تحقيق ضغطة غالية
وفقا للتقارير البنكية الرسمية فقد أظهرت المؤشرات اتساعاً في قاعدة المستخدمين للخدمات المالية الرسمية، وصل إلى 214% منذ عام 2016 وحتى منتصف 2025.
وبحسب تقرير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات للربع الثاني لعام 2025 فقد بلغ إجمالي عدد المحافظ على مستوى الجمهورية 46.3 مليون محفظة، قاموا بتنفيذ نحو 718 مليون عملية مالية، بقيمة إجمالية تجاوزت 943 مليار جنيه، ليؤكد تزايد حجم الاعتماد المتزايد على المحافظ الإلكترونية التابعة لشركات الاتصالات.
محافظ رقمية خارج الإحصاء: عندما يدخل القُصَّر دائرة الخطر
وتقتصر معظم الإحصاءات الرسمية حول استخدام المحافظ الإلكترونية على من تجاوزوا سن 15 عامًا، باعتبارهم الفئة المصرح لها بامتلاك محفظة رقمية، غير أن اختبارًا ميدانيًا خلال التحقيق، كشف عن إمكانية وصول محافظ إلكترونية إلى مستخدمين دون هذا السن، خارج أي رصد إحصائي معلن، حيث تأكد هناء محمود "أم " انه عُرض عليها شراء خطين هاتفيين معًا، مرفق بأحدهما محفظة إلكترونية، مقابل فارق سعري محدود دون التحقق من سن المستخدم الفعلي للمحفظة، هذه الفئة، غير المدرجة في الإحصاءات، تُعد أكثر عرضة للاحتيال الرقمي، في ظل محدودية الوعي القانوني والتقني.
ما سبق من نتائج يقودنا للتأكد بأن جرائم الاحتيال الالكتروني، لم تعد مجرد حوادث فردية معزولة، بل نتيجة منطقية لاتساع المنظومة الرقمية دون بناء موازٍ لمنظومة حماية ووعي بنفس الوتيرة، فكل زيادة في عدد المحافظ، وكل قفزة في حجم المعاملات، تعني بالضرورة زيادة في العائد المحتمل للجريمة الإلكترونية.
وفقًا لدراسة "Stay Secure" التي تُجريها شركة Visa سنويًا، لا تبدو أرقام الاحتيال الالكتروني في مصر، مجرد نسب إحصائية معزولة، بقدر ما تكشف عن نمط ممنهج من استهداف المستخدمين عبر بوابات الدفع الرقمية نفسها.
الدراسة توضح أن 53% من المصريين الذين شملهم المسح تعرضوا لعملية احتيال إلكتروني واحدة على الأقل، متجاوزين المتوسط العالمي البالغ 52%، بينما أقرّ 14% منهم بتعرضهم للاحتيال أكثر من مرة، وهي نسبة تقترب من المعدل العالمي 15%، بما يعكس تكرار الاستهداف لا عَرَضِيّته.
وتكشف الدراسة أن 91% من المشاركين في مصر يميلون إلى تجاهل علامات التحذير ورسائل التوعية من الأنشطة الإجرامية عبر الإنترنت، وهي نسبة تكاد تطابق المتوسط العالمي (90%)، هذه الفجوة بين المعرفة والسلوك الفعلي تمثل، بحسب خبراء الأمن الرقمي، اللحظة الحاسمة التي تتحول فيها رسالة أو مكالمة أو رابط واحد إلى فقدان كامل لرصيد بطاقة أو محفظة إلكترونية خلال دقائق، أو حتى ثوانٍ.
ضحايا بلا صوت: الوصمة التي تحمي الجناةورغم الارتفاع اللافت في أعداد من تعرضوا للاحتيال الإلكتروني، يظل ظهور الضحايا وتفاصيل تعرضهم للاحتيال ضعيف جدًا، فخلال جمع المعلومات ومقابلات الضحايا، رفض عدد من المتضررين الحديث علنًا عن تجاربهم، تخوفًا من الوصمة المجتمعية، التي غالبًا ما تُحمِّل الضحية مسؤولية الوقوع في الجريمة بدلًا من مساءلة الجناة.
