
بدأت خيوط الواقعة اليوم الجمعة، حينما تبلغ لمركز شرطة كرداسة من الأهالي بوقوع حادث تصادم مروع خلف عدداً من المصابين.

وانتقل رجال المباحث على الفور لموقع البلاغ، لتكشف التحريات الأولية أن شرارة الأزمة بدأت بمشادة كلامية عادية، حينما توقف قائد السيارة الملاكي أمام أحد المحلات التجارية، وهو ما قابله صاحب المحل بالاعتراض، لتبدأ ملامح "المسرحية الدامية" في التشكل.

مع اشتعال المشادة، لاحظ المارة "العلم" المثبت على السيارة، وهو الأمر الذي لم يتحمله أهالي المنطقة، فاندفعوا نحو السائق وقاموا بالتعدي عليه بالضرب تعبيراً عن غضبهم من وجود هذا الرمز المستفز على سيارته.

وفي تلك اللحظة، حاول السائق "المهتز نفسياً" الإفلات من قبضة الأهالي، فاندفع بسيارته بسرعة جنونية وعشوائية، مما أدى إلى اصطدامه بـ 6 أشخاص تصادف مرورهم بالمكان، فضلاً عن تحطيم عدد من المركبات، ليتحول الشارع إلى ساحة من الكدمات والكسور والدماء التي سالت قبل نقل المصابين إلى المستشفيات لتلقي العلاج.

ومع نجاح الأجهزة الأمنية في ضبط السيارة وقائدها، بدأت ملامح "المفاجأة" في الظهور. إذ أفادت أسرة المتهم بأنه يعاني من "مرض نفسي" مزمن منذ عدة سنوات، وقدموا لرجال الأمن كافة الأوراق والشهادات الطبية الرسمية التي تثبت خضوعه للعلاج لدى عدد من الأطباء النفسيين، مؤكدين أن تصرفاته غير متزنة، وتصرفاته نتاج خلل عقلي أصابه.
ولم يتوقف رجال التحري عند هذا الحد، بل تتبعوا مصدر "الملصق المستفز"، لتكشف التحقيقات عن مفاجأة أخرى. فقد تبين أن المتهم تردد على أحد محلات كماليات السيارات بالمنطقة، وطلب من ابنة صاحب المحل طباعة الملصق المشار إليه.
وبسؤال الفتاة، أكدت أنها قامت بطباعة نسختين وتسليمهما له "خوفاً منه"، كونها تعلم تمام العلم بحالته النفسية المضطربة ومعروف في محيط سكنه بـ "عدم الاتزان"، فآثرت السلامة ونفذت طلبه لتجنب أي صدام معه.
إن واقعة "كرداسة" تضعنا أمام ملف شائك يتعلق بكيفية تعامل المجتمع مع "المرضى النفسيين" الذين قد يقودهم عقلهم الباطن لارتكاب أفعال تثير الفتن أو تعرض حياة الآخرين للخطر.
لقد كانت "سرعة التحرك الأمني" هي حائط الصد الأول الذي منع تفاقم الأزمة أو تحول الغضب الشعبي إلى كارثة أكبر، خاصة وأن وزارة الداخلية وضعت الحقائق كاملة أمام الرأي العام لقطع الطريق على المتربصين الذين حاولوا استغلال "العلم" المُلصق لتصوير الواقعة في غير سياقها الحقيقي.
الآن، وبعد إحالة المتهم للنيابة العامة، وتوفير كافة الأدلة الطبية التي تثبت حالته، يبقى القول الفصل لجهات التحقيق والقضاء، فيما لا يزال الضحايا الستة يخضعون للرعاية الطبية، لتظل هذه الواقعة درساً في أهمية "تحري الدقة" قبل إطلاق الأحكام، وضرورة الرقابة الأسرية والمجتمعية على ذوي الأمراض النفسية لمنع تكرار مثل هذه المشاهد المأساوية التي تروع الآمنين.