محكمة النقض - أرشيفية
أصدرت الدائرة المدنية "أ" – بمحكمة النقض – حكماً فريداً من نوعه – يهم المستأجرين من ورثة المالك، يرسخ لقاعدة أن الشريك المشاع لا يضار من تصرفات شريكه الآخر إذا تجاوزت هذه التصرفات حدود "الإدارة المعتادة" وهى 3 سنوات، وأن حقه في الاعتراض على ذلك لا يسقط بالتقادم القصير 3 سنوات، ونصت على: "عدم نفاذ عقد الإيجار في حق باقي الوراثة لا يسقط بالتقادم الثلاثي".
صدر الحكم في الطعن المقيد برقم 12717 لسنة 82 قضائية، برئاسة المستشار فراج عباس، وعضوية المستشارين مصطفى الأسود، والدكتور محمود عبد الفتاح محمد، وخالد عادل عبد اللطيف، والدكتور وليد عبد السلام، وبحضور كل من رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض محمود حمودة، وأمانة سر محمد أحمد عبد الله.

الوقائع.. خلاف بين المستأجر وورثة المؤجر باعتبارها وصية عليهم
الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن - تتحصل في أن الطاعن والمطعون ضدهم من الثانية للرابع كانوا قد أقاموا على المطعون ضده الأول الدعوى رقم 613 لسنة 2010 مدني محكمة الزقازيق الابتدائية بطلب القضاء بإنهاء عقد الإيجار المؤرخ 2004/6/1 مع الإخلاء والتسليم، وذلك على سند من أن المطعون ضده الأول استأجر من مورثتهم عن نفسها وبصفتها وصية عليهم وحدة سكنية لمدة 60 عاما، ولرغبتهم في إنهاء عقد الإيجار لمخالفته نص المادة 559 من القانون المدني، فقد أنذروه برغبتهم تلك بتاريخ 2010/5/9 إلا أنه امتنع، فأقاموا الدعوى .
وفى تلك الأثناء - حكمت المحكمة بسقوط الحق في التمسك ببطلان عقد الإيجار بالتقادم الثلاثي، ثم استأنف الطاعن والمطعون ضدهم من الثانية للرابع هذا الحكم بالاستئناف رقم 3596 لسنة 53 قضائية، لدى محكمة استئناف المنصورة مأمورية الزقازيق وبتاريخ 2012/5/29، قضت بتأييد الحكم المستأنف، ثم طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها وتم اختصام ورثة المطعون ضده الأول.

محكمة أول درجة تقضى بسقوط الحق في التمسك ببطلان عقد الإيجار
مذكرة الطعن استندت على عدة أسباب لإلغاء الحكم حيث ذكرت: وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون، وفي بيان ذلك يقول إن الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه قضى بسقوط الحق في التمسك ببطلان عقد الإيجار بالتقادم الثلاثي حال أن الطلبات في الدعوى هي إنهاء عقد الإيجار وليس بطلانه لإبرامه لمدة 60 عامًا بالمخالفة لنص المادة 559 من القانون المدني، ويحق لهم طلب إنهائه بقوات مدة 3 سنوات منذ أبرمته مورثتهم عن نفسها وبصفتها وصية عليهم؛ فإنه يكون قد أخطأ في فهم حقيقة الطلبات في الدعوى وغير سببها ؛ بما يعيبه ويستوجب نقضه.
المحكمة في حيثيات الحكم قالت: وحيث إن هذا النعي في أساسه سديد؛ ذلك أن المقرر - في قضاء هذه المحكمة - أن حق تأجير المال الشائع يثبت للأغلبية المطلقة للشركاء؛ فمتى صدر الإيجار للعين كلها أو لجزء مفرز منها من أحد الشركاء دون أن تكون له أغلبية الأنصباء فإن الإيجار وإن وقع صحيحًا ونافذا فيما بينه وبين المستأجر منه إلا أنه لا يسري في حق باقي الشركاء ممن لم تصدر منهم الإجارة طالما لم يقروها صراحة أو ضمنا؛ اعتبارا بأن الإيجار يقع في جزء منه على ملك الغير فيحق لهؤلاء الشركاء أن يطلبوا إخراج المستأجر من أحدهم من العين كلها ومن أي جزء منها مهما صغر دون انتظار نتيجة القسمة.

