الأحد، 22 مارس 2026 01:03 ص

في ميزان العدل والطب.. المسئولية بين رحمة المهنة وهيبة القانون.. المشرع تحول في وضع القانون من منطق "تحقيق النتيجة" لـ "بذل العناية".. والفلسفة العقابية في القانون جاءت مُتدرجة.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة

في ميزان العدل والطب.. المسئولية بين رحمة المهنة وهيبة القانون.. المشرع تحول في وضع القانون من منطق "تحقيق النتيجة" لـ "بذل العناية".. والفلسفة العقابية في القانون جاءت مُتدرجة.. وخبير يُجيب عن الأسئلة الشائكة قانون المسئولية الطبية
السبت، 21 مارس 2026 11:34 م
كتب علاء رضوان

قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض، من القوانين المهمة التي صدرت خلال الفترة الماضية، والذي يهدف إلى وضع إطار شامل للمسؤولية الطبية وحماية حقوق كل من المرضى ومقدمي الخدمات الطبية. ويسعى القانون الجديد إلى تحسين جودة الرعاية الصحية وتنظيم المسائل المتعلقة بالمسؤولية الطبية سواء كانت مدنية أو جنائية أو إدارية، وقد حدد القانون حالات لا يُسأل فيها الطبيب، كما منع أفعالًا معينة على مقدمي الخدمة الطبية.

 

وأنشأ صندوقًا للتأمين ضد الأخطاء الطبية، بالإضافة إلى ذلك، منح القانون المرضى حقوقًا جديدة مثل التأكد من سلامة الخدمة والحق في مغادرة المرضى للمنشأة الطبية عند استقرار حالتهم، ويتكون القانون من 29 مادة موزعة على خمسة فصول تتناول الأحكام العامة للمسؤولية الطبية، والتزامات مقدمي الخدمة والمنشآت الطبية، وآليات الخبرة الفنية ولجان المسؤولية الطبية، والتعويض عن الأخطاء الطبية، والعقوبات. 

 

44728-رئيسية

 

في ميزان العدل والطب.. تقعيد المسئولية بين رحمة المهنة وهيبة القانون

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض، والذى جاء تحت عنوان: "في ميزان العدل والطب.. تقعيد المسئولية بين رحمة المهنة وهيبة القانون"، فقد نصت المواد الأولى من القانون على سريانه جنبًا إلى جنب مع قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009، وإلزام العاملين في المهن الطبية والمنشآت بالاشتراك في صندوق التأمين خلال ستة أشهر قابلة للتمديد، كما حددت المواد مهلة 6 أشهر لإصدار القرارات التنفيذية للقانون، وسيبدأ العمل به بعد ستة أشهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية - بحسب الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي.

 

في البداية - حظر القانون على مقدمي الخدمة الطبية ثمانية أفعال محددة تشمل تجاوز حدود الترخيص، وعلاج المريض دون رضاه "إلا في الطوارئ"، والامتناع عن علاج الحالات الطارئة، والانقطاع عن العلاج قبل استقرار الحالة، واستخدام وسائل غير مرخصة، وإفشاء أسرار المرضى "باستثناء حالات معينة"، واتخاذ إجراءات طبية مخالفة للتشريعات المعتمدة، والكشف السريري على مريض من جنس آخر بدون موافقة أو حضور مرافق "إلا في الطوارئ" – وفقا لـ"الديب". 

 

images

 

أهداف الصندوق

 

كما أنشأ القانون صندوقًا حكوميًا للتأمين بهدف تعويض المتضررين من الأخطاء الطبية، وتضمن عقوبات لمن يهين الطواقم الطبية أثناء تأدية عملهم، وأوضح القانون الحالات التي تنتفي فيها المسؤولية الطبية، مثل وقوع ضرر نتيجة مضاعفات طبية معروفة، أو اتباع الطبيب للأصول العلمية الصحيحة، أو تسبب فعل المريض نفسه أو رفضه للعلاج في الضرر، كما أكد القانون على حق المرضى في تقديم الشكاوى، مع وضع آليات للتصدي للبلاغات الكاذبة، محذرًا من أن التعسف في استخدام هذا الحق يعرض صاحبه للمساءلة القانونية – الكلام لـ"الديب".

 

وفى الحقيقة لا ريب أنّ التشريع إذا استقام على ساق الحكمة، وانبنى على سداد النظر، كان كالسِّراج في دُجى الالتباس؛ يهدي إلى سواء السبيل، ويقيم من عِوَج المفاهيم ما طال به الاضطراب، ومن ثمّ، فإنّ صدور قانون تنظيم المسئولية الطبية وسلامة المريض رقم (13) لسنة (2025) — وقد جاء في سياقٍ تشريعيٍّ متعطّشٍ إلى الضبط والتقويم — ليس حدثًا عارضًا، بل هو منعطفٌ فاصل، وفتحٌ في بابٍ طال إغلاقه، إذ أعاد رسم العلاقة بين الطبيب والمريض، وردّها إلى ميزانٍ قِسطٍ لا طغيان فيه ولا إخلال – هكذا يقول "الديب". 

