الإثنين، 25 مايو 2026 12:45 ص

الاقتصاد العالمي رايح على فين؟.. هل يحمل عام 2027 في استعادة النمو والتجارة العالمية بعد ضغوط التضخم المتلاحقة والحروب وتشدد الأوضاع المالية عالميا؟..الواقع الجديد يفرض على الدول تبني سياسات أكثر مرونة

 الاقتصاد العالمي رايح على فين؟.. هل يحمل عام 2027 في استعادة النمو والتجارة العالمية بعد ضغوط التضخم المتلاحقة والحروب وتشدد الأوضاع المالية عالميا؟..الواقع الجديد يفرض على الدول تبني سياسات أكثر مرونة مجلس النواب
الأحد، 24 مايو 2026 11:50 م
نورا فخري
كشف البيان المالي الذي عرضه وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب للعام المالي 2026/2027 عن ملامح مرحلة اقتصادية عالمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها التوترات الجيوسياسية مع الضغوط التجارية والمالية، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد العالمي يبحث عن توازن مفقود منذ سنوات الأزمات المتلاحقة، بداية من تداعيات جائحة كورونا، مرورا بأزمات الطاقة والتضخم، وصولا إلى الحروب والصراعات الإقليمية المتصاعدة.
 
ويعكس البيان المالي رؤية مفادها أن العالم لم يعد يواجه أزمة اقتصادية تقليدية يمكن احتواؤها بأدوات نقدية أو مالية معتادة، بل بات أمام واقع دولي أكثر اضطرابا، تتشابك فيه الاعتبارات السياسية والأمنية مع القرارات الاقتصادية، بما يفرض تحديات متزايدة على معدلات النمو وحركة التجارة الدولية والاستقرار المالي العالمي.
 
وفي هذا السياق، أوضح البيان أن الاقتصاد العالمي شهد خلال الفترة الأخيرة حالة ممتدة من عدم اليقين، مدفوعة بتزايد الغموض بشأن السياسات الاقتصادية والتجارية في الاقتصادات الكبرى، خاصة فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية واتجاهات التجارة الدولية، إلى جانب التداعيات المتنامية للتوترات الجيوسياسية في عدد من المناطق الحيوية حول العالم، وهو ما ألقى بظلاله بصورة مباشرة على حركة الاستثمار وسلاسل الإمداد والأسواق المالية.
 
ومن زاوية أكثر عمقا، أشار البيان إلى أن التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي لم تعد مرتبطة فقط بالدورات الاقتصادية التقليدية، وإنما تعكس تحولا تدريجيا في شكل النظام الاقتصادي العالمي نفسه، مع تراجع وتيرة العولمة التقليدية وصعود سياسات الحماية الاقتصادية وإعادة تشكيل التحالفات التجارية وسلاسل الإنتاج.
 
واستنادا إلى تحديث أبريل 2026 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي، أوضح البيان أن الاقتصاد العالمي سجل معدل نمو بلغ نحو 3.4% خلال عام 2025، إلا أن التوقعات تشير إلى تباطؤ النمو إلى 3.1% خلال عام 2026، قبل أن يشهد تحسنا محدودا ليسجل 3.2% في عام 2027.
 
ورغم أن هذه المعدلات تعكس استمرار النشاط الاقتصادي العالمي وتجنبه الدخول في حالة ركود واسعة، فإن البيان يؤكد في الوقت ذاته أن الاقتصاد العالمي يتحرك داخل بيئة هشة، تتزايد فيها الضغوط الهيكلية الناتجة عن استمرار الصراعات الجيوسياسية والحروب الإقليمية، وما تفرضه من اضطرابات على التجارة الدولية والاستثمار وتدفقات الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد العالمية.
 
ومع اتساع نطاق النزاعات الدولية، لفت البيان إلى أن العديد من الدول بدأت في إعادة ترتيب أولوياتها المالية باتجاه زيادة الإنفاق الدفاعي والعسكري، وهو ما يخلق ضغوطا إضافية على أوضاع المالية العامة عالميا، وقد يؤدي إلى ارتفاع مستويات العجز والدين العام، بما يهدد الاستدامة المالية ويقلص قدرة الحكومات على توجيه الإنفاق نحو القطاعات الاجتماعية والتنموية والاستثمارية.
 
