الزواج فى عيون جيل Z
لم يعد "عش الزوجية" فى فكر الشباب المصرى مجرد سكن يتم الانتقال إليه بمجرد بلوغ سن معينة، بل تحول إلى قرار استراتيجي يخضع لحسابات دقيقة تشبه دراسات الجدوى، فبين الرغبة في الاستقرار والضغوط الاقتصادية المتزايدة، كشفت دراسة رسمية صادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن تحولات جذرية فى مفاهيم الزواج والإنجاب لدى الفئة العمرية 18-35 عامًا، والتي يطلق عليهم الآن GEN-Z، حيث تراجعت "سُلطة العادات" أمام "سُلطة العقل والواقع".
أظهرت نتائج الدراسة أن الاتجاه الغالب بين الشباب "يشملون ذكور وإناث" يميل إلى تأخير زواج، حيث يرى نحو 71.6% من الذكور و72% من الإناث أن الفئة العمرية 25–29 سنة هي الأنسب للارتباط.
ولكن، حين نصطدم بأرض الواقع، نجد أن دفاتر المأذونين تكشف أرقامًا أخرى، فوفقًا لرصد جهاز الإحصاء في هذا الشأن، وصل متوسط سن الزواج الفعلي للذكور إلى 30.7 عامًا، وللإناث إلى 24.8 عامًا تقريبًا، هذه الفجوة التى تقترب من 5 سنوات بين ما يتمناه الشاب "الفئة العمرية المذكورة في الفقرة السابقة" وما يستطيعونه فعليًا "الفئة العمرية المذكورة في هذه الفقرة"، هي المساحة التي تلتهمها التحديات الاقتصادية ورحلة البحث عن الذات المهنية.
وبناءًا على ما أظهرته الدراسة من مؤشرات، أصبح الوعي هو المحرك الأول في قرار الزواج بين الشباب الآن، حيث يرى 72.4% من الشباب أن النضج الفكري وتقدير المسئولية هو المعيار الأساسي لتحديد السن الأنسب للزواج، هذا الوعي تجلى بوضوح في موقفهم من الزواج المبكر "قبل 18 عامًا"، إذ يرى 59.5% من الشباب أنه يسبب مشاكل دائمة، وكانت الإناث أكثر حزمًا في هذا الرأي بنسبة 67.9%.
بالتأكيد عند تفكير أي شاب في الزواج، لا تغيب لغة المال عن مساحة هذا التفكير، وبالفعل تتصدر الظروف الاقتصادية قائمة أسباب تأخر سن الزواج، وهو ما كشفته مؤشرات الدراسة وأعلنت نسبته بـ53.5% بين الشباب، كما أظهرت أن الذكور هم الأكثر استشعارًا بهذا العبء بنسبة 55.2%، خاصة مع المبالغة في متطلبات الزواج والمهور التي يراها 27.6% من الشباب عائقًا رئيسيًا، وفى المقابل، برز الخوف من تحمل المسئولية كعامل نفسي مؤثر، لاسيما لدى الإناث اللاتي بلغت نسبتهن في هذا الجانب 19.5%.
لم تتوقف الحسابات الجديدة بين الشباب حاليًا فيما يخص الزواج عند عتبة باب البيت المرغوب في تأسيسه فقط، بل امتدت لتشمل عدد أفراد الأسرة، أيضًا، وشعار "طفلان فقط" أصبح هو التوجه السائد في كثير من المناطق، لكنه يتأثر بوضوح بالمستوى التعليمي والجغرافي، ففي المدن والوجه البحرى ترتفع الرغبة في الاكتفاء بطفلين لتصل إلى 65.2% بين الإناث الجامعيات، بينما في الوجه القبلي لايزال الصعيد يحتفظ بخصوصيته وتمسكه بمبدأ "العزوة"، حيث تزداد الرغبة في إنجاب 3 أطفال فأكثر لتصل إلى 24.2% بين إناث الصعيد.
في النهاية، وبتحليل هذه المؤشرات، نجد إننا أمام جيل أسقط سُلطة العادات والتقاليد -التي تراجعت أهميتها إلى 6.9% فقط كسبب لاختيار توقيت الزواج بحسب جهاز الإحصاء-، واتجه نحو نموذج "الزواج الآمن" بدلاً من "الزواج التقليدي"، كما يتضح أن اتساع الفجوة بين السن المرغوب والسن الفعلي للزواج الذى يحدث في الواقع ما هو إلا انعكاس لصراع داخلى في فكر شباب اليوم حاليًا فهم لا يرفضون الزواج، ولكنهم يريدون تأمين مستقبلهم ضد شبح الطلاق الذي تزايدت معدلاته مؤخرًا خاصة في السنوات الأولى من الارتباط.
هذا بجانب ما أكدت عليه المؤشرات، بأن إعادة رسم الخريطة العمرية وتفضيل "الأسرة الصغيرة" باتت فكرة أصيلة لدى قناعات شباب اليوم وليست مجرد تأثر بظروف اقتصادية عابرة، بل أصبحت استجابة لوعي جديد يرى في إنجاب الأطفال "مشروع حياة" يتطلب جودة في التعليم والصحة، وليس مجرد عدد، وهو ما يجعلنا الآن بصدد جيل يضع "الجودة" فوق "الكم"، ويختار أن يبني أسرته على أعمدة من النضج الفكري والقدرة المادية، حتى لو كلفه ذلك انتظار سنوات إضافية أمام أبواب المأذون.