حق تأجير المال الشائع باعتباره من أعمال الإدارة
وبحسب "المحكمة": وأن النص في المواد 559، 701، 828، 827 من القانون المدني يدل على أن حق تأجير المال الشائع باعتباره من أعمال الإدارة، كما يكون للشركاء مجتمعين يصح أن يكون لأصحاب الأغلبية؛ فإن لم تكن ثمة أغلبية فللمحكمة - بناء على طلب أحد الشركاء - أن تتخذ من التدابير ما تقتضيه الضرورة ولها أن تعين عند الحاجة من يدير المال الشائع، وتعتبر الأغلبية في هذه الحالة نائية عن أصحاب الأقلية نيابة قانونية في المال الشائع، ولكن لا تنفذ هذه الإجارة في حق الأقلية إلا لمدة 3 سنوات، فإذا عقدت الأغلبية إجارة لمدة تجاوز ذلك كان للأقلية أن تطالب بإنقاص المدة بالنسبة إليها إلى هذا الحد؛ إذ تعتبر الأغلبية فيما جاوز أعمال الإدارة المصرح لها بأدائها متعدية على حقوق الأقلية التي يحق لها إزاء ذلك المطالبة بتعويض الضرر الناجم عن هذا التعدي، وذلك بطريق التنفيذ العيني مادام ممكنا بإنهاء عقد الإيجار المنصب على نصيبهم بعد انتهاء مدة الثلاث سنوات آنفة الذكر.
وتضيف "المحكمة": وأن الدعوى التي يقيمها المالك على الشيوع بطلب عدم نفاد عقد الإيجار الذي يعقده أحد الشركاء في حقه، فإنها لا تخضع للتقادم الثلاثي، وإنما تجري عليها في شأن تقادمها أحكام التقادم العادي المنصوص عليه في المادة 374 من القانون المدني .... وأنه إذا كان لمحكمة الموضوع أن تكيف الدعوى بما تتبينه من وقائعها وأن تنزل عليها وصفها الصحيح في القانون إلا أنها مقيدة في ذلك بالوقائع والطلبات المطروحة عليها والسبب القانوني الذي ترتكز عليه؛ فلا تملك التغيير في مضمون هذه الطلبات أو استحداث طلبات جديدة لم يطرحها عليها الخصوم.

