محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة الجنائية "أ" بمحكمة النقض حكماً بارزاً يرسخ لحماية الحرية الشخصية للمواطنين وضوابط تفتيش استيقاف المركبات من خلال وضع 8 مبادئ قضائية، أبرزها: "ارتباك السائق واحمرار عينيه لا يبيح لضابط المرور أخذ عينة بول قسراً لرفض التلبس".
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 7432 لسنة 94 قضائية، برئاسة المستشار محمود خضر، وعضوية المستشارين بدر خليفة، وممدوح فزاع، وتامر عاطف، وجلال شاهين، وبحضور كل من رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض حسن علي، وأمانة سر مدحت عريان.
ملخص الواقعة والمبدأ القانوني:
استوقف ضابط المرور قائد مركبة للاطلاع على التراخيص، فلاحظ عليه "احمراراً في العين وتلعثماً في الكلام"، بناءً على هذا الاشتباه البسيط، قام بإجراء تحليل كاشف استدلالي له "عينة بول" وتبين إيجابيتها لجوهر الحشيش المخدر، وصدر ضده حكم بالإدانة من محكمة الجنايات، لكن محكمة النقض كان لها رأي آخر ونقضت الحكم مبرئةً المتهم مستندةً إلى الآتي:
الارتباك ليس تلبساً: إن حالة الارتباك، التلعثم، أو احمرار العين لا توفر قانوناً حالة "التلبس بالجريمة"؛ لأنها مظاهر تحتمل أسباباً مرضية أو نفسية عديدة ومختلفة ولا تعني بالضرورة تعاطي المخدرات.
حدود وضوابط المادة 66 من قانون المرور: القانون يحظر قيادة المركبات تحت تأثير المخدر، لكنه لا يمنح مأمور الضبط القضائي الحق في المساس بالحرية الشخصية أو أخذ عينات قسرية بمجرد "الاشتباه" دون أن تكون هناك جريمة متلبس بها تدرك بإحدى الحواس بيقين لا يداخله شك.
بطلان الإجراءات يهدم الدليل: ما بني على باطل فهو باطل. بما أن إجراء التحفيظ وأخذ العينة وقع باطلاً لانتفاء حالة التلبس، فإن الدليل المستمد منها ينهار تماماً، وخلا ملف الدعوى من دليل مشروع للإدانة.
منطوق حكم محكمة النقض:
"حكمت المحكمة:- بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وبراءة الطاعن مما أسند إليه من اتهام".
العبرة القانونية:
المحاكم المصرية تظل دائماً حصناً منيعاً لحماية الحريات العامة، وتؤكد أن الإجراءات الجنائية يجب أن تولد شرعية من رحم القانون، وأن الشك والاشتباه الظني لا يمكن أن ينهض دليلاً لسلب حرية المواطن أو تفتيش جسده.
المبدأ الأول:
التحري عن حالة المتهم قبل اتخاذ أي اجراء قضائي يجب أن يكون قائما على الواقع الملموس لا على مجرد الظن أو التخمين، فكما يزن الكيميائي المواد بدقة متناهية قبل اجراء التفاعل، يجب على مأمور الضبط استخدام حواسه بدقة ليضمن انطباق الفعل على نص القانون، ولا يجوز أن تكون مجرد مؤشرات سطحية أو سلوك ظاهر سببا في استدعاء الاجراءات القانونية.
المبدأ الثاني:
احمرار عين المتهم أو تلعثمه في الحديث لا يكونان حالة تلبس بالجريمة بمفردهما، فهما مثل دخان يعلو من نار لم تشعل بعد، لا يدلان على الحريق، وإن ظهرا في إطار المراقبة فلا بد من دليل مادي مؤكد يعزز حالة التلبس، وإلا فان أي اجراء يقوم على مجرد المظاهر يقع باطلا، وينهار معه أي سند قانوني مستمد من ذلك.
المبدأ الثالث:
احمرار العين مهما بدا ساطعا وواضحا، ليس دليلا على التعاطي ما لم يصاحبه دليل أخر يقيم العلم بالقصد الجنائي، فكما لا يعتبر انعكاس الشمس على سطح الماء مراة دقيقة لعمق البحار، هكذا الاحمرار لا يثبت الجريمة إلا بمقابلة الشواهد الموضوعية.
المبدأ الرابع:
التلعثم في الكلام بقدر ما يبدو دليلا سطحيا، لا يضاهي الثبوت القانوني للجرم، فهو كالريح التي تحرك الأغصان دون أن تكسر الشجرة، ولا يجدر بالسلطة القضائية أن تفسره تفسيرا مطلقا ما لم تتضافر دلائل أخرى تؤكد وقوع الفعل المحظور.
المبدأ الخامس:
الإجراءات القانونية بما فيها أخذ العينات وتحليلها، يجب أن تكون مستمدة من نصوص القانون الصريحة دون تأويل أو اجتهاد زائد، فكما يبني المعماري قوسه على أسس رصينة محددة، هكذا يجب أن ترتكز إجراءات مأمور الضبط على النص القانوني لضمان سلامة الحكم.
المبدأ السادس:
السلطة القضائية مخولة لفصل المسائل الموضوعية المتعلقة بحالة التلبس، ولا يجوز الطعن فيها أمام النقض إلا إذا وقع قصور واضح أو فساد في الاستدلال، فكما يميز النقاد بين اللآلئ الحقيقية والزائفة، تميز المحكمة بين الإجراءات الصحيحة وما لا يستند إلى سند قانوني صائب.
المبدأ السابع:
احترام نصوص القوانين الخاصة فوق أي اجتهاد عام في تفسيرها أمر جوهري، فالتدابير الاستثنائية المنظمة في قانون المرور رقم 66 لسنة 1973 كما القاعدة المحكمة في الهندسة لا يمكن تجاوزها إلا بما ينص عليه القانون صراحة، وإلا تعرض الحكم للخلل.
المبدأ الثامن:
غياب الدليل المشروع يجعل أي حكم بالإدانة غير قائم، فبراءة المتهم يجب أن تكون النتيجة الطبيعية إذا لم تقم الأدلة على أساس رصين، كما تنهار القلعة حين يسحب حجر الأساس، فالحكم ببراءة الطاعن هو تجسيد لعدالة القانون وصلابة أركانه.
النقض: لا تلبس لمجرد الفرار أو الارتباك.. والبراءة واجبة
الجدير بالذكر أن هذا الحكم يذكرنا بحكم النقض الصادر بتاريخ 19 مارس 1992، والمقيد برقم 19691 لسنة 60 القضائية، والذى جاء في حيثياته: مبدأ راسخًا بأن مجرد ارتباك الشخص أو محاولته الفرار عند رؤية الشرطة لا يُنشئ حالة تلبس، وأن القبض المبني على ذلك باطل، وما يترتب عليه من أدلة لا يُعتد بها، وبناءً على هذا المبدأ، قضت المحكمة ببراءة المتهم بعدما ثبت أن تخليه عن اللفافة لم يكن إلا بعد القبض الباطل عليه، وهو حُكم يعيد التأكيد على سيادة القانون وضمانات الحرية الفردية.



