في ردهات محاكم الأسرة المزدحمة، لم تعد الحكايات تقتصر على الفقر أو الضرب، بل ظهر "بطل مستتر" في فصول النهاية الحزينة لكثير من الزيجات، إنه "الصداقة" التي تتجاوز الحدود، تلك العلاقة التي تبدأ بكلمة "زميلة" أو "صديقة طفولة"، وتنتهي بزلزال يضرب أركان البيت المستقر.
خلف جدران المحاكم، نجد مئات الزوجات اللواتي لم يجدن مفرًا من "الخلع" بعدما تحولت "صديقة الزوج" إلى شريك ثالث في الفراش، وفي الحوار، وفي أخص خصوصيات العلاقة الزوجية، ليصبح السؤال المرير: أين تنتهي حدود الزمالة وتبدأ خيانة العهود؟
حكايات معاناة زوجات بسبب صديقة الزوج
تقف "هدير"، شابة في الثلاثينيات من عمرها، لا يبدو عليها الغضب بقدر ما يبدو عليها الانكسار، تروي هدير قصتها قائلة إنها كانت تفتخر بديمقراطيتها وثقتها في زوجها، الذي كانت لديه "صديقة مقربة" من أيام الجامعة.
كانت تلك الصديقة حاضرة في كل تفاصيل حياتهما، تشاركهم السهرات، وتعرف أسرار خلافاتهما، بل وكانت هي "المصلح الاجتماعي" حين تشتد الأزمات، لكن بمرور الوقت، اكتشفت هدير أن "الصديقة" أصبحت هي المرجع الأول لزوجها؛ يسألها عن لون قميصه، ويشكو لها من إرهاق زوجته مع الأبناء، ويقضي معها ساعات على الهاتف تحت مسمى "الفضفضة".
القشة التي قصمت ظهر البعير كانت عندما اكتشفت هدير أن زوجها يخصص "ميزانية سرية" لهدايا تلك الصديقة بينما يتذمر من مصاريف المنزل، هنا أدركت هدير أنها لم تعد الزوجة الوحيدة، بل أصبحت "مديرة المنزل" بينما نالت الصديقة "دلال الحبيبة"، فقررت الخلع لتستعيد كرامتها التي أهدرتها تلك العلاقة المشوهة.
وفي قصة أخرى لا تقل قسوة، تحكي "نهى"، وهي أم لثلاثة أطفال، عن جحيم "الزميلة العزيزة"، كان زوج نهى يعمل في شركة كبرى، وكانت هناك زميلة "وحيدة" كما كان يصفها، تحتاج دائمًا لمن يسمعها أو يوصلها بسيارته ليلًا.
تقول نهى إنها في البداية كانت تشفق عليها، لكنها بدأت تشعر بأن خصوصية بيتها مستباحة، كانت تلك الزميلة تتصل في ساعات متأخرة لتستشيره في أمور تافهة، وكان زوجها يدافع بشراسة عن "حق الصداقة" متهمًا نهى بالرجعية والغيرة المرضية.
تحولت حياة نهى إلى جحيم من المقارنات الضمنية، وأصبح زوجها يرى في زميلته "الأنثى المتفهمة" وفي زوجته "النكادية" التي تلاحقه بالمطالب.
عندما واجهته بضرورة وضع حدود، خيرها بين قبول الوضع أو الرحيل، فاختارت الرحيل بكرامة الخلع، مؤكدة أن "الطرف الثالث" لا يحتاج دائمًا إلى علاقة غير شرعية ليهدم البيت، بل يكفي أن يسرق "الاهتمام" و"الوقت" ليجعل الزواج جثة هامدة.
أسباب المشاكل الزوجية بسبب الصديقة
يرى خبراء علم النفس والاجتماع أن ظاهرة "صديقة الزوج" هي نوع من الخيانة العاطفية التي قد تكون أخطر من الخيانة الجسدية العابرة، فالخطر يكمن في "الاعتمادية العاطفية"، حيث يصبح الزوج يبحث عن الدعم النفسي والتقدير خارج إطار الزواج، مما يخلق فجوة تتسع يومًا بعد يوم بينه وبين شريكة حياته.
هذه العلاقة التي توصف بـ "البريئة" غالبًا ما تكون ستارة لهروب الزوج من مسؤولياته النفسية تجاه زوجته، وهي تخلق لدى الزوجة شعورًا بالدونية والتهديد المستمر، مما يدفعها في النهاية إلى طلب الخلع كنوع من "بتر العضو المصاب" للحفاظ على ما تبقى من صحتها النفسية.
روشتة لتفادي هذه المشاكل
وحتى لا تتحول الصداقة إلى "مقصلة" للزواج، تبرز الحاجة إلى وضع "روشتة وقائية" وقواعد صارمة للتعامل مع الأطراف الخارجية، تبدأ هذه الروشتة بوضع "خطوط حمراء" واضحة منذ بداية الزواج، حيث يجب أن يتفق الطرفان على أن الخصوصية الزوجية خط أحمر لا يجوز تجاوزه مع أي صديق أو صديقة، مهما كانت درجة القرب. الصداقة الناجحة هي التي تحترم وجود "شريك الحياة"، فلا تجور على وقته، ولا تتدخل في أسرار بيته، ولا تخلق مقارنات بين الزوجة والصديقة.
كما يجب على الزوج أن يدرك أن "الرجولة" تقتضي حماية مشاعر زوجته من الغيرة والقلق، وأن أي علاقة تسبب توترًا داخل البيت هي علاقة "سامة" يجب إعادة تقييمها فورًا.
كما تنصح الروشتة الزوجات بضرورة التمييز بين "الغيرة الصحية" و"الشك المرضي"، لكن في الوقت نفسه، عدم الصمت على التجاوزات التي تمس الكرامة تحت ضغط "كلام الناس".
المصارحة والمكاشفة الدورية بين الزوجين حول ما يزعجهما في علاقات الطرف الآخر الخارجية هي صمام الأمان الحقيقي.
إن البيت الذي يُبنى على الوضوح لا تغلبه الصداقات العابرة، والزوج الذي يقدر شريكته لا يسمح لامرأة أخرى بأن تحتل مساحة في قلبه أو وقته كانت هي أولى بها.
الزواج هو أسمى "علاقة صداقة" في الوجود، وإذا بحث أحد الطرفين عن بديل لهذه الصداقة في الخارج، فقد وضع مسمارًا في نعش هذا الزواج، وفتح باب المحكمة على مصراعيه ليكون الخلع هو كلمة النهاية.