- محمد مصطفى يضطر للسفر لطنطا أسبوعيا ولم ير أبنائه سوى مرات معدودة خلال 7 سنوات
- عضو بالقومى لحقوق الإنسان: العلاقة الأبوية لا تُبنى فى إطار زمنى ضيق وتحت رقابة مكانية جامدة
- عمرو يضطر لإلغاء دعوى الرؤية بعد تكرار إهانته أمام أطفاله
- محامية قضايا أسرة: الأب كثيرا ما يقف عاجزا أمام رغبته البسيطة فى احتضان طفله
- مسئول بمركز شباب: نشهد مشادات ومشاحنات كثيرة خلال تنفيذ الرؤية
- متحدث الشباب: لا نتدخل حال حدوث مشاجرات والمشاحنات تؤثر على ممارسة الشباب للأنشطة الرياضية
- علاء مجدي: ابنى يرفض البقاء معى بسبب كثرة الكلام السلبى عنى من والدته وأهلها
- أمين الفتوى بدار الإفتاء: الإسلام لم ينحاز لجانب على حساب آخر بل سعى دائما لتحقيق مصلحة الطفل
- أستاذ طب نفسي: الابن يحتاج للأب قبل سن 15 عاما والاستضافة هى الحل
- عضو تشريعية النواب: سنعرض أى مشروع قانون يُعرض علينا للحوار المجتمعى لتحقيق العدالة وإرضاء مختلف الأطراف
مع بداية العام الجديد، ظهرت على السطح أزمة الفنان محمود حجازي، والذى خرج ليشتكى من حرمانه من ابنه على مدار شهور عديدة، وصلت إلى حد تقديم زوجته بلاغ تعدى عليها، ليخرج الفنان عبر حسابه الرسمى على "إنستجرام" ويؤكد أنه لن يتنازل عن منع سفر ابنه، مؤكدا أنه ووالده والدته محرومون منه رؤيته، حيث كتب نصا :"مهما عملتوا مش هتنازل عن منع سفر ابنى اللى أنا محروم منه ولحد دلوقتى أبويا وأمى لسه ماشفهوش خالص من ساعة ما أتولد وبقى عنده سنة ونص وبقاله فى مصر 5 شهور.. ربنا موجود وأنا أقوى من أى حاجة عشان معايا الحق.. أنا فوضت أمرى لله، احنا منعرفش الخير فين وليه بيحصل كل ده اكيد ربنا ليه حكمه والحقيقة هتبان هتبان وساعتها هبقى ضامن حقى فى الدنيا زى ما ضامن حقى فى الاخرة".
لم يتحدث الفنان محمود حجازى صراحة إذا ما كان قد تقدم بدعوى لرؤية ابنه من عدمه، لكن تصريحاته تلمح إلى أن هناك استخدام للطفل كسلاح ضده، ولم نستطع التواصل مع زوجته لبيان حقيقة الأمر، إلا أننا سردنا هذه القصة للتأكيد على أن أزمة رؤية الأبناء وشكاوى الآباء من عدم تواصلهم مع أبنائهم تشهد تزايد كبير، ولا تقتصر على طبقة معينة بل تشمل كل طبقات المجتمع.
ثلاث ساعات فى أسبوع تشبه الإهانة
قصة علاء مجدي، والذى يعمل سائقا، تختلف بعض الشئ عن أزمة الفنان محمود حجازي، حيث يعانى من صعوبات كبيرة فى ممارسة حقه القانونى فى رؤية أبنائه بعد انفصاله عن زوجته، وفق ما يقره قانون الرؤية، فالرجل الذى يفترض أن يقضى ثلاث ساعات أسبوعيا مع أولاده، يصف تجربته بأنها مهينة ومؤلمة على المستويين النفسى والأخلاقي، مؤكدا أن المكان المخصص للرؤية لا يليق بالطفل أو الأب.
ويقول فى تصريحات خاصة لـ"برلمانى"، : "المكان قذر بمعنى الكلمة، قمة الإهانة للطفل والأب، وفى كل مرة انتظار ساعات طويلة، وأنت غير ضامن أن ترى أولادك، مرة يأتون وأخرى لا، موضحا أن البيئة داخل مركز الرؤية غير مناسبة للأبناء، لما تشهده من سباب وألفاظ قبيحة بين بعض أولياء الأمور مما يترك أثرا نفسيا سلبيا على الأطفال الحاضرين، حيث يظل الابن شاهدا على هذه المشاهد المؤلمة دون حماية.
ويتطرق علاء مجدى إلى مشكلة الشحن من جانب بعض الأمهات لأطفالهن ضد آبائهن، وهو ما تعرض له، قائلا: "ابنى يأتي، لكنه أحيانا يرفض البقاء معى بسبب كثرة الكلام السلبى الذى يسمعه عن عنى من والدته وأهلها، فهم لا يعرفون معنى صلة الرحم أو الأخلاق، كل ما يهمهم المال فقط."
ويضيف أن قوانين الرؤية تفرض قيودا صارمة على أفراد أسرته، حيث يمنع أشقاؤه ووالدته من حضور جلسات الرؤية، بينما تسمح القوانين لأبناء الأم أو الأشقاء بالحضور، ما يشعره بإنكار الحقوق ويضاعف شعور الظلم، قائلا : "أمى وأختى وأخى وكل أفراد عائلتى ممنوعون من رؤية أولادى فى مركز الرؤية، مع أن القانون يسمح عادة بحضور أى قريب، هذا ظلم كامل وغير منطقي."
ويواصل حديثه بأن قانون الرؤية الحالى لا يضمن الاستقرار النفسى للطفل أو الأب، بل يكرس شعورا بالإهانة وعدم الأمان، ويجعل اللقاءات محدودة الزمن وغير كافية لإقامة علاقة طبيعية بين الأب وأطفاله، متابعا :" "الرؤية هذه أكبر إهانة للطفل والأب، وأى شخص لديه ذرة أخلاق سيشعر بالظلم الذى نعيشه."