 

5467-download

 

حقّ الإنسان في الصحة

 

وإذ نتأمّل هذا البناء التشريعيّ الرصين، نجد أنّه قد استند إلى دعامةٍ دستوريةٍ لا يزيغ عنها بصَرُ القانون، حيث إنّ حقّ الإنسان في الصحة — وهو من الحقوق اللصيقة بالكرامة الإنسانية — لم يعد شعارًا نظريًا، بل غدا التزامًا مُحكمًا، تتساند فيه النصوص وتتعاضد، وعليه، فقد جاء هذا القانون ليُزاوج بين حقٍّ مصونٍ للمريض في رعايةٍ آمنة، وحقٍّ ثابتٍ للطبيب في بيئةٍ مهنيةٍ لا تُساق فيها العدالة بسياط الرهبة ولا تُغتال فيها الكفاءة بسوء الظن – طبقا للخبير القانونى.

 

غير أنّ أبلغ ما في هذا التشريع — وما انفكّ يُعدّ جوهره النابض — هو ذلك التحوّل الدقيق من منطق "تحقيق النتيجة" إلى مبدأ "بذل العناية"؛ وهو انتقالٌ من ظاهرٍ مغرٍ إلى باطنٍ مُحكِم، ومن حكمٍ جامدٍ إلى تقديرٍ منضبط، فليس الطبيب — في ميزان العقل والقانون — ضامنًا للشفاء، إذ الشفاء منوطٌ بأقدارٍ لا تُستكره، ولا تُحاط علماً، بل هو مُلزمٌ بأن يُحسن السعي، ويُتقن الوسيلة، ويستفرغ الوُسع في إطار الأصول العلمية المقرّرة، أفيُسأل من بذل جهده، وأعمل علمه، عن أمرٍ لم يُكتب له التمام؟ كلا، بل يُوزن فعله بميزان العناية لا بميزان العاقبة – كما يرى "الديب". 

 

ججسس

 

قُسِّمت الأفعال الطبية إلى ثلاثة أضرب

 

ومن هنا، انبثق تمييزٌ تشريعيٌّ دقيق، كأنّه الحدّ الفاصل بين الحقّ والزلل، بين ما يُغتفر وما لا يُحتمل؛ إذ قُسِّمت الأفعال الطبية إلى ثلاثة أضرب: مضاعفاتٌ تلازم الفعل الطبي كما يلازم الظلّ الجسد — لا مؤاخذة فيها ولا مساءلة —، وخطأٌ عاديٌّ ينشأ عن سهوٍ أو قصورٍ غير مقصود، فيُقابل بجبرٍ وتعويض، لا بزجرٍ وتعنيف، وخطأٌ جسيمٌ يتجلّى في صورة الإهمال الفاحش أو الانحراف الصارخ، كأن يعمل الطبيب في غير اختصاصه، أو يُعرض عن إنقاذ ملهوفٍ وهو قادر، أو يتلبّس بما يُذهب العقل ويُفسد التقدير؛ فذاك جرمٌ لا يُدفع، وإثمٌ لا يُغتفر، تُقام عليه العقوبة، وتُشدّد فيه المؤاخذة – بحسب "الديب".

 

على أنّ هذا الترسيم المفاهيمي لم يكن غايةً في ذاته، بل كان تمهيدًا لإعادة بناء منظومة الخبرة الفنية، حيث إنّ العدالة — إن لم تستند إلى علمٍ محقّق — تظلّ عرجاء لا تستقيم. لذلك، استحدث المشرّع لجنةً عليا للمسئولية الطبية، فجعلها — دون غيرها — مرجع القول الفصل، ومناط التكييف الصحيح، تُنقّب في دقائق الوقائع، وتستخرج من خباياها ما يُقيم الدليل ويُزيل الشبهة. فهي، إن صحّ التعبير، ميزانٌ علميٌّ دقيق، لا يُغريه الهوى، ولا يُميله الظن، بل يُصدر حكمه في آجالٍ مضبوطة، وأسبابٍ مبيّنة، فيكون قوله حُجّةً، وتقريره عُمدة. 

 

17389-download-(1)

 

العدالة لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالرحمة

 

وغير أنّ العدالة لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالرحمة، ولا تستقيم إلا إذا توازنت فيها الكفّتان؛ ومن ثمّ، جاءت الفلسفة العقابية في هذا القانون متدرّجةً، كأنّها سلّمٌ يُرتقى فيه من الأخفّ إلى الأشدّ، لا قفزًا ولا تعسّفًا. فالحبس — وقد كان سيفًا مُصلتًا على رقاب الأطباء — لم يعد وجوبيًا في كل حال، بل غدا خيارًا قضائيًا يُقدَّر بقدر الجُرم، وتُوازن فيه الملابسات. وفي هذا، رفعٌ للحرج، ودفعٌ للغلو، وإقرارٌ بأنّ الخطأ — ما لم يبلغ حدّ الجسامة — لا يُقابل بعقوبة تُهدر المهنية وتُثبّط العزيمة.

