الدعارة قديماً - أرشيفية
مهنة "الدعارة" ارتبطت في جانب منها بشكل كبير بالأجانب والمحتلين الذين حصلوا على معاملات خاصة في ظل وجود الامتيازات الأجنبية، ولو عودنا للبغاء منذ التاريخ فقد مر في مصر بمراحل عدة، وفى الحقيقة لم تُحدَّد بدايته الفعلية، لكنه ظهر بشكل مستتر تحت حكم الرومان، ثم انتقل إلى العلن أثناء حكم الفاطميين، وفي عصر المماليك حُدّدت له أوقات معينة، حتى انتشر في الدولة العثمانية، ومن بعدها خلال الحملة الفرنسية على مصر، وبقي كذلك حتى وصل محمد علي باشا فحاربه، إلى أن صدر القرار العسكري عن إبراهيم باشا عام 1949 بوقفه نهائياً في مصر.
وكان من بين القوادات وأصحاب بيوت الدعارة: مثل بهية الزايطة، شاهور شان، فريدة ينّي، وأنجليكا خريستو، كان "البغاء" ولا يزال، مكروهًا ومحل مطاردة ومضايقة من جانب السلطات في مصر في أغلب الفترات التاريخية، لكنه كان يحظى ببعض التقنين والتسامح في أوقات أخرى، ففي الربع الأخير من القرن الـ17 كانت "البغايا" تسجلن في سجلات الشرطة، وتحصى أعدادهن، وتحفظ الشرطة هذه السجلات التي تضم أسماء محترفي البغاء من النساء ومن الذكور لأغراض الضرائب.
الدعارة بين الاباحة والتجريم..!!
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على الدعارة بين الاباحة والتجريم، وذلك مع انتشار إحدى الصور على مواقع التواصل الإجتماعى لرخصة بغيّ لممارسة الدعارة، ومن المعروف أن موضوع البغاء كان مباح في مصر، ثم جرى تنظيمه بقوانين وقرارات، حتى عام 1949 تقريبا، حيث تم تجريمه نهائيا، وفى هذا الإطار نستعرض أراء من قالوا بإباحة البغاء، ومن قالوا بتنظيم ممارسته، وأخيراً من قالوا بضرورة تجريمه، مع بيان أدلة كل رأي - بحسب الخبير القانونى والمحامى الدكتور محمد الصادق.
أولا: أدلة من قال بإباحة البغاء:-
في البداية - البغاء رذيلة مثل باقي الرذائل، ترجع لضمير الانسان، وهي جريمة اخلاقية بالاساس مثل رذيلة الكذب، لا يجوز للقانون أن يتدخل بالعقاب عليها أو تنظيمها، والبغاء يتضمن حق الإنسان في تصرفه في نفسه، فهو حر في استخدام جسده، لا يجوز عقابه على ذلك الاستعمال، والفتاة البغيّ هي ضحية للمجتمع، فهي مجني عليها في الأساس، ولا يجوز أبداً تحويلها لمتهمة، وسلوك البغاء لا يضر بأحد، ولا يسلب أحد ماله أو حياته، على عكس بقية الجرائم – وفقا لـ"الصادق".
حتى لو قيل أن تجريم البغاء ضرورة لحماية صحة هؤلاء من انتقال الأمراض، فمن المسلم به أن ذلك لا يعود إلا على الفاسقين الذين يلتمسون البغاء عمداً واختياراً، ومن يوقع الضرر بنفسه لا يصح أن نعامله معاملة الذين يوقعون الضرر بالغير، ولا يقع فعل البغاء إلا في الخفاء، ويتطلب اثباته التدخل في حياة الناس وخصوصياتهم وانتهاك حرمتهم، ومن المسلم به أن المعاشرة الرضائية غير المشروعة بين ذكر وأنثى غير معاقب عليها طالما كانت بدون أجر، فما معنى العقاب عليها إذا اقترنت بعنصر الأجر أو عدم التمييز، بينما يتوافر سوء الأخلاق في الحالتين – الكلام لـ"الصادق".