ويعد ملف الرؤية فى مصر من أكثر الملفات القانونية حساسية، إذ تتكرر الشكاوى من الآباء حول قلة ساعات اللقاء، وغياب البيئة الآمنة، وتعسف بعض الأطراف فى استخدام القوانين لإحراج الأب، مما يترك آثارا نفسية طويلة الأمد على الأطفال ويعقد العلاقات الأسرية بعد الطلاق، حيث يؤكد خبراء علم النفس والاجتماع أن التعامل غير العادل مع الأبناء والقيود المبالغ فيها على الرؤية تؤثر على الصحة النفسية للأطفال وتنشئ فجوة عاطفية بين الطفل وأحد والديه، ما يجعل ضرورة إصلاح قانون الرؤية والقوانين المصاحبة للأحوال الشخصية أمرا ملحا لضمان حقوق الأبناء والأسر على حد سواء.
يوم الجمعة قد لا يكون مناسب لجميع الآباء ووضع ضمانات واضحة تكفل حقوق الجميع
وفى خضم النزاعات الأسرية التى تعقب الطلاق، يبقى الطفل هو الحلقة الأضعف، تتقاذفه الخلافات القانونية والنفسية بين الأب والأم، بينما يكتفى القانون – فى صورته الحالية – بمنح الأب حق الرؤية لساعات محدودة أسبوعيا، حيث تقول نبيلة درويش، محامية قضايا الأسرة، إن قانون الرؤية بوضعه الحالى مجحف بحق الأب، قائلة :"من واقع خبرتى المهنية الأب كثيرا ما يقف عاجزا أمام رغبته البسيطة فى احتضان طفله أو قضاء وقت طبيعى معه".
وتضيف فى تصريحات خاصة لـ"برلمانى"، أن معاناة كثير من الآباء لا تتوقف عند حدود الأحكام القضائية، بل تمتد إلى تعنت بعض الأمهات اللاتى قد يمنعن الرؤية بحجج متعددة، منها الامتناع عن النفقة، رغم أن العديد من هؤلاء الآباء يكون لديهم بالفعل أحكام نفقة نافذة ويتم تنفيذها، مشيرة إلى أن الأمر فى كثير من الحالات لا يكون مرتبطا بالحقوق المالية بقدر ما يكون انعكاسا لحالة من العند أو الصراع الشخصى بين الزوجين السابقين، وهو ما يدفع ثمنه الطفل فى النهاية.
وتحذر من أن غياب الأب المتكرر والممتد قد يؤثر على التوازن النفسى للطفل، ويجعله أكثر عرضة للانحراف أو الوقوع فريسة لأصدقاء السوء أو تعاطى المخدرات نتيجة الفراغ العاطفى والرقابي، لافتة إلى أن اقتصار العلاقة على ساعتين أسبوعيا فى نادٍ اجتماعى أو مكان عام لا يصنع أبوة حقيقية، ولا يبنى شخصية سوية.
وتتساءل: "لماذا لا يتحول الحق من مجرد رؤية إلى استضافة؟ ولماذا لا يُمنح الأب فرصة أن يستضيف ابنه يومين فى منزله فى إطار قانونى منظم؟ خاصة أن الاستضافة تمثل شكلا أكثر إنسانية وتوازنا للعلاقة، يسمح للطفل بأن يعيش أجواء أسرية طبيعية مع والده، بعيدا عن أجواء الترقب والرسميات التى تفرضها أماكن الرؤية العامة".
وفى مواجهة تخوفات بعض الأمهات من احتمال امتناع الأب عن إعادة الطفل أو التأثير عليه سلبا، توضح "درويش" أن القانون قادر على وضع ضمانات واضحة تكفل حقوق الجميع، مقترحة أن يتم تنفيذ الاستضافة من خلال مكاتب تسوية المنازعات الأسرية، بحيث يتم تحرير محضر رسمى يثبت استلام الأب للطفل فى موعد محدد وإعادته فى تاريخ معين، بما يشكل ضمانة قانونية كافية للأم.
وتشدد على أن الأب الذى يُمنح حقه بشكل عادل، ويشعر بالاستقرار النفسي، لن يكون فى خصومة مع أم طفله، بل على العكس، سيكون حريصا على أن يكون قدوة حسنة لابنه، وأن يبعده عن أى مسارات خاطئة، لافتة إلى أن الصراع بين الأبوين لا ينبغى أن يتحول إلى ساحة انتقام يستخدم فيها الطفل كورقة ضغط.
وتناشد المحامية بقضايا الأسرة، بسرعة مناقشة تعديل قانون الرؤية، بما يحقق التوازن بين حقوق الطرفين ويضع مصلحة الطفل فوق أى اعتبار، خاصة أن تحديد يوم ثابت للرؤية - كأن يكون يوم الجمعة - قد لا يناسب بعض الآباء بحكم طبيعة أعمالهم، ما يستدعى مرونة أكبر فى تنظيم المواعيد، مع إمكانية إقرار نظام استضافة ليومين أو ثلاثة وفق ما تراه المحكمة مناسبا، على أن يبدأ ذلك من سن معينة بعد مرحلة الرضاعة، مثل سن الثالثة أو الرابعة.
وتؤكد أن الأطفال أمانة ونعمة، والخلاف بين الزوجين لا ينبغى أن يحرمهم من حقهم فى أب حاضر فى حياتهم، خاصة القضية ليست صراعا بين رجل وامرأة، بل مسؤولية مجتمع يحمى أبناءه من التشوهات النفسية التى قد تلاحقهم لسنوات طويلة إن لم تُعالج جذور المشكلة بقانون أكثر عدلا وإنسانية.
الرؤية فى الدول العربية والأجنبية
فى ظل الجدل المتصاعد حول قوانين الأحوال الشخصية وتنظيم حق الرؤية، تتجه الأنظار إلى تجارب دول عربية وأوروبية استطاعت أن تطور نماذج أكثر مرونة توازن بين حقوق الأبوين ومصلحة الطفل، وتضع ضوابط تنفيذية تقلل النزاعات وتمنع استخدام الأطفال كأداة ضغط فى الخلافات الأسرية.
