السبت، 23 مايو 2026 03:58 م

معجزة هندسية جديدة في الهرم الأكبر.. دراسة حديثة تكشف كيف ساعدت خصائصه المعمارية على الصمود أمام الاهتزازات والزلازل عبر آلاف السنين.. وتفتح بابًا لفهم عبقرية المصريين القدماء فى البناء وتوزيع الكتلة والأحمال

معجزة هندسية جديدة في الهرم الأكبر.. دراسة حديثة تكشف كيف ساعدت خصائصه المعمارية على الصمود أمام الاهتزازات والزلازل عبر آلاف السنين.. وتفتح بابًا لفهم عبقرية المصريين القدماء فى البناء وتوزيع الكتلة والأحمال الأهرامات
السبت، 23 مايو 2026 03:00 م
أحمد إبراهيم الشريف

يتوقف التاريخ حائرًا أمام أهرامات الجيزة ، عجيبة الزمان الخالدة، التي تواصل كشف أسرارها العظيمة عبر القرون، فكلما اقترب منها العلم بأدواته الحديثة ظهرت طبقة جديدة من عبقرية المصري القديم ، وبدت الحجارة الصامتة وكأنها تحفظ معرفة هندسية عميقة سبقت زمانها بآلاف السنين، ومن هنا تأتي أهمية الدراسة العلمية الحديثة المنشورة في مجلة Scientific Reports، التي أعادت النظر فى الهرم الأكبر من زاوية هندسية وجيوتقنية،  بعدما تناولت العوامل المعمارية والجيوتقنية التي ساعدت هرم خوفو على الصمود أمام الاهتزازات والزلازل عبر أكثر من 4600 عام.

 
 
 

تحمل الدراسة عنوان "Architectural and geotechnical aspects affecting earthquake resilience for the antique Egyptian Khufu pyramid"، ونشرت في 21 مايو 2026، وشارك فيها باحثون من بينهم Mohamed ELGabry، وAyman Hamed، وSakuji Yoshimura، وHesham M  Hussein، وMohamed Maklad، وAsem Salama  .

رسم تخطيطي لهرم خوفو
رسم تخطيطي لهرم خوفو

 

الدراسة لا تتعامل مع الهرم الأكبر بوصفه مجرد مقبرة أو أثرًا حجريًا ضخمًا فحسب، بل تقرأه بوصفه منشأة هندسية متكاملة، تداخلت في بنائها عناصر معمارية وجيوتقنية شديدة الدقة، شكل هرمي متماثل، قاعدة عريضة، مركز ثقل منخفض، توزيع متدرج للكتلة من أسفل إلى أعلى، أساس صخري من الحجر الجيري، وحجرات وممرات داخلية تؤثر في طريقة انتقال الاهتزازات داخل جسم البناء، ومن هنا تأتي أهمية البحث، لأنه يستخدم أدوات القياس الحديثة لقراءة بنية معمارية أنجزها المصري القديم قبل آلاف السنين، ثم ظلت قائمة رغم الزمن والزلازل وتغيرات البيئة.

وتشير الدراسة إلى أن هرم خوفو شيد في عصر الدولة القديمة، وكان ارتفاعه الأصلي نحو 146.59 متر، بطول قاعدة يقارب 230.33 متر لكل ضلع، وزاوية ميل تبلغ 51 درجة و50 دقيقة و40 ثانية، أما ارتفاعه الحالي فيبلغ نحو 137 مترًا بسبب فقدان أحجار الكسوة والقمة بمرور الزمن، ويضم الهرم، وفق ما تعرضه الدراسة، مجموعة من العناصر الداخلية الرئيسة، منها المدخل الأصلي، والمدخل المنسوب إلى عمال الخليفة المأمون، والممر الهابط، والحجرة السفلية، والبهو العظيم، وحجرة الملكة، وحجرة الملك، وحجرات تخفيف الضغط، والممرات أو الفتحات الداخلية.

