموال المحتجزة بنحو 4 مليارات شيكل (حوالي 1.2 مليار دولار أمريكي) للفترة2018 -2025  هذا الاحتجاز جعل الحكومة الفلسطينية قادرة فقط على دفع ما بين 50% إلى 70% من رواتب الموظفين العموميين، مما أضعف القوة الشرائية ورفع الدين العام المحلي إلى أكثر من 3.4 مليار دولار أمريكي.
 
وتكمن خطورة احتجاز أموال المقاصة في كونها تمثل ثلثي (2/3) إجمالي الإيرادات العامة للحكومة الفلسطينية، مما يشل قدرتها المؤسسية تماما، وترافق ذلك مع تدهور في القوة الشرائية، حيث سجلت تكاليف السكن والمرافق في غزة ارتفاعا قياسيا بنسبة 212.3%، وزيادة في أسعار المواد الغذائية بنسبة 71%، في حين تراجعت حصة القطاع من الناتج المحلي الإجمالي لتستقر عند أقل من 6% فقط."
 
ويسلط التقرير الضوء على "المرسوم بقانون رقم 4 لعام 2025"، الذي أدخل تغييرات جوهرية على إطار المساعدة الاجتماعية وبموجب هذا القانون، تم إلغاء نظام المدفوعات السابق (صندوق الشهداء) والتحول إلى نهج قائم على "قياس الفقر متعدد الأبعاد" وتدقيق الدخل، ورغم أن هذا التحول كان يهدف لاستعادة الثقة الدولية في النظام المالي الفلسطيني، إلا أن التقرير يشير إلى أن استمرار القيود المالية الإسرائيلية حال دون صرف التحويلات النقدية بانتظام، حيث لم يتم صرف أي دفعات حتى مارس 2026.
 
العمالة في إسرائيل والمستوطنات
 
رصد التقرير عودة جزئية للعمال الفلسطينيين للعمل داخل إسرائيل والمستوطنات، حيث بلغ عددهم 44,000 عامل في عام 2025. لكن الملاحظة الأبرز كانت في قفزة العمالة "بدون تصاريح"، حيث ارتفع عددهم من 11,500 في 2024 إلى 18,300 في 2025، بزيادة قدرها 59%.، ويكشف التقرير عن استمرار ظاهرة "سماسرة التصاريح" التي تستنزف أجور العمال؛ حيث يضطر نحو 59,000 عامل -بما يشمل حاملي الهويات الزرقاء أو جوازات الأجنبية- للتعامل مع وسطاء يقتطعون حصصا كبيرة من رواتبهم، وتظهر فجوة الأجور بوضوح في الإحصائيات التالية:
 
  - متوسط الأجر اليومي في إسرائيل: 294 شيكلا.
 
  - متوسط الأجر في المستوطنات: 192 شيكلا.
 
  - متوسط الأجر في الضفة الغربية: 136 شيكلا.
 
هذه الفجوة (2.2 ضعف) تظل المحرك الرئيسي لمخاطرة العمال بالعمل في ظروف تفتقر للحماية القانونية والاجتماعية.
 
ويوثق التقرير تسارعا غير مسبوق في النشاط الاستيطاني وتأثيره على سوق العمل السكن والزراعة؛ حيث قفز عدد البؤر الاستيطانية المنشأة من 7 بؤر في 2022 إلى 86 بؤرة في 2026، وسجل عام 2025 وحده طرح مناقصات لبناء 9,629 وحدة سكنية في المستوطنات، مقابل 159 مناقصة فقط في 2022، وترافق هذا التوسع مع تصاعد في عمليات الهدم؛ حيث تم هدم 1,659 مبنى فلسطيني في عام 2025، مما أدى إلى تشريد 2,116 شخصا وفقدان أصول إنتاجية ومساكن كانت تمثل مراكز عمل لأصحابها.
 
وأشار التقرير إلى أن 27,941 وحدة استيطانية قد اجتازت مرحلة تخطيط واحدة على الأقل خلال عام 2025، وتزامن ذلك مع تصاعد عنف المستوطنين الذي سجل 1,828 هجوما، شملت إتلاف 6,000 شجرة وشتلة، ولفتت المنظمة إلى غياب المساءلة؛ حيث لم تؤد سوى 0.9% فقط من أصل 2,427 شكوى قدمها فلسطينيون ضد انتهاكات الجنود إلى توجيه لوائح اتهام رسمية."
 
القدس الشرقية: تشريع يستهدف قطاع التعليم
 
في فصل خاص بالقدس الشرقية، يحذر التقرير من "قانون يناير 2026" الذي اعتمده الكنيست الإسرائيلي، والذي يقضي بمنع تشغيل المعلمين الحاصلين على شهادات من مؤسسات تعليمية تابعة للسلطة الفلسطينية، هذا القانون يضع غالبية المعلمين في المدارس البلدية والخاصة بالقدس أمام خطر فقدان وظائفهم، ويعد أداة ضغط سياسي عبر بوابة التشغيل والتعليم.
 
ويكشف التقرير عن عجز حاد في تفتيش العمل؛ حيث يتولى 85 مفتشا فقط مسؤولية الرقابة على 155,000 منشأة في الضفة الغربية، هذا النقص الحاد أدى إلى تراجع فعالية إنفاذ القوانين، حيث سجلت 13 حالة وفاة مهنية في عام 2025، معظمها في قطاع البناء، مع ترجيحات بأن الأرقام الحقيقية أعلى بكثير نتيجة ضعف آليات الإبلاغ.
 
الجولان السوري المحتل
 
بالانتقال إلى الجولان السوري المحتل، تشير البيانات إلى استقرار عدد المستوطنين عند 28,000 نسمة موزعين على 34 مستوطنة، وهو رقم يتساوى تقريبا مع عدد السكان السوريين الأصليين، ويوثق التقرير استمرار التمييز في توزيع موارد المياه والأراضي، مما أضعف تنافسية المنتجات الزراعية السورية. كما رصد التقرير تزايدا في طلبات الحصول على الجنسية الإسرائيلية بين الشباب السوري في الجولان، كخيار "دفاعي" للوصول إلى حقوق عمالية وأجور أفضل في ظل الأزمات الإقليمية.
 
ويقترح تقرير منظمة العمل الدولية، خارطة طريق من 10 نقاط للتعافي الفلسطيني، تتركز على ضرورة رفع القيود عن الحركة كشرط أساسي، وضمان تدفق إيرادات المقاصة دون اقتطاع، وإطلاق برامج أشغال عامة كثيفة العمالة لإعادة بناء غزة، ودعم المنشآت الصغيرة عبر قروض بدون فوائد لضمان استمرارية الوظائف، ويؤكد التقرير أن كافة الجهود التقنية ستظل "محدودة الأثر" ما لم يتم التوصل إلى حل سياسي شامل ينهي النزاع ويسمح بإرساء قواعد "العدالة الاجتماعية" التي تنادي بها منظمة العمل الدولية منذ تأسيسها.

الأكثر قراءة



print