تطبق الإمارات نظام يعرف بـ"الخطة الأبوية" المرن، والذى يعتمد على تنظيم واضح ومفصل لحق الرؤية داخل مراكز مجهزة، أو من خلال استلام الطفل من محل إقامته، حيث يمنح النظام أحد الوالدين حق رؤية أطفاله فى أقرب مركز رؤية لمقر إقامة المحضون، أو اصطحابه وفق ضوابط محددة.
بحسب القانون الإماراتي، إذا كان الطفل قد تجاوز أربع سنوات، يجوز أن تكون الرؤية يوما أو يومين أسبوعيا لمدة تتراوح بين خمس إلى ثمانى ساعات، مع إمكانية المبيت خلال أيام الدراسة والإجازات المدرسية، باستثناء عيدى الفطر والأضحى حيث لا يُسمح بالمبيت.
ويتميز النموذج الإماراتى بصرامة التنفيذ، حيث يجوز لقاضى التنفيذ فرض غرامة تتراوح بين 1000 و10 آلاف درهم عن كل يوم امتناع، أو الحبس عند الإخلال المتكرر، مع توثيق عدد مرات الامتناع، كما يعتبر إخلال الحاضن بتنفيذ الرؤية مساسا بشرط الأمانة، وقد يؤدى إلى إجراءات مشددة، مع مراعاة مصلحة الطفل فى جميع الأحوال، ويحدد قاضى التنفيذ مستحقى الرؤية، سواء أحد الأبوين حال الانفصال أو أقارب المحضون المحارم عند غياب أحد الوالدين.
وفى البحرين، ينظم قانون الأسرة مسألة الحضانة والرؤية بنصوص واضحة، حيث عرفت المادة 123 الحضانة بأنها حفظ الولد وتربيته بما لا يتعارض مع حق الولي، كما أكدت مادتى 138 و139 حق الطرف غير الحاضن فى رؤية المحضون وزيارته، مع منح المحكمة صلاحية تنظيم التفاصيل بما يحقق مصلحة الطفل، ومراعاة عمره وظروفه الصحية والتعليمية، ويعد وجود قاضى تنفيذ متخصص أحد عوامل تقليل النزاعات، ويملك صلاحيات واسعة لاتخاذ تدابير وقائية قد تصل إلى سحب الحضانة عند الإضرار بالعلاقة بين الطفل ووليه.
فى السعودية، يركز نظام الحضانة والرؤية على أولوية الأم فى الحضانة متى توافرت فيها شروط الأهلية والسلامة الصحية والقدرة على الرعاية، مع منح القاضى سلطة تقديرية لتغيير الترتيب وفق مصلحة الطفل، ويأتى الأب فى المرتبة التالية، ثم الجدة لأم، فالجدة لأب، ويُلاحظ فى التطبيق السعودى اعتماد مرونة زمنية فى الرؤية تراعى ظروف العمل للطرفين، بما يقلل النزاع ويعزز استمرارية العلاقة الأبوية.
وكشفت دعوى قضائية فى العراق صادرة فى شهر يناير الماضي، حملت رقم ش / 2025 فى الثامن من يناير، أن المادة 81 من مدونة الأحكام الشرعية تشير إلى أن بلوغ الولد الذكر أو الأنثى سن سبع سنوات يعنى انتقال الحضانة لوالدها.
بينما الولايات المتحدة ، تُبنى قرارات الحضانة على معيار المصلحة الفضلى للطفل، وهو مبدأ قانونى يضع صحة الطفل وسلامته فى مقدمة الاعتبارات، ففى ولايات مثل نيويورك، تنظر المحكمة إلى عوامل متعددة، من بينها من كان مقدم الرعاية الأساسي، والقدرة التربوية لكل والد، والصحة النفسية والجسدية، ووجود عنف أسري، وجداول العمل، ورغبة الطفل إذا كان فى سن يسمح له بالتعبير، ويصدر القرار فى صورة أمر حضانة ملزم للطرفين، مع إلزامهما بإعالة الطفل ماليا بغض النظر عن حالتهما الاجتماعية.
بريطانيا من ناحيتها تطورت آليات الرؤية لتشمل اللقاء الإلكترونى فى الحالات البعيدة، مع رصد دورى من الأخصائيين الاجتماعيين، كما توجد أدوات قانونية صارمة ضد تعطيل الرؤية، من بينها تعديل خطط الحضانة أو فرض عقوبات مالية، وهو ما عزز الالتزام الفعلى وقلل النزاعات المكلفة.
كذلك فى ألمانيا، يقوم النموذج على "الحضانة المرنة والرؤية الموسعة"، حيث يُمنح الطفل حق لقاء الوالد غير الحاضن أسبوعيا، مع تمديد فترات الرؤية فى العطل الصيفية والمدرسية، إلى جانب وساطة أسرية رسمية تضمن تنفيذ الأحكام فى مراكز مراقبة مهنية، مما ساهم فى تقليل توظيف الرؤية كأداة ضغط، وتعزيز التزام الأب بالنفقة.
فرنسا من ناحيتها تعتمد على نظام "التربية المشتركة"، الذى يشجع على تقاسم المسؤولية الأبوية متى كانت مصلحة الطفل تسمح بذلك، وتسبق الوساطة الأسرية اللجوء إلى القضاء، مع متابعة اجتماعية ونفسية لضمان بيئة آمنة للطفل، ما يؤدى إلى تقليل النزاعات الطويلة والضغط القضائي، وخفض الكلفة الاجتماعية والنفسية.
وتكشف هذه النماذج المقارنة أن الاتجاه العالمى يميل إلى تعزيز المرونة المقننة، وتغليظ آليات التنفيذ، وتوسيع دور الوساطة الأسرية، بما يحفظ العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن، ويحول دون تحول الرؤية إلى ساحة صراع، واضعا دائما مصلحة الطفل فى صدارة التشريع والتطبيق.