 

ثمّ إنّ المشرّع — وقد أحاط بالواقع من أطرافه — لم يغفل عن آفة الشكاوى الكيدية، تلك التي تتزيّا بزيّ الحقّ وهي منه براء؛ فسنّ لها عقابًا يردع المتلاعبين، ويصون هيبة المهنة، ويمنع أن تتحوّل ساحات العدالة إلى ميادين ابتزازٍ ومكايدة، وفي ذلك، حمايةٌ للذمّة المهنية، وصونٌ لكرامة من أفنوا أعمارهم في خدمة الأرواح. 

 

67353-image

 

نظامٌ يُجسّد فكرة "نقل المخاطر"

 

على أنّ أعجب ما في هذا البناء — وأدقّه أثرًا — هو استحداث صندوقٍ للتعويض عن الأخطاء الطبية، كأنّه وعاءٌ يُصبّ فيه الخطر ليُصرف عن كاهل الطبيب، ويُردّ به حقّ المريض، فهو نظامٌ يُجسّد فكرة "نقل المخاطر"، ويجعل التعويض حقًا مضمونًا لا رهين ملاءةٍ فردية، ولا أسير نزاعٍ طويل، وهنا تتجلّى حكمة التشريع في أبهى صورها: إذ جمع بين صيانة المهنة، وضمان الحقّ، فكان كالغيث يُحيي ولا يُغرق، ويُنعش ولا يُهلك.

 

ولا جرم أنّ الالتزامات التي قرّرها القانون — من وجوب الموافقة المستنيرة، إلى حظر إفشاء السرّ، إلى لزوم التوثيق الدقيق — إنّما هي سياجٌ منضبط، يحفظ للمريض كرامته، ويُقيم على الطبيب واجبَه، فهي ليست قيودًا تُثقِل، بل ضوابط تُقوّم؛ ولا هي أغلالٌ تُعطّل، بل معايير تُهذّب وتُحكِم. 

 

images (1)

 

القانون ليس مجرّد نصوصٍ تُتلى

 

فإذا نحن جمعنا أطراف هذا التشريع، ونظرنا إليه بعين الفاحص المتأمّل، بدا لنا كأنّه نسيجٌ محكم، تساندت خيوطه، وتكاملت عناصره: علمٌ يُهذّب القضاء، وعدلٌ يُنصف المريض، وحمايةٌ تُؤمّن الطبيب، ومنظومةٌ تُعيد إلى المهنة جلالها، وإلى العدالة وقارها. ولعمري، إنّه — بما انطوى عليه من إحكامٍ واتّساق — لَيُعدّ خطوةً واثقةً نحو ترسيخ دولة القانون في ميدانٍ هو من أدقّ ميادينها وأخطرها.

 

وخِتامًا، فإنّ هذا القانون ليس مجرّد نصوصٍ تُتلى، ولا موادّ تُفسَّر، بل هو ميثاقٌ بين العلم والعدل، وعهدٌ بين الرحمة والمسئولية؛ فإن أُحسن تطبيقه، واستُمسك بروحه قبل حرفه، كان كالسيف الصقيل: يحسم ولا يظلم، ويقطع ولا يُجحف، ويقيم ميزان الحقّ فلا يميل ولا يختل. 

 

ططسس
 

 

1 ديب
قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض 1

 

2 ديب
 
قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض 2

 

3 ديب
 
قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض 3

 

4 ديب
 
قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض 4

 

5 ديب
 
قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض 5

 

6 ديب
 
قانون رقم 13 لسنة 2025 بشأن تنظيم المسؤولية الطبية وسلامة المريض 6

 

7 ديب
 

 

8 ديب
 

 

9 ديب
 

 

10 ديب
 

 

11 ديب
 

 

12 ديب
 

 

13 ديب
 

 

14ديب
 

 

15 ديب
 

 

16
 

 

17
 

 

18
 

 

19
 

 

جد

الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي

موضوعات متعلقة :

محمود فوزي يفتح حوارا تشريعيا مع السفراء حول إصلاحات قانونية مهمة: قانون الإجراءات الجنائية حجر أساس حماية الحقوق وسيادة القانون.. البكالوريا اختيار وليست بديلاً للثانوية العامة.. والمسؤولية الطبية يحمي الجميع

حصاد إنجازات مجلس النواب خلال دور الانعقاد الخامس.. أصدر 186 قانونا أبرزها الإيجار القديم والإجراءات الجنائية والعمل والتعليم والرياضة والمسئولية الطبية.. وأقر 63 اتفافية واللجان النوعية ناقشت 2647 أداة رقابية

قانون المسئولية الطبية حماية للمرضى وضمانات عادلة للأطباء.. نقابة الأطباء عن مميزات القانون: ألغى الحبس فى الأخطاء العادية وقصرها على الخطأ الجسيم.. وخفض الغرامة من مليون جنيه لتتراوح بين 10 آلاف إلى 100 ألف

عقب إقراره بعد 6 أشهر.. كيف يتعامل القانون مع جرائم المسئولية الطبية؟.. 8 خطوات للتحقيق مع الطبيب ومحاكمته.. و8 مزايا للقانون الجديد.. وطبيب يؤكد: القانون بداية جيدة وخروج من وضع حالي كارثي.. وقانونى يوضح الأمر


print