الثلاثاء، 19 مايو 2026 10:24 م

المنشقون عن الدعم السريع.. كيف تهدد الانشقاقات تماسك الميليشيا وتعيد رسم خريطة حرب السودان؟.. أبو عاقلة كيكل يقلب معادلة معركة الجزيرة.. الولاءات القبلية نقطة القوة تتحول إلى مصدر تهديد

المنشقون عن الدعم السريع.. كيف تهدد الانشقاقات تماسك الميليشيا وتعيد رسم خريطة حرب السودان؟.. أبو عاقلة كيكل يقلب معادلة معركة الجزيرة.. الولاءات القبلية نقطة القوة تتحول إلى مصدر تهديد الجيش السودانى
الثلاثاء، 19 مايو 2026 09:00 م
كتبت ريهام عبد الله
 
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع فى أبريل 2023، اعتمدت الميليشيا على شبكة واسعة من القادة الميدانيين والإدارات القبلية والقيادات المحلية التى لعبت دورًا رئيسيًا فى التوسع السريع داخل الخرطوم وولايات دارفور وكردفان.
 
لكن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعدًا لافتًا في وتيرة الانشقاقات داخل صفوف الدعم السريع، مع إعلان عدد من القادة الميدانيين والرموز القبلية انسحابهم من القتال أو انضمامهم إلى الجيش السوداني، في تطور يثير تساؤلات واسعة حول مستقبل تماسك القوة المسلحة الأكثر إثارة للجدل في السودان.
 
وبينما يسعى الجيش السوداني إلى استثمار هذه الانشقاقات سياسيًا وعسكريًا، يرى مراقبون أن الظاهرة قد تتحول إلى عامل مؤثر في إعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد فيها قوات الدعم السريع على الولاءات المحلية أكثر من اعتمادها على الهيكل العسكري التقليدي.
 
 
 
تصاعد موجة الانشقاقات
خلال الفترة الأخيرة، برزت عدة أسماء أعلنت انشقاقها عن الدعم السريع، من أبرزها القيادي علي رزق الله الشهير بـ«السافنا»، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد القادة الميدانيين المؤثرين داخل قوات الدعم السريع، قبل أن يعلن خروجه من صفوفها موجّهًا انتقادات مباشرة لقياداتها.
 
كما أعلن الأمير إسماعيل محمد يوسف، أحد القيادات المسيرية، انشقاقه وانضمامه إلى الجيش السوداني، في خطوة اعتُبرت ذات دلالة قبلية وسياسية، بالنظر إلى أهمية الحاضنة الاجتماعية التي تستند إليها قوات الدعم السريع في بعض مناطق غرب السودان.
 
ولم تقتصر الانشقاقات على شخصيات معروفة إعلاميًا، بل تحدثت تقارير محلية عن انسحاب مجموعات مقاتلة صغيرة وقادة ميدانيين من ولايات دارفور وكردفان، نتيجة خلافات تتعلق بإدارة المعارك، وتوزيع النفوذ، والخسائر البشرية المتزايدة.
 
 
 
كيكل.. الانشقاق الذي غيّر معادلة الجزيرة
من بين أبرز التحولات التي أثارت اهتمام المشهد السوداني، برز انشقاق أبو عاقلة كيكل، قائد قوات «درع السودان»، عن الدعم السريع واصطفافه إلى جانب الجيش السوداني، وهو تطور اعتبره مراقبون نقطة فارقة في معركة ولاية الجزيرة.
 
فكيكل يمتلك نفوذًا ميدانيًا واجتماعيًا واسعًا في وسط السودان، خاصة داخل مناطق الجزيرة والبطانة، كما أن قواته كانت على دراية دقيقة بطبيعة المنطقة وخطوط الإمداد والتحركات الميدانية، وهو ما منح الجيش أفضلية مهمة خلال عملياته العسكرية اللاحقة.
 
ويرى محللون أن استعادة الجيش السوداني أجزاء واسعة من ولاية الجزيرة لم تكن نتيجة التفوق العسكري فقط، بل ارتبطت أيضًا بتفكك بعض التحالفات التي كانت تمنح الدعم السريع قدرة على التمدد داخل الولاية.
 
كما لعب انضمام كيكل دورًا معنويًا مهمًا، إذ بعث برسالة إلى قيادات محلية أخرى بأن ميزان القوى يمكن أن يتغير، وأن إعادة التموضع السياسي والعسكري أصبحت خيارًا مطروحًا أمام الفاعلين المحليين.
 
 
 
النور القبة.. دلالات سياسية وقبلية
ويبرز كذلك اسم النور القبة ضمن الشخصيات التي أثار انضمامها إلى الجيش السوداني اهتمامًا واسعًا، ليس فقط بسبب موقعه المحلي، بل لما يمثله من رمزية داخل بعض البيئات القبلية والاجتماعية المرتبطة بالحرب في دارفور وكردفان.
 