هدى.. عندما تتحول رسالة بنكية إلى فخ محكمفي الثامنة مساءً تقريبًا، تلقت هدى – اسم مستعار – رسالة نصية تحمل شعار بنكها، تخبرها بوجود تحويل مالي كبير من حسابها، وتطالبها بالتأكيد الفوري، لم يكن أمامها متسع للتفكير، الخوف من فقدان ما تبقى دفعها للضغط على الرابط، لتجد نفسها أمام صفحة إلكترونية مطابقة تمامًا للموقع الرسمي للبنك.
أدخلت بيانات البطاقة وكلمة المرور، معتقدة أنها تحمي أموالها، بعد دقائق، وصل الإشعار الذي لم تكن تتخيله: "الرصيد صفر" لتضيع منها مكافأة نهاية الخدمة للأبد.
"المنيا.. عاصمة الهندسة الاجتماعية": ماذا تقول محاضر الشرطة؟
في وقت يسابق فيه الدولة الزمن لتحقيق الشمول المالي، الذي قفزت معدلاته بنسبة76.3% بمنتصف عام 2025، ظهر وجه قبيح لهذا التطور حيث كشف تحليل 219 واقعة استيلاء على بيانات الدفع الإلكتروني ومحافظ بنكية تم نشرها بالصحف كبيانات ضبط رسمية خلال عامي 2024 و2025 ، عن مشهد مرعب، "هندسة إجرامية" محكمة تستهدف مدخرات المواطنين.
كشف تحليل البيانات أن محافظة المنيا (وتحديداً مركزي العدوة ومغاغة) تصدرت المشهد كبؤرة رئيسية لنشاط التشكيلات العصابية، بنسبة تصل لـ58% بعدد 126 واقعة من قضايا "انتحال صفة موظف بنك" التي جاءت بالعينة.
المحافظ الإلكترونية "مغسلة" الأموال المسروقةيمثل "سحب الأموال" المرحلة الأكثر تعقيداً، لكن البيانات كشفت عن نمط ثابت ومقلق، اعتمدت 80% من العمليات المرصودة من مختلف وسائل الدفع الالكتروني، على "المحافظ الإلكترونية" للهواتف المحمولة كوسيلة لنقل الأموال المسروقة، مما يسمح للمحتال بتحويل المبلغ المسروق وتشتيته بين 5 إلى 10 محافظ في دقائق معدودة، ثم سحبها "كاش" .
2.5 مليون صاحب معاش.. ضحايا محتملونمنى، موظفة بسيطة بالمعاش، تتقاضى معاشًا شهريًا 3800 جنيه، تنفق منه علي متطلبات حياتها واحتياجات ابنتها من ذوى الإعاقة، في مساء عادي، تلقت رسالة على هاتفها تحمل وعدًا برحلة عمرة، قلبها تملأه الفرحة للحظة، وفتحت الرابط، لتفاجئ بعد دقائق باختفاء قيمة المعاش من محفظتها البنكية المرتبطة ببطاقة المعاش الشهري، لم يكن أمامها سوى التوجه إلى شرطة الاتصالات في سنترال رمسيس لتحرير محضر رسمي.
مأساة منى ليست مجرد حالة فردية، فهي تمثل آلاف الضحايا من أصحاب المعاشات والفئات الأكثر هشاشة، الذين يثقون بالمعاملات الإلكترونية كوسيلة أمان، فيقعون ضحية المحتالين، ووفقًا لهيئة التأمينات الاجتماعية فإن عدد أصحاب المعاشات الأحياء الذين يصرفون المعاشات، يمثلون ما يعادل نسبة 9% من مالكي الحسابات البنكية في مصر، وبحسب دراسة فيزا أن ما يقرب من 53% من العملاء تعرضوا للاحتيال الالكتروني فإن ما يقرب 2 مليون ونصف من أصحاب المعاشات قد تعرضوا لهذا النوع من المحاولات، وأن 14% منهم تعرضوا بالفعل وهو ما يعادل 653 ألف 112 من أصحاب المعاشات تعرضوا للاستيلاء علي بيانات الدفع وأموال المحافظ البنكية الرقمية.
