في الوقت الذي يعيش فيه الشرق الأوسط أجواء عيد الأضحى تحت وطأة اضطرابات إقليمية متصاعدة وتوترات عسكرية تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، خاصة أسعار النفط وحركة التجارة عبر الممرات البحرية الاستراتيجية، تتواصل التحركات الدبلوماسية المكثفة بين إيران والولايات المتحدة في محاولة لاحتواء التصعيد والوصول إلى صيغة اتفاق سياسي يضع حدًا لمرحلة من المواجهة المفتوحة، وسط وساطات إقليمية ودولية متعددة تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي أكثر استقرارًا.
وفي هذا السياق، تتصدر الملفات الاقتصادية والنووية والبحرية المشهد التفاوضي، مع تزايد الحديث عن شروط متبادلة تعكس حجم الهوة بين الطرفين، وفي مقدمتها ملف الأصول الإيرانية المجمدة، ومستقبل البرنامج النووي، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى ترتيبات أمنية أوسع تتعلق بدور القوى الإقليمية في المرحلة المقبلة.
إيران: الإفراج عن 12 مليار دولار شرط أساسي لأي تفاوض
أكد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني علاء الدين بروجردي أن الإفراج عن نحو 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة يُعد شرطًا أوليًا وأساسيًا في أي مفاوضات جارية مع الولايات المتحدة.
ونقلت وكالة “تسنيم” عن بروجردي أن هذا المطلب يأتي ضمن أولويات طهران في مسار التفاوض، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين الجانبين حول عدد من الملفات العالقة، مشيرًا إلى أن إيران تتعامل مع الملف التفاوضي من منطلق “حماية الحقوق الوطنية والمصالح الاستراتيجية”.
وأضاف بروجردي أن إيران “لن تعود إلى الوراء” في سياساتها الإقليمية، في إشارة إلى تمسك طهران بدورها في المنطقة، مؤكدًا أن موازين القوى الإقليمية تشهد تحولات تدريجية تصب في صالح بلاده، على حد تعبيره.
كما شدد على أن استمرار التوترات لا يخدم أي طرف، لكنه في الوقت ذاته أكد أن بلاده تمتلك القدرة على الرد وأن موقعها الإقليمي بات أكثر تأثيرًا في الحسابات الدولية، ما يعكس تمسكًا إيرانيًا بموقف تفاوضي متشدد رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية.
الصين تدعو لخفض التصعيد وتدعم الوساطة الباكستانية
وفي موازاة ذلك، دخلت الصين على خط الأزمة داعية إلى ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، وتجنب أي تصعيد جديد قد يعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
وقال وزير الخارجية الصيني وانج يي خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي إن احترام الهدنة القائمة يمثل أولوية أساسية، داعيًا كلًا من الولايات المتحدة وإيران إلى التحلي بالمرونة السياسية من أجل تهدئة التوترات.
وأضاف وانج يي أن بكين تتابع عن كثب تطورات الأزمة، وتواصل اتصالاتها مع الأطراف المعنية، مؤكدًا دعم بلاده الكامل للجهود الدبلوماسية، بما في ذلك الوساطة التي تقودها باكستان إلى جانب أطراف أخرى.
وشدد الوزير الصيني على أن الحل السياسي هو الخيار الوحيد القادر على إعادة الاستقرار إلى المنطقة، داعيًا إلى مواصلة الاجتماعات والمفاوضات لتقليص الفجوات بين الأطراف المتنازعة.
روسيا تعرض استضافة اليورانيوم الإيراني في إطار تسوية محتملة
وفي تطور لافت على خط الأزمة النووية، أعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا استعداد موسكو لاستقبال اليورانيوم المخصب الإيراني، في حال تم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
وأوضح نيبينزيا أن روسيا سبق وأن أعربت عن استعدادها للقيام بهذا الدور، إلا أن القرار النهائي يبقى بيد الجانب الإيراني، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تندرج ضمن آليات تنفيذ أي اتفاق نووي مستقبلي.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تقارير تتحدث عن تقدم حذر في المفاوضات بين الجانبين، رغم استمرار الخلافات العميقة بشأن ملف تخصيب اليورانيوم، وآليات الرقابة، ومستقبل القدرات النووية الإيرانية.
مفاوضات معقدة ووساطات متعددة
تشير المعطيات المتداولة إلى أن باكستان تلعب دورًا محوريًا في الوساطة بين طهران وواشنطن، في محاولة لبلورة اتفاق مؤقت أو مذكرة تفاهم قد تمهّد لاتفاق شامل، خاصة بعد سنوات من التوترات المتصاعدة.
وبحسب التقديرات، تتمحور النقاشات حول حزمة من البنود تشمل وقف إطلاق نار مؤقت، قد يمتد إلى مناطق إقليمية متعددة، إلى جانب تخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران، والإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، مقابل التزامات تتعلق بالبرنامج النووي وتقليص بعض الأنشطة العسكرية الإقليمية.
وفي المقابل، تصر الولايات المتحدة على شروط أكثر صرامة، تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، والتخلص من المخزون المخصب، ووضع قيود على الصواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى إعادة صياغة دور إيران الإقليمي، وهي شروط تعتبرها طهران غير مقبولة حتى الآن.
ورغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية، لا تزال الفجوة بين الطرفين كبيرة، ما يجعل مستقبل الاتفاق غير محسوم، في ظل تداخل الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ووجود أطراف دولية فاعلة مثل الصين وروسيا وباكستان تحاول الدفع نحو تسوية تمنع انهيار الوضع الإقليمي.
ويأتي ذلك في وقت يراقب فيه المجتمع الدولي عن كثب تطورات الأزمة، نظرًا لتأثيرها المباشر على أسعار الطاقة، وأمن الملاحة الدولية، واستقرار الأسواق العالمية، ما يجعل أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران ذا انعكاسات تتجاوز حدود المنطقة.
إيران، الولايات المتحدة، مفاوضات نووية، مضيق هرمز، الأصول الإيرانية المجمدة، الصين، روسيا، وقف إطلاق النار، التوترات الإقليمية، دونالد ترامب، الملف النووي الإيراني