كشف تحقيق صحفى الحجم الهائل للبقايا البشرية المحفوظة في المتاحف والجامعات البريطانية، مما أثار انتقادات من السياسيين والباحثين، وأثار التساؤل حول ما إذا كان ينبغي عرض المومياوات في المعارض الفنية، وفقا لما نشره موقع theartnewspaper.
وأوضح تحقيق أجرته صحيفة جارديان أن دراسة أضهرت أن أكثر من 263 ألف قطعة من الرفات البشرية محفوظة لدى 241 متحفًا وجامعة وهيئة محلية في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وتشمل هياكل عظمية وجماجم وعظامًا ومومياوات وأجزاء أخرى من الجسم، ومن بين هذه القطع يُعرف أن حوالي 37 ألف قطعة منها تعود إلى الخارج، وكثير منها من مستعمرات بريطانية سابقة، بينما لا يزال مصدر آلاف أخرى غير مؤكد.
وصرحت ميجان باكهاوس، رئيسة مجموعة علماء الإثنوجرافيا في المتاحف (MEG): "إن العدد الكبير من رفات الأجداد المحفوظة في متاحف المملكة المتحدة أمرٌ محزن للغاية، ويرمز إلى الأصول الاستعمارية لهذه المجموعات، نأمل أن تُشارك الردود التي جمعتها صحيفة "ذا جارديان" مع المجتمعات المعنية لدعمها في إعادة رفات أجدادها إلى موطنها الأصلي".
وقالت باكهاوس إن أعضاء مجموعة خبراء الآثار (MEG) يشملون أمناء المتاحف وغيرهم من موظفي المتاحف الذين يرون ضرورة تقديم رعاية ملائمة ثقافياً للرفات وإعطاء الأولوية لإعادتها إلى موطنها الأصلي.
وأضافت: "من أجل القيام بالمزيد من هذا العمل بالمستوى المطلوب من الرعاية والاحترام، يحتاج القطاع بشكل عاجل إلى تمويل للتدريب والبحث وإعادة الرفات المادية".
تم تجميع هذه الأرقام من طلبات الحصول على المعلومات المقدمة إلى مؤسسات في جميع أنحاء البلاد، ونظرًا لنقص السجلات وتعقيد أنظمة الفهرسة، ويقول الباحثون إن العدد الإجمالي للرفات، وعدد الأفراد الممثلين، من المرجح أن يكون أعلى من ذلك.
أصول البقايا
حوالي 63% من الرفات تعود أصولها إلى المملكة المتحدة، ومعظمها من الحفريات الأثرية، بينما تأتي عشرات الآلاف من أفريقيا وآسيا وأوقيانوسيا والأمريكتين، ومن بين الرفات التي تم تحديدها من خارج أوروبا، أكثر من 11800 من أفريقى، و9500 من آسيا، و3200 من أوقيانوسيا، وأعداد أقل من أمريكا الشمالية والجنوبية، وقد جُمع الكثير منها خلال فترة الاستعمار البريطاني، غالباً دون موافقة الأفراد أو المجتمعات المعنية.
المومياء المصرية بمتحف مانشستر
يُضيف هذا التحقيق إلى النقاشات الدولية المتزايدة حول عرض الرفات البشرية، كالمومياوات، في صالات العرض وقاعات العرض، في العام الماضي، دعا متحف مانشستر زواره لإبداء آرائهم حول ما إذا كان ينبغي الاستمرار في عرض رفات مومياء امرأة مصرية تُدعى أسرو، ومن بين 8000 رد فردي، أشارت النتائج إلى انقسام متقارب بين المؤيدين والمعارضين.
صرحت هبة عبد الجواد، وهي مصرية المولد وكبيرة أمناء قسم الأنثروبولوجيا في متحف وحدائق هورنيمان في جنوب لندن، لصحيفة "ذا آرت نيوزبيبر" بأنه لا ينبغي اتخاذ مثل هذه القرارات عن طريق استطلاع رأي عام، و لا يزال يتم استبعاد المجتمع المصري من القرارات المتعلقة بكيفية معاملة أسلافنا، بينما تقوم المتاحف بدلاً من ذلك باستطلاع رأي الجمهور حول ما إذا كانوا يرغبون في رؤيتهم معروضين".