وضع خطة ملزمة للأبوين لتربية الأبناء بعد الانفصال
ويؤكد الشيخ مختار محسن، أمين الفتوى بدار الإفتاء، أن ملف الرؤية ليس مجرد قضية قانونية بحتة، بل هو موضوع ذو أبعاد اجتماعية واقتصادية معقدة، مشيرا إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن فى نصوص القانون، بل فى الممارسة الفعلية من قبل الأم أو الأب، حيث كثيرا ما يُستخدم الأطفال كأداة ضغط ضمن صراعات الانفصال.
ويقول فى تصريحات خاصة لـ"برلمانى"،: "على كل الأطراف أن تدرك أن الأطفال ليس لهم أى ذنب فى الخلافات بين الأب والأم، ولا يجوز أبدا استخدامهم كوسيلة للضغط، ومن حق الأب متابعة ابنه أو ابنته ورؤيتهم، حتى وإن كان غير مستقيم فى حياته، فالعلاقة بين الأب وأولاده يجب أن تُحفظ ولا تُربط بسلوك الأب خارج إطار الأسرة".
ويضيف أن أى قانون يحتوى على ثغرات يمكن أن تُستغل لمنع الأب من رؤية أبنائه، مؤكدا أهمية التوازن ووضع حلول لا تنحاز إلى الرجل أو المرأة، بل تنحصر الأولوية فى مصلحة الطفل فقط، خاصة أن الإسلام لم ينحاز لجانب على حساب آخر، بل سعى دائما لتحقيق مصلحة الطفل.
ويشير أمين الفتوى، إلى أن الأسرة الحديثة فقدت دورها التربوى كما كان عليه الوضع قبل 50 عاما، وحلت محلها مواقع التواصل الاجتماعي، بينما أصبح دور المدرسة أقل فاعلية فى تربية الأبناء على القيم والمبادئ قبل الزواج، ليصبح الضحية هم الأطفال بعد الانفصال، مؤكدا ضرورة إعادة النظر فى الحلول الحالية، ووضع إطار مؤسسى يضع خطة واضحة للأب والأم بعد الطلاق، تشمل التعليم والزيارات والمتابعة، بعيدا عن أهواء الأبوين، كما ينبغى إخضاع المقبلين على الزواج لدورات تأهيلية إلزامية، كما يحدث فى ماليزيا، لضمان استعدادهم للحياة الزوجية.
ويوضح أن الهدف الأساسى هو وضع خطة مفصلة تضمن مصالح الأطفال بعد الانفصال، بحيث تكون هناك حلول مبتكرة وموضوعية تحمى حقوق الطفل وتفتح أبواب النجاة من الصراع الذى يعانى منه المجتمع المصري، مؤكدا أن الطفل يجب أن يكون دائما الأولوية، لا الطرفان.
رحلة أسبوعية من الجيزة إلى الغربية لرؤية الأبناء
يعانى محمد مصطفى، يعمل حلاقا، هو الأخر من صعوبات كبيرة فى ممارسة حقه القانونى فى رؤية أبنائه بعد انفصاله عن زوجته، فى تجربة تعكس التحديات الواقعية لتطبيق قانون الرؤية فى مصر.
محمد مصطفى، الذى طلق زوجته عام 2019، اضطر لمواجهة أزمة طويلة الأمد بعد أن أخذت طليقته الأبناء وانتقلت بهم إلى بيت والدها فى مدينة طنطا بمحافظة الغربية، لتبدأ رحلة المعاناة الأسبوعية التى يقطعها محمد من محافظة الجيزة لمجرد الاطمئنان على أطفاله.
يوضح فى تصريح خاص لـ"برلمانى"، أن الزيارة الأسبوعية تقتصر على ساعات محدودة للغاية، وغالبا ما تواجهه عراقيل إضافية من طليقته، التى تمتنع فى كثير من المرات عن تمكينه من رؤية أبنائه، ما يجبره على رفع دعوى قضائية للتمكن من ممارسة حقه القانوني.
"لم أتمكن من رؤية أبنائى إلا فى مرات معدودة منذ عام 2019 وحتى الآن، ورغم التزامى بتسديد النفقات التى ألزمت بها المحكمة، إلا أن طليقتى دائما ما تتعمد المماطلة لمنعى من رؤيتهم، وكل ما أتمناه هو الاطمئنان عليهم.، هكذا يؤكد محمد مصطفى، الذى يشير إلى أن القوانين الحالية لا تمنح الأب سوى حق محدود ومقيد بالوقت والمكان، ما يجعل لقاءاته بأطفاله سطحية وغير كافية لبناء علاقة طبيعية معهم، ويزيد شعوره بالعجز تجاه الأبناء الذين حرمهم الطلاق من قضاء وقت كافٍ مع عائلته الموسعة".
ويوجه رجاء يتمنى أن يحدث فى المستقبل : " أتمنى أن أتمكن من استضافة أبنائى فى منزلى ليجلسوا مع أسرهم، مع جدهم وجدتهم، وأعمامهم وعماتهم، الذين حُرموا من رؤيتهم منذ الطلاق."
ويعكس صراع محمد مصطفى الواقع المأساوى لآلاف الآباء فى مصر، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على رفع دعاوى قضائية متكررة، أو قطع مسافات طويلة أسبوعيا، لمجرد رؤية أبنائهم لساعات محدودة، بينما تُحرم العائلات الموسعة من حقهم الطبيعى فى التفاعل مع الأطفال، مما يزيد من الأثر النفسى والاجتماعى السالب على الأسرة بأكملها.
استغاثات آباء
وأثار مقطع فيديو متداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الفترة الماضية، حالة واسعة من التفاعل، بعدما ظهر فيه عدد من الآباء يعلنون استغاثتهم مما وصفوه بحرمانهم من رؤية أبنائهم بسبب تطبيقات قانون الأسرة الحالية.