ولا تتوقف تداعيات الحروب عند حدود الإنفاق العسكري فقط، إذ أشار البيان إلى أن آثار النزاعات المسلحة أصبحت أكثر امتدادا وتشابكا داخل الاقتصاد العالمي، سواء عبر تعطل سلاسل الإمداد أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة أو تراجع الإنتاج والتجارة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على معدلات النمو العالمي ويزيد من هشاشة الاقتصاد الدولي أمام الصدمات المفاجئة.
 
وفي موازاة هذه التحديات، تناول البيان تطورات معدلات التضخم العالمية، موضحا أن التقديرات الدولية ترجح استمرار الاتجاه العام نحو تراجع التضخم تدريجيا خلال السنوات المقبلة، بعدما سجل متوسط تضخم أسعار المستهلكين عالميا نحو 4.1% خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 4.4% خلال عام 2026 قبل أن يتراجع بصورة ملحوظة إلى 3.7% في عام 2027.
 
غير أن البيان أشار إلى أن هذا التراجع المتوقع لا يعني بالضرورة انتهاء الضغوط التضخمية بشكل كامل، إذ لا تزال البنوك المركزية الكبرى تتبنى سياسات نقدية متشددة نسبيا، في إطار سعيها لاحتواء الضغوط السعرية والحفاظ على استقرار الأسواق، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين العالمي وتقلبات أسعار السلع والطاقة.
 
ومن هنا، ينتقل البيان إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق بمستقبل التجارة العالمية، حيث حذر من أن استمرار فرض تعريفات جمركية مرتفعة في بعض الاقتصادات الكبرى قد يؤدي إلى ترسيخ حالة عدم اليقين التجاري عالميا، بما يخلق أنماط تجارة أقل كفاءة اقتصاديا، ويرفع تكاليف الإنتاج والتبادل التجاري، ويؤثر سلبا على الإنتاجية العالمية.
 
وفي ضوء هذه المعطيات، أشار البيان إلي تباطؤ نمو التجارة العالمية إلى نحو 2.8% خلال عام 2026، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى نمو يبلغ 3% وفق تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يناير 2026، على أن ترتفع معدلات النمو التجاري لاحقا إلى نحو 4.5% خلال عام 2027، مدفوعة بتحسن نسبي في النشاط الاقتصادي العالمي واستقرار بعض الأوضاع التجارية.
 
ويؤكد البيان أن التقديرات الأخيرة لصندوق النقد الدولي أخذت في الاعتبار بصورة واضحة التطورات الجيوسياسية الراهنة والتوترات التجارية العالمية، باعتبارها عوامل رئيسية باتت تتحكم بشكل متزايد في مسارات النمو والتضخم والتجارة الدولية خلال المرحلة المقبلة.
 
وعلى صعيد الأوضاع المالية العالمية، يشير البيان إلى أن الاقتصاد الدولي يواجه في الوقت الحالي واحدة من أكثر بيئات التمويل تشددا خلال السنوات الأخيرة، فرغم اتجاه بعض البنوك المركزية نحو تخفيف تدريجي للسياسات النقدية، فإن أسعار الفائدة لا تزال عند مستويات مرتفعة نسبيا مقارنة بالمتوسطات التاريخية، بما يعكس استمرار نهج "الفائدة المرتفعة لفترة أطول". 
 
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار ارتفاع مستويات الدين العالمي، وزيادة حساسية الأسواق المالية للتطورات الاقتصادية والسياسية، فضلا عن ارتفاع مخاطر التمويل وعدم السداد، خاصة في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واستمرار حالة عدم اليقين العالمي.
 
وفي هذا الإطار، أوضح البيان أن تشدد الأوضاع المالية العالمية ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة التمويل الخارجي وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة والنامية، والتي أصبحت أكثر تقلبا وحساسية تجاه التغيرات في الأوضاع المالية العالمية
 
ورغم التحسن النسبي في تقييم المخاطر المرتبطة ببعض الاقتصادات الناشئة مقارنة بفترات التقلبات الحادة السابقة، فإن البيان يحذر من أن الأسواق العالمية لا تزال عرضة لتدهورات مفاجئة، في ظل استمرار هشاشة البيئة الاقتصادية الدولية
 
ويخلص البيان إلى أن استمرار الأوضاع المالية المشددة قد يؤدي إلى زيادة مخاطر إعادة التمويل وارتفاع أعباء خدمة الدين، خاصة بالنسبة للاقتصادات التي تمتلك احتياجات تمويلية مرتفعة، وهو ما يفرض على الدول تبني سياسات أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع عالم سريع التغير، لم تعد فيه الاعتبارات الاقتصادية وحدها هي المحرك الرئيسي. 

الأكثر قراءة



print