منع بالمليارات.. واسترداد بالملايين
في مقابل تصاعد شكاوى المستخدمين، تؤكد المؤسسات الرسمية تطور قدرتها على مواجهة جرائم الاحتيال قبل وقوعها، فيكشف حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، عن إحباط محاولات احتيال مالي بقيمة 4 مليارات جنيه خلال عام 2025، في إطار ما وصفه بالإجراءات الاستباقية التي تتخذها المؤسسات المالية لمنع الجرائم قبل وقوعها، مشيرًا إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع واستمرار تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية يفرضان تحديات متزايدة على أنظمة التأمين المصرفي، بما يستدعي تعزيز التعاون الإقليمي والدولي، ورفع كفاءة العنصر البشري، وتحسين آليات التنسيق بين الجهات المعنية لضمان سلامة المعاملات المالية.
وفي السياق نفسه، أعلن محافظ البنك المركزي خلال كلمته أمام المؤتمر العربي الثاني لمكافحة الاحتيال الذي عقد في نهاية يناير بمدينة الأقصر، عن طفرة غير مسبوقة في إجمالي المبالغ المستردة لصالح ضحايا الاحتيال، حيث بلغت 116.8 مليون جنيه خلال عام 2025، مقارنة بنحو 6.5 مليون جنيه فقط في 2024، معتبرًا أن المرحلة الراهنة تتطلب حلولًا ديناميكية مبتكرة تتواكب مع الأساليب المتغيرة التي يعتمدها المحتالون لاختراق أنظمة التأمين والضوابط المصرفية، مؤكدًا أهمية إنشاء قنوات آمنة لتبادل المعلومات ورفع المستوى التأميني للقطاع المصرفي العربي بما يدعم الاستقرار والنمو الاقتصادي المستدام.
تحذيرات بلا نهاية هل تكفي لحماية العميل؟
أوجد الدفع الالكتروني نوعًا جديدًا من الاحتيال، وهو ما أدي الى إطلاق عدد من الإجراءات التى تستهدف تعزيز ضوابط الأمان وحماية المستخدمين من التصيد الإلكتروني والرسائل الاحتيالية، وسرقة الـOTP، وانتحال الهوية، والصفحات المزيفة، وهي أنماط تكرر التحذير منها في القنوات الرسمية للبنوك بين 2021.
ولم يقتصر الأمر على البنوك، فقد انضمت شركات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية إلى دائرة التحذير، ففي نوفمبر 2023 أعلنت فوري عن فتح تحقيق فني بعد تداول ادعاءات عن هجوم، بينما أصدرت فودافون كاش تحذيرات في 2025 بشأن مزاعم نشر بيانات على مواقع غير مشروعة، ورغم نفي الشركات لاختراق بيئات الدفع الحية، فإن طبيعة الرسائل ضاعفت القلق العام بشأن أمن بيانات المستخدمين.
يكشف تحليل الرسائل الرسمية الصادرة عن 10 بنوك وشركة مالية باستخدام أداة الذكاء الاصطناعي Pinpoint أن المؤسسات المالية تستخدم بشكل مكثف مفردات تستثير الخوف مثل: "يحذر"، "تحذير"، "تنبيه"، وقد تكررت هذه المفردات في رسائل البنك المركزي، والأهلي، وبنك مصر، وCIB، وشركات المحافظ الإلكترونية الكبرى، بصورة لافتة.
لا تشارك الـ"OTP".. لكن من يحمي العميل من الاحتيال المتقدم؟
ونجد تكرار عبارات مثل: "لا تشارك بيانات حسابك أو أرقام الكروت أو رموز التحقق"، "لا ترسل الرمز لأي شخص"، "لا تفصح عن أي بيانات"، ورغم أهمية هذه النصائح، فإن كثافة تكرارها في عشرات الرسائل يوحي بوجود خطر دائم، وهو ما قد يخلق لدى المستخدم انطباعًا بأن البيئة الرقمية غير آمنة بالكامل.
تكشف الرسائل كذلك عن تحول التحذير إلى صياغات قد تُفسر على أنها تنصل جزئي من المسؤولية، وتحميل العميل العبء الأكبر في حماية بياناته، فتكرر استخدام عبارات مثل: "البنوك لا تطلب هذه البيانات، "أبلغ فورًا عند الشك"، "تحقق من أي رسالة قبل التفاعل معها"، فتضع مثل هذه الرسائل مسؤولية التحقق الكامل على العميل والتي تضمنت مسؤولية التمييز بين الحقيقي والمزيف.