فى الفيديو، يقف رجل فى منتصف الكادر ممسكا بصورة طفلته، ويقول بصوت يغلب عليه التأثر: "أنا محمد حسن من القاهرة، لدى بنت اسمها فيروز، لم أراها منذ أربع سنوات بسبب قانون الأسرة"، كلمات قصيرة، لكنها محملة بسنوات من الغياب، يختصر فيها أب حكاية فراق طويل، مؤكدا أنه لم يتمكن من احتضان طفلته أو متابعتها دراسيا أو مشاركتها تفاصيل يومها منذ سنوات.
إلى جواره، يظهر رجل آخر عرف نفسه قائلا: "اسمى محمد شعبان حسن من محافظة القليوبية، أب متضرر ومحروم من أولادى بسبب قانون الأسرة"، ويشير بيده إلى مجموعة من الرجال خلفه، مؤكدا أن قصته ليست استثناء، بل نموذجا لما يصفونه بمعاناة متكررة لآباء يقولون إنهم يواجهون صعوبات فى تنفيذ أحكام الرؤية أو الحصول على استضافة منتظمة لأبنائهم.
الفيديو، الذى انتشر على نطاق واسع، أعاد إلى الواجهة الجدل الدائر حول تنظيم حق الرؤية والاستضافة، بين من يعتبر أن النظام الحالى لا يمنح الأب وقتا كافيا لبناء علاقة حقيقية مع أبنائه، ومن يرى أن أى تعديل يجب أن يراعى كذلك ضمانات الأمان والاستقرار للأم والطفل.
إطار الحقوق لا الخصومات
ويضع عصام شيحة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وعضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، القضية فى إطارها الأوسع: إطار الحقوق لا الخصومات، قائلا :" "من منظور حقوقى بحت، لا يمكن التعامل مع مسألة الرؤية أو الاستضافة باعتبارها معركة بين أبوين، بل باعتبارها حقا أصيلا للصغير فى التواصل الآمن والمتوازن مع والديه، فالطفل ليس طرفا فى النزاع، لكنه الأكثر تأثرا به".
ويضيف فى تصريحات خاصة لـ"برلمانى"، أن نظام الرؤية الحالي، الذى يقتصر فى كثير من الحالات على ثلاث ساعات أسبوعيا داخل ناد اجتماعي، يثير تساؤلات جدية حول أثره النفسى طويل المدى، متابعا :"العلاقة الأبوية لا تُبنى فى إطار زمنى ضيق وتحت رقابة مكانية جامدة، والأبوة والأمومة ليستا زيارة عابرة، بل حضور يومى وشعور ممتد بالأمان والانتماء، وحين نحصر اللقاء فى ساعات محدودة، فإننا نُفرغ العلاقة من مضمونها التربوى والعاطفي".
ويحذر شيحة من أن تعمد منع الرؤية أو استخدام الطفل كورقة ضغط فى صراعات الكبار يمثل خطرا نفسيا واجتماعيا بالغا، قائلا :" حين يُستخدم الابن أداة للانتقام أو للضغط القانوني، فإننا نزرع داخله بذور اضطراب فى الهوية والانتماء والثقة، والطفل يدرك أكثر مما نتصور، ويتأثر بكل كلمة ونظرة وصوت مرتفع".
ويلفت إلى أن بعض مراكز الرؤية شهدت مشاهد توتر واعتداءات بين الأبوين، وهو ما ينعكس سلبا على الصغير، موضحا أن الطفل الذى يرى والديه فى حالة خصام دائم، أو يشهد مشاحنات أثناء تنفيذ حكم الرؤية، يحمل هذه الصور داخله سنوات طويلة، وقد يظن الكبار أنه لا يفهم، لكنه يرى ويسمع ويدرك، ويتشكل وعيه على وقع هذه المشاهد".
ويؤكد عصام شيحة أن الحاجة باتت ملحة إلى إصلاح تشريعى حقيقى فى قانون الأحوال الشخصية، يكون جوهره المصلحة الفضلى للطفل، مع مراعاة متوازنة لحقوق الأبوين دون إفراط أو تفريط، حيث يشرح رؤيته للإصلاح قائلا: "نحن بحاجة إلى تنظيم حق الاستضافة بصورة تحقق تواصلا حقيقيا وآمنا، لا شكليا، كما يجب كفالة السلامة النفسية والجسدية للطفل وللأم أثناء تنفيذ الرؤية، وفى الوقت ذاته حماية كرامة الأب من الإهدار، وضمان حق الأم فى الأمان، والتوازن هنا ليس ترفا تشريعيا، بل ضرورة مجتمعية".
ويشدد على ضرورة الحد من تحويل الطفل إلى أداة فى نزاع قانونى أو عاطفي، خاصة أن استمرار الوضع الحالى يهدد بنشوء جيل مثقل بالاضطرابات النفسية الناتجة عن صراعات لم يخترها، مضيفا : "لطالما طالبنا بوجود اتفاق مُسبق بين الزوجين ينظم الحقوق والواجبات حال الطلاق، لتقليل النزاعات القضائية التى يدفع ثمنها الصغير أولا وأخيرا، وهذا النوع من الاتفاقات المسبقة يحد من مساحة التأويل والخصومة، ويوفر قدرا من الاستقرار".
ويوجه عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان رسالة واضحة: "القضية ليست انتصارا لطرف على حساب آخر، القضية هى حماية جيل كامل من آثار صراعات لا ذنب له فيها، الأمر يستدعى نوعا من التوازن بين مصالح كل الأطراف، على أن تكون المصلحة الفضلى للطفل هى البوصلة التى توجه أى تعديل تشريعى قادم".
" مش هنوريهملك "
معاناة أخرى، يحكيها عمرو، أب لبنتين، قصته المؤلمة مع الرؤية جعلته فى نظره مجرد "دافع نفقة"، بينما هو كل شيء لبناته، حيث يقول: "كل ذنبى أنى طلقت، فأصبحت مجرد دافع نفقة، انفصلت عن زوجتى لكن عمرى ما انفصلت عن أبوتي".
