الذكاء الاصطناعى
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، لم تعد قضايا الهجرة تُحلل بالأساليب التقليدية فقط، بل دخلت أدوات الذكاء الاصطناعي بقوة إلى هذا المجال، وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن أبعاد جديدة لدور التكنولوجيا في فهم وإدارة حركة الهجرة عالميًا.
ورغم ما تحققه تقنيات الذكاء الاصطناعي من كفاءة عالية في تحليل الهجرة، فإن الدراسة تؤكد أن الطريق ليس خاليًا من التعقيدات، بل تحيط به مجموعة من التحديات المتشابكة، حيث أشارت الدراسة إلى التكلفة العالية، وذلك لما يتطلبه تطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي من استثمارات مالية ضخمة، وهو ما يمثل ضغطًا على موازنات الدول، خاصة النامية، ويحد من قدرتها على تبني هذه التقنيات.

ومن التحديات أيضًا، إنه رغم دقة الأنظمة الذكية، تظل الحاجة قائمة للتدخل البشرى، خصوصًا في الحالات التي تتطلب تقييمات إنسانية وأخلاقية، لا يمكن للخوارزميات وحدها حسمها، هذا بالإضافة إلى التحديات التقنية المعقدة، حيث تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل أساسي على البيانات، وهنا تكمن الإشكالية، إذ قد تكون البيانات غير مكتملة أو منحازة، ما يؤدي إلى نتائج غير دقيقة.
وحذرت الدراسة الصادرة عن جهاز الإحصاء، من أن تدريب النماذج على بيانات غير متوازنة قد ينتج عنه قرارات تمييزية تؤثر سلبًا على فئات من المهاجرين، كما أن تشغيل هذه الأنظمة يتطلب بنية تحتية تقنية متطورة وصيانة مستمرة، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا أمام الدول محدودة الموارد.
وأشارت إلى تحدٍ آخر من التحديات المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعى في إدارة الهجرة عالميًا، وهو التداعيات الاجتماعية والسياسية، حيث لا تتوقف المخاطر عند الجانب التقني، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وسياسية، حيث قد يسهم الاعتماد على بيانات تاريخية منحازة في تعزيز الصور النمطية والتمييز ضد بعض المهاجرين.

وحذرت الدراسة أيضًا من احتمالية توظيف الذكاء الاصطناعي سياسيًا، سواء لتبرير سياسات هجرة أكثر تشددًا، أو لإضفاء طابع "محايد" على قرارات قد تكون غير إنسانية، ما قد يؤدي إلى تعقيد الأزمات وزيادة الضغوط على الدول المستقبلة.
في مواجهة هذه التحديات، تطرح الدراسة مجموعة من الحلول التي تستهدف تحقيق الاستخدام المسئول والفعال للذكاء الاصطناعي في إدارة الهجرة، تمثلت في التالى:
ضرورة أن تكون الأنظمة قابلة للتفسير، مع منح الأفراد حق معرفة كيفية اتخاذ القرارات التي تمس حياتهم، وإمكانية الطعن فيها.
التأكيد على أهمية مراجعة البيانات المستخدمة في تدريب النماذج، لضمان خلوها من التحيز، وتمثيلها العادل لمختلف الفئات.

تدعو الدراسة إلى وضع تشريعات تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، مع ضمان حماية الخصوصية وحقوق الإنسان.
نظرًا للطابع العابر للحدود للهجرة، تؤكد الدراسة أهمية التنسيق بين الدول لتبادل الخبرات ووضع معايير مشتركة لاستخدام هذه التكنولوجيا.
في النهاية، خلصت دراسة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل أداة قوية لإعادة تشكيل إدارة الهجرة عالميًا، لكنه في الوقت ذاته سلاح ذو حدين، فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك التكنولوجيا، بل في كيفية توظيفها بشكل يحقق التوازن بين الكفاءة والعدالة، وبين التحليل الرقمي والبعد الإنساني.