وتستند أهمية البحث إلى أن منطقة الأهرامات تعرضت، عبر تاريخها الطويل، لزلازل مؤثرة ضمن نطاق قريب من هضبة الجيزة. وتذكر الدراسة أن أكبر زلزال مسجل في نطاق قريب وقع في 7 أغسطس 1847 بقوة تقديرية بلغت 6.8، وكان مركزه قرب الفيوم على مسافة نحو 70 كيلومترًا من أهرامات الجيزة. كما تشير إلى زلزال 12 أكتوبر 1992، بقوة 5.8، الذي أثر في منطقة الجيزة، وتسبب في سقوط بعض أحجار الكسوة من الأجزاء العليا للأهرامات، ومع ذلك، حافظ الجسم الرئيسي لهرم خوفو على استقراره دون أضرار جسيمة، وهو ما دفع الباحثين إلى فحص العلاقة بين شكل الهرم وتكوينه الداخلي وطبيعة التربة المحيطة وسلوكه أمام الاهتزازات.

جانب من الدراسة الميدانية
جانب من الدراسة الميدانية

واعتمد الباحثون على منهج غير تدميري يناسب حساسية الأثر، وهو قياس الاهتزازات المحيطة باستخدام تقنية HVSR، وهي اختصار لـ Horizontal-to-Vertical Spectral Ratio، أي تحليل النسبة الطيفية بين المركبات الأفقية والرأسية للاهتزازات، وتقوم الفكرة على تسجيل الاهتزازات الطبيعية الدقيقة الموجودة في البيئة، الناتجة عن عوامل مثل الحركة البشرية والرياح والموجات الطبيعية والتغيرات المناخية، ثم تحليلها لمعرفة التردد الأساسي للمنشأة والتربة، وتتميز هذه الطريقة بأنها سريعة، ولا تحتاج إلى تدخل مادي في الأثر، ولذلك تستخدم في دراسة المنشآت التاريخية التي يصعب إخضاعها لاختبارات تقليدية قد تضر بها.

وسجل الفريق البحثي القياسات باستخدام جهاز محمول من نوع McSEIS-MT NEO، مزود بمقياس تسارع ثلاثي المحاور، ونظام تحديد مواقع، وبطارية داخلية، ويعمل في نطاق ترددي من 0.1 إلى 200 هرتز، وجرى التسجيل في كل نقطة لمدة 15 دقيقة، لضمان جودة الإشارة، ثم قسمت البيانات إلى نوافذ زمنية، وحللت باستخدام تحويل فورييه السريع، مع حساب النسبة بين المركبتين الأفقيتين والمركبة الرأسية للاهتزاز.

شملت القياسات 37 نقطة موزعة داخل الهرم وحوله، توزعت النقاط بين حجرة الملكة وممرها، وممر حجرة الملك، وحجرة الملك، والحجرات المعروفة بحجرات تخفيف الضغط فوق حجرة الملك، وممر الخليفة المأمون، ومدخل الممر الهابط إلى الحجرة السفلية، والحجرة السفلية نفسها، والممر الأفقي المتصل بها، إضافة إلى نقاط على الأحجار الخارجية للهرم عند ارتفاعات مختلفة، وثلاث نقاط في التربة القريبة من الهرم، وحرص الباحثون على إجراء القياسات في أوقات خالية من النشاط البشري والزيارات السياحية داخل الهرم، حتى تقل الضوضاء المؤثرة في النتائج.

أظهرت النتائج أن أغلب عناصر الهرم الداخلية تمتلك ترددًا أساسيًا يتراوح بين 2.0 و2.6 هرتز، بمتوسط يقارب 2.3 هرتز في جسم الهرم، وتفسر الدراسة هذا التقارب بوصفه دليلًا على تجانس الخصائص الديناميكية لعناصر البناء، وعلى توزيع متوازن للإجهادات داخل المنشأة، ويكتسب هذا الرقم أهميته عند مقارنته بتردد التربة المحيطة، إذ سجلت نقاط القياس أمام الهرم ترددًا يقارب 0.6 هرتز، هذا الاختلاف الكبير بين تردد الهرم وتردد الأرض المحيطة يقلل خطر حدوث الرنين، وهي ظاهرة تحدث عندما تتقارب ترددات المنشأة مع ترددات الأرض أثناء الزلازل، فتتضخم الاهتزازات داخل البناء.