تكلفة التوعية vs تكلفة الاحتيالبينما تحمل البنوك العميل المسؤولية عبر لغة تحذيرية "تخويفية"، تشير التقارير الدولية إلى أن الاستثمار المباشر في وعي العميل ليس مجرد رفاهية، بل هو أداة لتقليل الخسائر المالية للمؤسسات نفسها، وتشير مراجعات إنفاق القطاع المصرفي عالميًا إلى أن ميزانيات الأمن السيبراني باتت تمثل نسبة ثابتة من إجمالي ميزانيات تكنولوجيا المعلومات، غالبًا في نطاق يتراوح بين نحو 6% و12%، وهو اتجاه يعكس تركيزًا متزايدًا على حماية بيانات العملاء والحد من الخسائر المرتبطة بالاحتيال المالي.
وتشير تقارير دوليه إلى أن الوعي والتدريب يمثلان ركيزة أساسية في استراتيجيات الأمن السيبراني المتقدمة، ويشمل ذلك تدريب الموظفين، وحملات التوعية الموجهة للعملاء، والمحتوى الرقمي التحذيري، ويتراوح عادة بين 3% و10% لأنشطة التوعية والتدريب، وهي نسب قد تترجم في بعض المؤسسات إلى إنفاق سنوي يصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، تبعًا لحجم البنك واتساع قاعدة عملائه.
الذكاء الاصطناعي: أداة الجاني.. وسلاح الحمايةفي تجربة ميدانية بالتواصل مع أحد منفذي جرائم الاستيلاء على بيانات الدفع، تبيّن أن تكلفة الجريمة تكاد تكون منعدمة.
"الهاكر" الذي تحدّث إلينا لم يحتج سوى اتصال بالإنترنت وجهاز حاسوب عادي، دون برامج مدفوعة أو بنية تقنية معقدة، وأوضح أن أدوات الاختراق المتاحة مجانًا، إلى جانب الاعتماد على منصات الذكاء الاصطناعي، قائلًا: "لاب توب وكارت شحن ب5 جنيهات وأفتح الجهاز اللي عايزاه ويا سلام لو واي فاي بقي افتحلك 100 جهاز في وقت واحد".
هذا الانخفاض شبه الكامل في تكلفة الجريمة، يقابله ارتفاع كبير في حجم الضحايا، في ظل منظومة حماية تعتمد على تحذير المستخدم أكثر مما تعتمد على منع الجريمة من الأساس.
رغم أن البنك المركزي لم يصدر أي بيانات رسمية خاصة بأعداد البلاغات أو آلية التعامل معها، إلا أن المسئول المصرفي وليد عادل، يؤكد أن الإطار القانوني، يُحمّل البنك المسؤولية الأساسية عن تأمين الأنظمة والخدمات الرقمية، ولا يُعفيه من هذه المسؤولية إلا ثبوت الخطأ الجسيم أو التعمد من جانب العميل.
وأشار إلى تقديرات داخلية غير منشورة لدى بعض البنوك الكبرى تفيد بأن نسبة الحالات التي تُصنّف "إهمالًا جسيمًا من العميل" لا تتجاوز 10 إلى 15%، مقابل الغالبية المرتبطة باستغلال ثغرات أو أساليب احتيال متطورة.
وأكد أن البنوك، في مواجهة تصاعد الجرائم الإلكترونية، بدأت في توسيع آليات الحماية، عبر الاستثمار في أنظمة رصد ذكية، وتفعيل أدوات مثل الإيقاف التلقائي للمعاملات المشبوهة، وتحديث البنية التحتية للأمن السيبراني بشكل مستمر، وأن عدد من البنوك يعتمد حاليًا على حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي والتحليل السلوكي، والاستجابة الاستباقية قبل اكتمال عملية الاحتيال، باستخدام منصات عالمية متخصصة.
وفيما يخص التوعية، يقرّ المسئول بأن الاعتماد على الرسائل التحذيرية لم يعد كافيًا، خاصة مع تجاهل نحو 91% من العملاء لها- وفقًا لدراسة فيزا، ما دفع البنوك إلى التفكير في نماذج توعية تفاعلية مدمجة داخل التطبيقات البنكية، تفترض وقوع الخطأ، وتسعى إلى تقليص الخسائر.
