لم يكن سقوط على خامنئي في طهران مجرد حدث عسكري في الشرق الأوسط، بل كان بمثابة حجر ثقيل أُلقي في الحديقة الخلفية لواشنطن، أمريكا اللاتينية، ليخلق موجات ارتدادية هددت استقرار القارة من جبال الأنديز وصولاً إلى سواحل الكاريبي.
وبينما كانت إدارة دونالد ترامب تنظر إلى الحرب كتطهير للنفوذ الإيراني، وجدت شعوب أمريكا اللاتينية نفسها تدفع ثمن مقامرة جيوسياسية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
الاقتصاد في فوهة المدفع: غلاء الوقود والجوع
التداعيات الأولى كانت اقتصادية بامتياز، فمع قفزة أسعار النفط والغاز العالمية بنسبة 25%، واجهت دول أمريكا اللاتينية (المستوردة للطاقة) صدمة تضخمية غير مسبوقة، في دول مثل الأرجنتين وكولومبيا وتشيلي، ارتفعت أسعار الوقود في المحطات فوراً، ما أدى لقفزة في تكاليف النقل وتوزيع المواد الغذائية.
وهذا الارتفاع وضع الحكومات اليسارية، مثل حكومة جوستافو بيترو في كولومبيا، في مأزق شعبي خطير، حيث بدأت الاحتجاجات تخرج للشوارع تنديداً بالغلاء، ما يهدد بسقوط هذه الأنظمة في الانتخابات القادمة لصالح اليمين المتطرف المدعوم من ترامب.
محور فنزويلا و كوبا: الرسالة الأمريكية المسمومة
من الناحية السياسية، اعتبر المحللون في كاراكاس وهافانا أن ضرب إيران هو بروفة لما قد يفعله ترامب في منطقتهم فنزويلا، الحليف الاستراتيجي لإيران، وجدت نفسها معزولة ومكشوفة أمنياً بعد فقدان أهم شريك لها في الالتفاف على العقوبات الأمريكية، وهذا الضغط النفسي والعسكري دفع القارة نحو حالة من الاستقطاب الحاد، حيث تخشى كوبا وفنزويلا ونيكاراجوا من أن تكون هي الهدف القادم في قائمة ترامب لتطهير النفوذ المعادي في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
الأمن المفقود: تجارة المخدرات والفراغ الاستراتيجي
على الصعيد الأمني، تسببت الحرب في تحويل الأنظار الاستخباراتية الأمريكية بالكامل نحو الشرق الأوسط، مما خلق فراغاً أمنياً استغلته كارتيلات المخدرات في المكسيك وكولومبيا لتوسيع نفوذها. كما أن الجماعات المسلحة، مثل منشقي فارك في كولومبيا، بدأت تتحرك بحرية أكبر في مناطق مثل الأمازون ، التي تعاني أصلاً من دمار بيئي مستغلة انشغال واشنطن بحروبها الخارجية، هذا التداخل بين فشل الدولة ونمو الجريمة المنظمة ينذر بتحول أجزاء واسعة من القارة إلى مناطق خارجة عن السيطرة تماماً.
وتقف أمريكا اللاتينية اليوم في مفترق طرق تاريخي فهي إما أن تنجرف نحو تبعية كاملة لسياسات ترامب الصدامية لتجنب مصير إيران، أو أن تنفجر من الداخل بسبب الجوع والغلاء وغياب الأمنربيع الدم في طهران قد يكون خريفاً قاصيا في بوجوتا وبرازيليا، حيث أثبتت الأيام أن المسافة بين طهران وكاراكاس لم تعد تقاس بالكيلومترات، بل بمدى تأثر رغيف الخبز برصاص الصواريخ الأمريكية.