وتابعت أن رغبات الموتى في مصر القديمة ليست مجهولة أو مجرد تكهنات، فالنصوص الجنائزية المصرية ونقوش المقابر وممارسات الدفن توضح ذلك بشكل جليّ: فالجسد المحنط مقدس وسري، ويجب أن يبقى سليماً ومحمياً وغير منزعج حتى يتمكن الشخص من مواصلة وجوده بأمان في الحياة الآخرة.
وأضافت هبة عبد الجواد أن رفات الأجداد المصريين المحنطة تمثل واحدة من أكبر وأعنف عمليات نقل رفات بشرية في التاريخ، إذ أُخرج عشرات الآلاف من أسلافنا من مقابرهم، وتمت المتاجرة بهم، ودراستهم، وعرضهم كتحف في المتاحف".
وأوضحت جورجينا يونج، رئيسة قسم المعارض والمجموعات في متحف مانشستر، أن المشاورة العامة تُعدّ جزءًا من مراجعة شاملة تتضمن التشاور مع الجاليات المصرية في مانشستر والمقيمين في مصر.
وأضافت: "بصفتنا متحفًا جامعيًا، فإن من صميم رسالتنا إتاحة مساحة للتفكير العام، ومن خلال فهمنا العميق للرأي العام، نتمكن من التواصل مع الناس حيثما كانوا، لا سيما عند إبلاغهم بالتغييرات في السياسات والممارسات، مما يُعزز الروابط بين مجتمعاتنا وعملنا، وبهذه الطريقة، نستطيع التعامل مع التغييرات بشفافية، ليس فقط فيما يتعلق بالتوجه المستقبلي للمتحف، بل أيضًا بالأضرار التي تسبب بها في الماضي".
حاجة إلى تشريعات جديدة
أثارت هذه النتائج انتقادات من أعضاء البرلمان وعلماء الآثار، الذين يقولون إن الاحتفاظ بمثل هذه البقايا يثير تساؤلات أخلاقية بالنسبة للمتاحف، وصرح دان هيكس، أمين المتحف وأستاذ علم الآثار المعاصر في جامعة أكسفورد، لصحيفة " ذا آرت نيوزبيبر" بأن هذا الأمر يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار للحكومة لاتخاذ إجراءات.
وقال: "لقد ولّى زمن التكتم على هذه الأسرار الدفينة. بات الجمهور العام وجماعات أحفاد الضحايا بحاجة ماسة إلى الشفافية بشأن ما يُحتجز، أو بالأحرى من يُحتجز، على نفقة دافعي الضرائب، بعد أن دُحضت جميع المبررات العلمية للاحتفاظ بالأنسجة البشرية دون موافقة. ولن يتقدم العمل العاجل المتمثل في استعادة كرامة الرفات البشرية التي أُخذت في ظل الاستعمار، وإعادة الموتى حيثما أمكن، وإعادة بناء الممارسات الأخلاقية في مجال حفظ المقابر، إلا من خلال الانفتاح والمساءلة والتدقيق العام".
حث سياسيون، من بينهم النائبة العمالية بيل ريبيرو- آدي والوزير السابق اللورد بول بواتينج، الحكومة على إنشاء سجل وطني للرفات البشرية في مجموعات المتاحف، وتعزيز القواعد المنظمة لمعاملتها وإمكانية إعادتها إلى الوطن. وينص قانون الأنسجة البشرية لعام 2004، وهو التشريع البريطاني الرئيسي المعني بالاحتفاظ بالرفات البشرية، على أنه لا يجوز الاحتفاظ بأي أجزاء من الجسم يزيد عمرها عن 100 عام دون إذن.
يضم متحف التاريخ الطبيعي في لندن أكبر مجموعة من البقايا غير الأوروبية، حيث يبلغ عددها حوالي 11785 فرداً، يليه مقتنيات جامعة كامبريدج والمتحف البريطاني.
وقال متحدث باسم متحف التاريخ الطبيعي: "نحن نعترف دائماً بأن المتحف قد تأسس في سياق الإمبراطورية والاستعمار والاستكشاف، ونتيجة لذلك، فإن سمات هذا الإرث موجودة في مجموعاتنا".
وأضافوا: "حتى الآن، وافق مجلس أمنائنا على إعادة 580 فرداً إلى دول من بينها أستراليا ونيوزيلندا وزيمبابوي والولايات المتحدة الأمريكية. ولم يرفض المتحف إعادة أي رفات تم إثبات صلتها بالمجتمعات والأماكن الأصلية الطالبة لذلك".