بناته يعشن مع والدتهن وجدهن الذى تجاوز السبعين عاما، بحسب عمرو احترم القانون ولم يعترض على ذلك. كل ما طلبه هو أبسط حقوقه: أن يرى بناته، ويحتضنهن، يسمع منهن كلمة "بابا"، لكن الواقع كان قاسيا، حيث يؤكد أن ما يعانيه هو منع مستمر من الرؤية، وإهانة أمام بناته، وتعنت كبير من جانب أهل الزوجة.
عمرو يصف مواقف عدة، قائلا :" أحيانا لا تحضر البنات، وقد لا يقضين الوقت كله بجانبهم كأن وجوده خطر"، متابعا :" فى إحدى المرات، تم التطاول عليه وتعنيفه أمام الناس وأمام بناته، وعندما لجأ لإثبات حالة، تم إخباره بأن امركز الشباب غير مخول بالتدخل، ليضطر لإلغاء الرؤية بنفسه، ليس لعدم رغبته فى لقاء بناته، بل خوفا من أن تتحطم صورة الأب لديهن أكثر.
منذ ذلك الحين، أصبح الرد الموحد على أى طلب رؤية "مش هنوريهملك"، حسب تأكيد عمرو، كما أنه حتى فى المدرسة، يُمنع من متابعة بناته أو الاطمئنان عليهن، متسائلا : هل دور الأب مجرد دفع المصاريف؟ مدارس، طعام وشراب، وملابس لكن وجود حضن لبناته أو مشاركة فى حياتهم لا يوجد؟
ويتابع :بأى حق يُحرم الأب وبناته من بعضهم؟ بأى عدل يتحول الأب لماكينة صرف، أنا لا أطلب امتياز، لكن كل ما أريده حقى الطبيعى وحق بناتى أن يكبرن وأنا موجود فى حياتهن".
الرؤية ومراكز الشباب
تجولنا فى عدد من مراكز الشباب فى محافظة الجيزة، لنتحدث مع مسئوليها حول أبرز المشكلات التى تشهدها الرؤية بين الآباء والأمهات، دخلنا مركز شباب الوراق، لنتحدث مع محمد حمدى مدير المركز، فى البداية رفض الحديث رغم إشهارنا كارنيه نقابة الصحفيين، لكن بعد إلحاح وافق على طلبنا، حيث يؤكد أن هناك مشكلات بالفعل تحدث بين الآباء والأمهات خلال تنفيذ حق الرؤية، والتى وصفتها بـ"التلكيك"، مما قد يؤدى لمشادات بين الطرفين رغم وجود الأطفال.
وحول الإجراءات التى يتخذها المركز حال حدوث مشكلات بين الأب والأم، يوضح لـ"برلمانى"، أن دور المركز هو فقط توفير مكان لتنفيذ حق الرؤية لكن لا يتدخل حال نشوب أى مشادات أو مشاجرات، ويطلب من الأطراف المتشاجرة الخروج، كما أن الأبناء يشاهدون تلك المشاجرات التى قد تحيط بهم فى مكان الرؤية والتى قد لا تكون من الأب والأم أنفسهم، لكن من آباء وأمهات يحيطون بهم، مشيرا إلى أن المركز لا يقدم أى تقرير خاص بأى مشاجرة إلا إذا جاء بطلب من جهات مختصة.
شاهدنا مكان الرؤية بمركز شباب الوراق، غرفة قد تصل مساحتها لـ100 متر فقط، لم نر فيها كراسي، قد يكون هذا بسبب أن زيارتنا للمركز كان يوم السبت فى الساعة الواحدة ونصف ظهرا، بينما تنفيذ حق الرؤية فى الغالب يكون يوم الجمعة، إلا أن المكان أثار دهشتنا، وخلال توجيهنا سؤالا لمدير المركز عن ذلك، رد قائلا :" نحن ننفذ أحكام الرؤية، والأعداد قد تزيد ولكن دورنا فقد تنفيذ الأحكام"، مشيرا إلى أنه منذ سنوات طويلة كانت وزارة التضامن الاجتماعى هى من تشرف على التنفيذ فكانت تخصص نوادى بها منتزهات وألعاب يستطيع الأطفال أن يتنزهون خلال رؤيتهم لوالدهم لكن الأمر موكل الآن لمراكز الشباب".
مركز شباب بشتيل كان من بين المراكز التى أجرينا جولة داخلها، وكان أفضل من مركز شباب الوراق، حيث ملعب ضخم وكافيتريا ومبنى إداري، وتخصيص مكان للرؤية بجوار الملعب ليسع جميع الآباء والأمهات، تحدثنا مع موظف داخل المركز – فضل عدم ذكر اسمه – حيث يؤكد أن المركز يحرص على أن يكون مكان الرؤية داخل الكافيتريا كى نتيح للأب والأم أن يطلبون مشروبات ومأكولات للأطفال، ونحرص على توفير كراسى لجميع الحاضرين.
ويضيف، أن كل يوم جمعة يشاهد مشاحنات وشجار ينشب بين بعض الآباء والأمهات خلال الرؤية قد تصل إلى حد التعدى بالأيدى من قبل طرف على أخر، وبعض السيدات يحضرن عائلتهن خلال الرؤية مما يؤدى إلى نشوب مشادات بين أهل الأم وبين الأب، مشيرا إلى أن المركز لا يتدخل مطلقا حال نشوب أى مشكلة ودوره يقتصر على أنه حال تطور الأمر لتعدى يطلب من الجميع الخروج من المركز.
أيضا زرنا مركز شباب إمبابة، كان المكان أوسع بكثير، وبه أماكن للجلوس وملاعب بجانب أماكن الرؤية، حاولنا الحديث مع مدير المركز إلا أنه رفض وطالب أولا الحصول على موافقة من وزارة الشباب والرياضة، رغم إشهارنا كارنيه نقابة الصحفيين، وهو ما دفعنا للحديث مباشرة مع محمد الشاذلى المتحدث باسم وزارة الشباب والرياضة، ليحدثنا عن كيف تتعامل الوزارة مع تنفيذ حق الرؤية وسيطرتها للمشكلات التى تحدث بين بعض الآباء والأمهات.