ويحمل انضمام النور القبة عدة دلالات، أهمها أن الجيش السوداني يسعى إلى توسيع قاعدة الحلفاء المحليين في مواجهة الدعم السريع، عبر استقطاب شخصيات ذات تأثير مجتمعي وميداني.
 
كما أن هذه الخطوة تعكس وجود حالة سيولة داخل بعض الدوائر المحسوبة على الدعم السريع، خصوصًا مع تزايد المخاوف من استمرار الحرب لفترة طويلة دون حسم واضح.
 
ويرى مراقبون أن أهمية هذه الانضمامات لا تكمن فقط في عدد المقاتلين الذين قد ينتقلون من طرف إلى آخر، بل في التأثير النفسي والسياسي على الحواضن المحلية، التي أصبحت تراقب اتجاهات القوة على الأرض بصورة أكثر حذرًا من السابق.
 
 
 
لماذا تتزايد الانشقاقات؟
يرى محللون أن الانشقاقات الحالية ترتبط بعدة عوامل متداخلة، أبرزها التحولات العسكرية التي شهدتها الحرب خلال الأشهر الماضية، بعد أن تمكن الجيش السوداني من استعادة مواقع استراتيجية في الخرطوم ووسط السودان، ما أضعف صورة الدعم السريع كقوة قادرة على الحسم السريع.
 
كما أن طول أمد الحرب خلق حالة من الإرهاق داخل التشكيلات الميدانية، خاصة مع تراجع الموارد وتعقّد خطوط الإمداد، إضافة إلى تصاعد الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات ضد المدنيين، وهو ما وضع بعض القيادات المحلية تحت ضغط اجتماعي وقبلي متزايد.
 
وتشير تقديرات أخرى إلى أن بعض القادة باتوا يخشون فقدان نفوذهم أو تعرضهم للعزلة في حال تغيّرت موازين القوى لصالح الجيش، الأمر الذي يدفعهم إلى إعادة التموضع مبكرًا ومحاولة فتح قنوات تواصل مع المؤسسة العسكرية.
 
 
 
تأثير الانشقاقات على السيطرة الميدانية
رغم أن الدعم السريع لا يزال يحتفظ بقدرات قتالية وانتشار واسع في أجزاء من دارفور وبعض المناطق الحيوية، فإن استمرار الانشقاقات قد يترك آثارًا مباشرة على بنيته الميدانية.
 
فالاعتماد الكبير على الولاءات القبلية والشبكات المحلية يجعل أي انشقاق مؤثرًا على مستوى السيطرة والقدرة على الحشد، خصوصًا في المناطق الطرفية التي يصعب إدارتها عبر قيادة مركزية صارمة.
 
ويرى مراقبون أن أخطر ما قد تواجهه قوات الدعم السريع ليس فقدان عدد محدود من القادة، بل انتقال العدوى إلى مستويات ميدانية أخرى، بما يؤدي إلى تفكك تدريجي في خطوط النفوذ أو تراجع القدرة على الاحتفاظ بالمناطق التي تسيطر عليها.
 
كما يمكن أن تؤدي الانشقاقات إلى تسريب معلومات ميدانية وعسكرية حساسة إلى الجيش السوداني، تتعلق بخطوط التحرك ومراكز الإمداد وآليات القيادة، وهو ما قد يمنح الجيش أفضلية استخباراتية في بعض الجبهات.
 
 
 
الجيش السوداني واستثمار الانشقاقات
منذ بداية الحرب، سعى الجيش السوداني إلى تقديم نفسه باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة، وعمل على تشجيع قادة الدعم السريع والعناصر القبلية على الانضمام إلى صفوفه أو إعلان الحياد.
 
ويبدو أن القوات المسلحة السودانية تحاول توظيف الانشقاقات ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف الدعم السريع من الداخل، وليس فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة.
 
كما يركز الجيش في خطابه الإعلامي على تصوير الانشقاقات باعتبارها دليلًا على تراجع تماسك الدعم السريع وفقدانه للغطاء الاجتماعي والسياسي، في مقابل تعزيز صورة الجيش باعتباره الطرف الأكثر قدرة على الحفاظ على وحدة الدولة السودانية.
 
وفي المقابل، تحاول قوات الدعم السريع التقليل من أهمية تلك الانشقاقات، واعتبارها حالات فردية لا تؤثر على الوضع الميداني، مع استمرارها في الدفع بتعزيزات إلى بعض الجبهات الحساسة.
 
 
 
هل تدخل الحرب مرحلة جديدة؟
التطورات الأخيرة تشير إلى أن الصراع في السودان لم يعد قائمًا فقط على المواجهات العسكرية التقليدية، بل بات يشمل معركة استنزاف داخلية تتعلق بالولاءات والتحالفات القبلية والسياسية.
 
ومع استمرار الحرب دون أفق واضح للحسم، تبدو الانشقاقات مرشحة للتزايد، خاصة إذا تمكن الجيش السوداني من تحقيق مكاسب ميدانية إضافية أو توفير ضمانات للقادة الراغبين في الانسحاب من صفوف الدعم السريع.
 

print