ثانياً: أدلة الرأي القائل بتنظيم البغاء:-
ذهب أنصار هذا الرأي إلى القول أن الجنس غريزة فطرية موجودة لدى الانسان، ومن لا يملك الوسائل المشروعة لإشباعها، قد يؤدي تجريمها الى انتهاك الأعراض والتعدي على الأشخاص بدون تمييز بغية إشباع تلك الغريزة، لذا فمن الأفضل تدخل الدولة لتنظيم مهنة البغاء، حتى تنحصر أضراره في أضيق نطاق، وحتى يجد طالبوا الملذات الجنسية بغيتهم التي لا يستطيعون لها رداً دون أن يلجأوا إلى أنواع أخرى من المفاسد أشد ضرراً وأكثر خطراً – هكذا يقول الخبير القانوني.
كذلك فإن الترخيص لبعض النسوة لإرضاء شهوات الرجال، يترتب عليه انصراف الرجال عن محاولة التغرير بالنساء الشريفات، لذا فتنظيم البغاء هو السور الذي يحمي الأسرة والحارس الذي يدافع عن الآداب العامة ويحمي أعراض العذارى، كذلك فإن تنظيم البغاء يضمن الكشف الطبي الدوري على المومسات وعلاج المريضات منهن، ما يضمن عدم انتشار مثل هذه الأمراض – طبقا لـ"الصادق".
ثالثا: أدلة الرأي القائل بضرورة تجريم البغاء:-
وأخذ "الصادق" في تعداد أدلة الرأي القائل بضرورة تجريم البغاء كالتالى:
1- لابد من تجريم البغاء، لأنه عمل ضار بالنظام العام، لأنه يقوض فكرة الزواج وتكوين الأسرة، الأمر الذي يهدد النظام الإجتماعي للمجتمع.
2- والقوانين الحديثة لم تعد تسمح بفكرة حرية الإنسان في استخدام جسده على الاطلاق، فلابد أن يلتزم الحدود التي قد تتعرض بعدها المصلحة العامة للخطر.
3- ولو كانت هناك نظريات تقول أن البغاء وليد ظروف اقتصادية، فإن هذه الظروف ذاتها هي أهم اسباب الإجرام عموما، فإذا اتحذنا ذلك أساساً لترك العقاب على البغاء، فلابد من اتخاذه أساساً لترك العقاب على سائر الجرائم، الأمر الذي لا يمكن قبوله أو تصوره.
4- ولا يمكن القول بإباحة البغاء، لأنه فعل لا يضر بشخص أحد ولا يسلب مال احد، فإن الفعل لا يكتسب صفة الجريمة من كونه أضر بشخص معين أو بماله، ولكن من كونه أضر بمصلحة عامة، ولو لم يقع ضرره المباشر على شخص بذاته، ولذا تعاقب القوانين على التسول والتشرد وحمل السلاح، رغم أن الفعل لا يتعدى شخص مرتكبه.
5- وتعريض البغيّ صحة عملائها للضرر لا يجوز أن يبقيها بمنأى من العقاب، إذ لو صحت هذه الدعوى لأستحال عقاب تاجر المخدرات بمقولة أن عملائه من المدمنين عليها.
6- لا يصح تبرير اباحة البغاء لانه يقع في الخفاء، فليس البغاء وحده هو الذي يقع في الخفاء، فكثير من الجرائم تُرتكب في الخفاء، ولم ينجها ذلك من الكشف عنها واقامة الادلة على وقوعها.
7- لم يفلح تنظيم البغاء في مكافحة الأمراض الزهرية، بل اثبتت الاحصائيات أن ذلك كان عاملا في زيادة نسبة انتشار هذه الأمراض.
8- أن صح القول بأن القانون قد يتغاضى أحيانا عن الرذائل باعتبارها علاقة بين العبد وربه، فإنه لا يصح أن يعترف بوجودها أو أن يحميها، وإلا تعتبر الدولة مناصرة للرذيلة ومنظمة لها.
9- البغاء ضار بالمجتمع، لأن الأسرة والزواج أساس المجتمع، وقد فرض الدستور لها حماية خاصة، لذا فالبغاء يخالف النظام العام والدستور.