خريطة هرم خوفو
خريطة هرم خوفو

 

ويعد هذا الفصل بين تردد الهرم وتردد التربة المحيطة من أهم نتائج الدراسة، فالبحث يذهب إلى أن اختلاف الترددات ساعد على تقليل انتقال الطاقة الزلزالية إلى جسم الهرم بطريقة تضخمية، وهو عامل يفسر جانبًا من قدرة الهرم على الصمود طويلًا أمام الاهتزازات، وبعبارة دقيقة، فإن الهرم لا يستجيب للاهتزازات الأرضية بالطريقة نفسها التي تستجيب بها التربة المحيطة، وهذا الاختلاف يمنح المنشأة حماية طبيعية من خطر تضخم الحركة.

وتكشف الدراسة كذلك أن معامل التضخيم النسبي للاهتزازات يزداد تدريجيًا مع الارتفاع داخل الهرم، حتى يصل إلى قيم أعلى عند مستويات حجرة الملك، وهي ظاهرة معروفة في المنشآت المرتفعة، إذ تميل الحركة إلى الزيادة كلما ارتفعنا عن القاعدة، لكن النتيجة اللافتة أن هذا التضخيم ينخفض داخل حجرات تخفيف الضغط الواقعة أعلى حجرة الملك، رغم أنها تمثل أعلى مستوى درسته القياسات داخل الهرم، فقد سجلت هذه الحجرات ترددات قريبة من 2.4 إلى 2.6 هرتز، لكنها أظهرت انخفاضًا في عامل التضخيم النسبي، بما يتوافق مع وظيفتها في تخفيف الضغوط وإعادة توزيع الإجهادات.

وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط الدراسة وتتعلق بالحجرات التي عرفها الباحثون والمهندسون بوصفها حجرات لتخفيف الضغط فوق حجرة الملك، يبدو أنها تؤدي أيضًا دورًا في الاستجابة الديناميكية للهرم، فهندستها وموقعها يسهمان في تقليل انتقال الاهتزازات إلى المستويات الأعلى، ويحدان من تراكم الإجهادات عند منطقة بالغة الحساسية داخل البناء، وهذا لا يعني الجزم بأن المصريين القدماء صمموها كمكون مقاوم للزلازل وفق المفهوم الحديث، لكنه يعني أن اختيارهم المعماري أنتج نتيجة إنشائية متقدمة، تقرأها أدوات العلم اليوم بوضوح أكبر.

وتلفت الدراسة إلى قيمة الأساس الصخري الذي يقوم عليه الهرم، فقد شيد هرم خوفو على حجر جيري صلب في هضبة الجيزة، وهو ما وفر قاعدة مستقرة للبناء. كما أن الكتلة الأكبر من الهرم متركزة قرب الأرض، ثم تقل تدريجيًا كلما اتجهنا إلى القمة. هذه الخاصية الهندسية تجعل مركز الثقل منخفضًا، وتزيد قدرة المنشأة على مقاومة الانقلاب والالتواء أثناء الحركة الأرضية، ويضاف إلى ذلك التماثل الهندسي، وغياب الزوايا المرتدة أو التكوينات التي تسبب تركيز الإجهادات، واتساع القاعدة الذي يمنح البناء قدرة عالية على توزيع الأحمال.

رسم تخطيطي يوضح نقاط قياس الضوضاء داخل هرم خوفو.
رسم تخطيطي يوضح نقاط قياس الضوضاء داخل هرم خوفو.

 

كما حسب الباحثون مؤشر الضعف الزلزالي للتربة المحيطة، والمعروف في الدراسة باسم  Kg، فكانت القيمة 8.2. وتوضح الدراسة أن هذا المؤشر يخص التربة فقط، ولا يعد قياسًا مباشرًا لسلامة الهرم الحجرية كلها، لكنه يدل على انخفاض قابلية الموقع للضعف الزلزالي وفق التصنيف المستخدم، إذ تعد القيم التي تتجاوز 20 أكثر عرضة للمخاطر، وبذلك تضيف النتيجة عنصرًا آخر إلى تفسير صمود الهرم، فالموقع نفسه يمتلك خصائص تربة تساعد على الاستقرار، إلى جانب خصائص البناء.

الهرم الأكبر
الهرم الأكبر

 


الأكثر قراءة



print