مخالفة نص المادة 559 من القانون المدني
وتابعت: كما لا تملك تغيير السبب الذي أقيمت عليه الدعوى بل عليها أن تلتزمه وتقصر بحثها عليه، وأن قاضي الموضوع ملزم بإعطاء الدعوى وصفها الحق واسباغ التكييف القانوني الصحيح وانزال حكم القانون عليها دون تقيد بتكييف الخصوم، وأن العبرة في تكييف الدعوى وإعطائها وصفها الحق هي بحقيقة المقصود من الطلبات المقدمة فيها لا بالألفاظ التي صيغت بها هذه الطلبات، وأنه فيما انتهى إليه من تكييف يخضع لرقابة محكمة النقض. لما كان ما تقدم، وكان البين من الأوراق أن الطاعن والمطعون ضدهم من الثانية للرابع كانوا قد بلغوا سن الرشد قبل إبرام مورثتهم لعقد الإيجار المؤرخ 2004/6/1، وإذ أقاموا الدعوى على المطعون ضده الأول بطلب القضاء بإنهاء العقد والذي أبرمته مورثتهم معه لمدة ستين عاما مع الإخلاء والتسليم؛ فإن الدعوى في حقيقتها وبحسب تكييفها القانوني الصحيح تكون قد أقيمت بطلب الحكم بعدم نفاذ عقد الإيجار المشار إليه في حقهم.
ولما كانت الدعوى بعدم نفاذ عقد الإيجار هي بطلب حق من الحقوق الشخصية التي ليست لها مدة خاصة تتقادم بها؛ ومن ثم لا تخضع للتقادم الثلاثي المنصوص عليه في المادة 140 من القانون المدني، وإنما تجري عليها في شأن تقادمها أحكام التقادم العادي المنصوص عليها في المادة 374 من ذات القانون، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى بسقوط الدعوى بالتقادم الثلاثي باعتبارها دعوى بطلان عقد؛ فإنه يكون قد أخطأ في تكييف حقيقة الطلبات في الدعوى، وهو ما حجبه عن مواجهة طلبات الطاعن وتحقيق دفاعه بشأنها؛ بما يعيبه ويوجب نقضه لهذا السبب دون حاجة لبحث باقي أسباب الطعن على أن يكون مع النقض الإحالة.
لذلك:
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وأحالت القضيه إلى محكمة استئناف المنصورة مأمورية الزقازيق، وألزمت المطعون ضده الأول المصروفات ومائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
المبادئ القانونية الهامة والمستقرة في قضاء محكمة النقض المصرية، والمتعلقة بإدارة المال الشائع وعقود الإيجار، وأهمها:
1. سلطة إدارة المال الشائع (المادة 828 مدني)
الأغلبية المطلقة: حق تأجير المال الشائع يثبت للأغلبية المطلقة من الشركاء (أصحاب أكثر من نصف الأنصبة).
الإيجار الصادر من "أحد" الشركاء: إذا قام شريك واحد (لا يملك الأغلبية) بتأجير العين كاملة، فإن العقد يكون صحيحاً ونافذاً بينه وبين المستأجر فقط، ولكنه غير نافذ في حق باقي الشركاء فيما يجاوز مدة 3 سنوات.

2. التمييز بين "البطلان" و"عدم النفاذ"
هذا هو المبدأ الجوهري في الحكم؛ حيث فرقت المحكمة بين طلب "بطلان العقد" وبين طلب "عدم نفاذه".
عقد الإيجار الذي يتجاوز 3 سنوات والصادر من غير ذي صفة (ليس صاحب الأغلبية) لا يعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً، بل هو عقد صحيح، ولكن أثره لا يمتد للشركاء الآخرين فيما زاد عن 3 سنوات إلا بموافقتهم.
3. عدم الخضوع للتقادم الثلاثي (المادة 140 مدني)
المبدأ: دعوى "عدم نفاذ الإيجار" في حق الشريك المشاع لا تتقادم بمرور 3 سنوات.
السبب: التقادم الثلاثي يسري على طلب "إبطال العقد" (في حالات نقص الأهلية أو الغلط أو التدليس)، أما طلب عدم نفاذ العقد فهو مطالبة بحق شخصي تخضع للقواعد العامة في التقادم (15 سنة)، ولا يجوز للمحكمة أن تقضي بسقوط الحق فيها بمضي 3 سنوات.
4. سلطة محكمة الموضوع في تكييف الدعوى
على القاضي أن يبحث عن حقيقة مقصود الخصوم من طلباتهم، ولا يتقيد بالألفاظ التي صاغوا بها دعواهم.
في هذه الحالة، رغم أن المدعين استخدموا لفظ "إنهاء العقد" أو "بطلانه"، كان على المحكمة أن تكيفها قانوناً على أنها دعوى "عدم نفاذ" بما يتفق مع الواقع القانوني للأوراق.
5. حماية الأقلية والشركاء (المادة 827 مدني)
أكد الحكم أن الشريك الذي لم يصدر منه إيجار ولم يقره (صراحة أو ضمناً) يحق له طلب إخراج المستأجر من نصيبه الشائع أو من العين كلها إذا كانت لا تقبل القسمة، دون انتظار نتيجة القسمة، طالما أن الإيجار تجاوز مدة الإدارة المعتادة (3 سنوات).
باختصار: الحكم يرسخ قاعدة أن الشريك المشاع لا يضار من تصرفات شريكه الآخر إذا تجاوزت هذه التصرفات حدود "الإدارة المعتادة" (3 سنوات)، وأن حقه في الاعتراض على ذلك لا يسقط بالتقادم القصير (3 سنوات).