ويؤكد المتحدث باسم وزارة الشباب والرياضة، فى تصريحات خاصة لـ"برلمانى"، أن تنفيذ حق رؤية الأطفال لأولياء أمورهم هو تكليف رسمى من الدولة وتعمل الوزارة على تنفيذه من خلال مراكز الشباب، التى توفر بيئة مناسبة وآمنة للطفل، مضيفا :" مركز الشباب ليس مكانا للرياضة فقط، بل يمارس فيه الأطفال أنشطة فنية وشبابية ورياضية، كما يوفر منتزهات وألعابا وأجواء جاذبة للطفل نفسه، بما يسهم فى تعزيز هويته وشعوره بالأمان خلال تنفيذ حق الرؤية."
ويشير إلى أن نسبة كبيرة من مراكز الشباب تفى بالحد الأدنى من المتطلبات لتواجد الأب والأم أثناء تنفيذ الرؤية، مستهدفة خلق بيئة مشجعة للأطفال، حيث تم تجهيز حوالى 4500 ملعب فى مراكز الشباب، إضافة إلى تجهيزات رياضية وثقافية ومناطق اجتماعية وحدائق.
ومع ذلك، ويؤكد الشاذلى أن بعض المشكلات قد تحدث خلال تنفيذ الرؤية، قائلا: "التوجيه الخاص بالوزارة هو عدم التدخل فى تفاصيل المشكلة، لكن تهيئة البيئة لتجنب المشكلات تعتبر جزءا من دور المركز، وحال حدوث تجاوز أو مشاجرة بين الأب والأم، لا يتدخل المركز مباشرة، لكنه يبلغ جهة أعلى عن الواقعة، لأن المشاجرات مرفوضة داخل المكان."
ويوضح أن المشاجرات والمشادات التى قد تحدث خلال تنفيذ الرؤية أحيانا تؤثر على ممارسة الشباب للأنشطة الرياضية، حيث يشاهد المترددون المشاجرات بين الوالدين أثناء الرؤية، مما يخلق بيئة غير جاذبة، مضيفا : "هدفنا أن تكون المراكز جاذبة للشباب، لذا نعمل على منع أى سلوك طارد لهم، ومن أكثر المشكلات التى تؤثر على الأطفال هى مشكلات الطلاق."
ويشير إلى التحديات المتعلقة بالمساحة وعدد المترددين: "بعض المراكز لا تتسع للعدد الكبير الراغب فى تنفيذ الرؤية، خاصة مع تزايد معدلات الطلاق فى مصر، وهو ما قد يؤدى إلى مشكلات اجتماعية ونفسية للأطفال، فقضية الرؤية منتشرة وتزيد بشكل كبير، وهناك مشكلات تواجه الطفل تسبب له جنوح اجتماعى ومشكلات نفسية"، مؤكدا على ضرورة وجود إطار تشريعى قوي: "لابد من تطوير تشريع ملزم للطرفين، لا يكون مجرد توجيهات أو لوائح، ويجب أن يشمل عقوبات حازمة تصل إلى جنحة أو جنائية، لتجنب كافة السلبيات وحماية حقوق جميع الأطراف على حد سواء".
العلاقة الأب بالابن .. ركيزة أساسية لتكوين الشخصية
فى عالم يكتسب فيه الطفل شخصيته منذ نعومة أظافره، يبقى وجود الأب عنصرا لا غنى عنه لبناء النفسية السوية والثقة بالنفس، لكن كثير من الأطفال يعيشون اليوم تجربة غياب الأب أو رؤيته لفترات قصيرة للغاية، ما يترك أثرا نفسيا وسلوكيا عميقا يمتد معهم إلى مراحل عمرية متقدمة.
الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسى بجامعة القاهرة، يكشف كيف أن فقدان الأب أو قلة التواصل معه يمكن أن يحرم الطفل من الأمان العاطفى والقدوة، ويؤثر على سلوكياته وعلاقاته، مؤكدا أن تعزيز العلاقة بين الأب وأبنائه ليس رفاهية، بل ضرورة حياتية لصقل شخصية الطفل وحمايته من اضطرابات نفسية وسلوكية مستقبلية.
ويؤكد فى تصريحات خاصة لـ"برلمانى"، أن شخصية الإنسان تتشكل من ثلاثة عناصر أساسية، الأول الجينات الوراثية بنسبة 10%، تأتى من الأم والأب، والثانى الخبرات الحياتية بنسبة 10%، وتشمل التجارب فى الشارع والمدرسة والتعامل مع الآخرين، أما النسبة الأكبر، أى 80%، فهى تتكون من العلاقة بين الأطفال ووالديهم خلال فترة حرجة تمتد من عمر 4 سنوات وحتى 14 سنة، مشددا على أن هذه المرحلة هى الأهم فى صقل الشخصية وبناء النفسية السوية للطفل.
ويضيف أن العلاقة الإيجابية بين الطفل والأب تضمن له نمو نفسى سليم، إذ يشعر بالحب والأمان والثقة فى النفس، بينما غياب الأب أو ضعف التواصل معه يؤدى إلى اضطرابات نفسية وسلوكية وجنسية، وأحيانا تصل إلى انعزال الطفل، الإدمان على الإنترنت، أو سلوكيات غير سوية، موضحا أن الطفل يشبه "مظلة"، حيث تمثل الأم عمود المظلة، بينما الأب هو الفروع، التى تمنحه الدعم العاطفى والأمان.
ويشير إلى أن حالات عديدة حضرت عيادته النفسية، كانت مشاكلها الأساسية غياب الأب أو وجود صراعات مستمرة بين الوالدين، ما يترك الأطفال عرضة لشعور بالدونية وانعدام القدوة، قائلا: "البنت قد تبحث عن شريك حياة فى سن مبكرة، وقد تصل إلى التفكير فى الانتحار إذا لم تشعر بوجود الأب فى حياتها، وهذه الظواهر تنعكس على سلوك الطفل طوال حياته".