10- الأديان السماوية تحرم ممارسة البغاء، وفي مصر نص دستورها علي أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فلا يصح تنظيم مسألة تخالف مبادئ الشريعة وأركانها.
وأركان جريمة الدعارة، فهناك جرائم كثيرة مرتبطة بالدعارة مثل:
- الاعتياد على ممارسة الدعارة.
- تسهيل ممارسة الدعارة.
- إدارة محل لممارسة الدعارة.
- التواجد في محل مجهز للدعارة.
بالنسبة لجريمة "الإعتياد على ممارسة الدعارة" لها ثلاث أركان:
1- لابد أن تكون العاهرة تمارس الرذيلة مع أي حد من غير تمييز (وبمفهوم المخالفة، فالقانون لا يعاقب على العلاقات غير الشرعية إذا كان الطرفين غير متزوجين وراشدين).
2- مهم جداً أن العاهرة تكون "معتادة" على ممارسة الرذيلة (لأن الممارسة لمدرة واحدة لا تقوم به الجريمة).
3- في ركن ثالث، ولكن عليه خلاف، وهو "المقابل المادي"
فريق قال "لازم تكون ممارسة البغاء بمقابل عشان الجريمة تكتمل"، و فريق قال "المقابل المادي مش شرط، طالما فيه أعتياد وممارسة من غير تمييز".
وهذا كله بالنسبة للعاهرة، ولكن ما موقف الشخص الذى يتم ضبطه معها؟
في الحقيقة صاحب هذا الموقف لا تجوز محاكمته على أنه شريك في تهمة "ممارسة الدعارة"، لكن تتم محاكمته بتهمة أخرى هي"التواجد في محل يُدار لممارسة الدعارة"، وهناك اتجاه ضعيف، يعتبر أن هذا الشخص شريك في جريمة ممارسة الدعارة، لكن المحاكم لا تأخذ بهذا الرأي، لأن صور الاشتراك ليست متحققة في هذه الحالة .
تطبيقات محكمة النقض
وفى هذا الشأن سبق لمحكمة النقض التصدي لتلك الإشكالية في الطعن المقيد برقم 49867 لسنة 59 قضائية، الصادر بجلسة 14 نوفمبر 1006، والذى جاء في حيثياته: "لما كانت الفقرة الثالثة من المادة التاسعة من القانون 10 لسنة 1961 قد نصت على عقاب: "كل من أعتاد ممارسة الفجور أو الدعارة"، وكان مفهوم دلالة هذا النص أن الجريمة المنصوص عليها فيه لا تتحقق بدورها الا بمباشرة الفحشاء مع الناس بغير تمييز وأن يكون ذلك على وجه الاعتياد سواء بالنسبة لبغاء الرجل أو بغاء الأنثى.
وأضافت: والأنثي حين ترتكب الفحشاء و تبيح عرضها لكل طالب بلا تمييز فتلك هي "الدعارة" تنسب للبغى فلا تصدر إلا منها ويقابلها "الفجور" ينسب للرجل حين يبيح عرضه لغيره من الرجال بغير تمييز فلا يصدر إلا منه، وكان الفعل الذى اقترفه الطاعن حسبما بينه الحكم وهو ارتكابه الفحشاء مع امرأة ساقطة في منزل يدار للدعارة لقاء أجر لا تتحقق به جريمة الاعتياد على ممارسة الفجور حسبما هى معرفة به في القانون لا يوفر في حقه من جهة أخرى الاشتراك في جريمة الاعتياد على ممارسة الدعارة المنسوبة الى المتهمة الثانية التى قدمت له المتعة بأى صورة من صور الاشتراك المنصوص عليها في المادة 40 من قانون العقوبات لعدم انصراف قصده الى الاسهام معها في نشاطها الاجرامى وهو الاعتياد على ممارسة الفحشاء مع الناس بغير تمييز أو الى مساعدتها على مباشرة هذا النشاط بتقديم الوسائل والامكانات التى من شأنها أن تيسر لها مباشرته أو في القليل يزيلا أو يذللا ما قد يعترض سبيلهما اليه من حوائل أو عقبات وهو ما ينتفى به الركن المعنوى اللازمة لتجريم فعل الشريك.