ويشدد على ضرورة تطوير تشريعات تضمن رعاية الأطفال من كلا الوالدين، وألا تقتصر الحضانة على الأم فقط، مضيفا: "علاقة الأب بالابن يجب أن تكون عاطفية وإحساسية لضمان الحب والنمو النفسى السليم، وعند غياب الأب يشعر الطفل بالجفاء ويفتقد القدوة، مما قد يضطره فى المستقبل للجوء إلى استشاريين نفسيين للعلاج".
ويؤكد أن البديل الأمثل لمفهوم الرؤية الحالية هو استضافة الطفل مع الأب، مما يتيح له الجلوس مع والده واحتضانه والشعور بالأبوة الحقيقية، وكذلك شعور الطفل بالأمان والمراقبة والاهتمام، ولا ينبغى أن يصل سن الحضانة 15 عاما لأنه هو السن الذى يكتمل فيه شخصية الابن وبالتالى لا يحتاج بعدها لوالده، وهو ما يتطلب ضرورة استمرار العلاقة بين الأب والطفل قبل هذا السن لضمان تكوين شخصية ونفسية متوازنة.
ويوضح أن بعض الأسر تتبع نموذجا ناجحا بعد الانفصال، حيث يذهب الأبناء إلى الأب يوم الخميس ويقضون الوقت معه حتى مساء السبت، قبل العودة إلى الأم، وهذه الطريقة تعتبر مناسبة لضمان توازن نفسى واجتماعى للأطفال بعد الطلاق، مع الحفاظ على حبهم للأب والشعور بالأمان العاطفي، موضحا أن غياب الأب ليس مجرد فقد جسدي، بل غياب للأمان والدعم النفسي، وعملية تربية الأطفال بعد الانفصال يجب أن تكون مشاركة فعلية بين الأب والأم لضمان أطفال أقدر على مواجهة الحياة بثقة واستقرار نفسي.
مجلس النواب وقانون الأحوال الشخصية
حتى الآن لم يصل إلى مجلس النواب أى مشروع لتعديل قانون الأحوال الشخصية، أو مقترحات لمواجهة أى سلبيات فى القانون الحالي، حوالنا التواصل مع عدد كبير من نواب المجلس إلا أن كثير منهم رفض الحديث بداعى أن الموضوع يشهد حالة استقطاب واسعة بين الآباء والأمهات وأنه لا يوجد حتى الآن أى مشروع واضح لقانون جديد يمكن التعليق عليه.
فى يناير 2025، أعلن المستشار عبد الرحمن محمد رئيس اللجنة إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، الانتهاء من صياغة كافة مواد القانون الجديد المكون من ثلاثة أقسام وهم الولاية على النفس والولاية على المال والإجراءات المنظمة للمسائل الشخصية، مشيرا إلى أنه يتضمن 175 مادة خاصة بالولاية على النفس و89 مادة متعلقة بالولاية على المال و91 مادة خاصة بالإجراءات، وهناك 60 مادة فى مجمل القانون مشتركة ما بين المسلمين والمسيحيين.
تواصلنا مع النائبة شادية خضير، عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب، التى تؤكد أن ما يشهده المجتمع من أزمات متكررة داخل أروقة محاكم الأسرة ومراكز الرؤية يعكس الحاجة الملحة إلى مراجعة شاملة لقانون الأحوال الشخصية، بما يضمن تحقيق التوازن والحياد بين جميع الأطراف، ويضع مصلحة الطفل فوق أى اعتبارات أخرى.
وتوضح فى تصريح خاص لـ"برلمانى"، أن أى تشريع جديد يجب أن يُبنى على أساس حماية الاستقرار النفسى والاجتماعى للطفل أول، مشيرة إلى أن مجلس النواب لم يتلق حتى الآن مشروع قانون جديد للأحوال الشخصية، وفور وصوله سيتم التعامل معه بمنتهى الجدية والشفافية، من خلال عرضه على لجان استماع متخصصة، وإجراء حوار مجتمعى شامل يضم رجال الدين، وخبراء علم النفس والاجتماع، وممثلى المجتمع المدني، إضافة إلى الآباء والأمهات المتضررين، للوصول إلى صيغة قانونية تحقق العدالة وتُرضى مختلف الأطراف.
وتشير عضو اللجنة التشريعية، إلى أن معالجة الأزمات المتصاعدة فى قضايا الأسرة تتطلب دراسة موسعة وشاملة لأسباب الأزمات، والعودة إلى القيم المجتمعية التى تقوم على الرحمة والتعاون وتحمل المسؤولية، لافتة إلى أن أى تعديل قادم يجب أن يُرسخ مبدأ أن الطفل ليس أداة ضغط فى النزاعات الأسرية، وإنما هو أولوية وطنية تستحق الحماية والرعاية.
فى نهاية هذا الملف حاولنا مناقشة القضية من مختلف جوانبها، لنكشف المسكوت عنه فى "حق الرؤية"، لما تمثله هذه الأزمة من قنبلة موقوتة داخل المجتمع المصري، خاصة أننا نتحدث عن مئات الآلاف بل قد يصل لملايين الأطفال يلتقون بآبائهم عبر هذه الطريقة، أو قد لا يستطيعون رؤيتهم بسبب العند المتبادل بين الأب والأم، وهو ما قد يجعل هذا العدد الكبير من الأبناء يكبرون ويكبر معهم التشوه النفسى والاضطراب السلوكى وفقدان الأمان، مما يؤثر على إنتاجهم سواء فى التحصيل الدراسى أو فى العمل، بل ويؤدى إلى تعرض الكثير منهم للتشرد بعد بلوغ سن الشباب لأنه كبر بدون وجود أب بجانبه، كما يظل فى حالات أخرى مشتتا بين عائلة الأم التى تحصل على حضانة الطفل حال زواج أو وفاه الأم بحُكم أن أم الأم تأتى فى المركز الثانى من حيث الحضانة وبين محاولات الرجل الحصول على ابنه واصطحابه والإشراف على تربيته.