جريمة عابرة للحدود
ولا تكتمل صورة ما يحدث محليًا دون النظر إلى امتداداته العابرة للحدود، ففي إطار تصاعد جرائم الاستيلاء على بيانات بطاقات الدفع الإلكتروني عالميًا، تُظهر بيانات القضايا المنظورة أمام القضاء المصري أن مصر أصبحت طرفًا مباشرًا في مواجهة شبكات تصيد احتيالي عابرة للحدود.
ففي قضية حديثة، أدانت المحكمة الاقتصادية خمسة متهمين بتكوين تشكيل عصابي دولي عمل وفق نموذج "القرصنة كخدمة" (Phishing-as-a-Service)، من خلال منصتين إلكترونيّتين "ONNX Store" و"Caffeine" استخدمتا في إنشاء وتشغيل نحو 240 موقعًا احتياليًا، واستهدفت هذه المواقع مؤسسات مالية ومنصات رقمية عالمية، ما أتاح الاستيلاء غير المشروع على بيانات بطاقات دفع وحسابات إلكترونية.
وبحسب التحقيقات، صُنفت إحدى المنصتين ضمن أخطر خمس منصات تصيد احتيالي على مستوى العالم من حيث نطاق النشاط وكثافة الهجمات، وانتهت القضية بأحكام بالحبس تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام، وغرامات تجاوزت 1.5 مليون جنيه، مع مصادرة العملات المشفرة والأدوات التقنية المستخدمة، وإحالة المتهمين للمحاكمة في وقائع غسل الأموال المرتبطة بالنشاط الإجرامي.
معركة عالمية.. ومصر في قلبها
تشير أحدث البيانات العالمية إلى أن خسائر الاحتيال باستخدام بطاقات الدفع بلغت نحو 33.8 مليار دولار في 2023، مع توقعات بأن تتجاوز 403 مليارات دولار خلال العقد القادم، وأن أكثر من 80% من الاحتيالات على بطاقات الدفع تحدث في المعاملات غير الحاضرة عبر الإنترنت، وأن الخسائر السنوية قد تجاوزت 48 مليار دولار في 2025.
وعلى المستوى العالمي، تتربع أمريكا الشمالية علي عرش أكبر مركز لخسائر بطاقات الائتمان، بينما تهيمن آسيا-المحيط الهادئ على نسبة الحالات عالميًا، ويشهد الشرق الأوسط وأفريقيا نموًا متسارعًا في الهجمات عبر المحافظ وأنظمة الدفع الرقمية.
وفي السياق المصري، تُظهر دراسة Visa – Stay Secure أن 96% من مستخدمي الدفع الرقمي يتخذون خطوات لحماية معاملاتهم، بينما 55% منهم يقرّون بقابلية التعرض للاحتيال، وعلى الرغم من هذه الأرقام إلا أن 76% من المصريين يثقون في المدفوعات الرقمية في ظل التهديدات، ما يعكس ازدياد الاعتماد على الدفع الرقمي رغم المخاطر، هذه الأرقام تجعل مصر جزءًا من المشهد العالمي للاحتيال الرقمي.
.jpg)
عندما تتحول الثغرة إلى بوابة سرقة
.jpg)
يشرح حجاج أن بعض العمليات تبدأ من ثغرات دقيقة داخل الخوادم المركزية هذه الواجهات إذا لم تُصمَّم بآليات تحقق صارمة، قد تسمح بتمرير أوامر تحويل وسحب أموال دون التأكد من هوية الجهة المرسِلة للطلب، موضحًا أنه في بعض السيناريوهات، يستغل المهاجمون رموز الجلسات أو المفاتيح السرية التي يتم تسريبها بوسائل مختلفة، ما يتيح لهم تنفيذ عمليات مالية حقيقية.
.jpg)
يشير "حجاج" إلي ازدياد خطر الاستيلاء على بيانات الدفع عندما تُجرى المعاملات عبر شبكات "واي فاي" عامة أو أجهزة مصابة ببرمجيات خبيثة، حيث يسهل في هذه الحالات سرقة بيانات الجلسات وتنفيذ عمليات غير مصرح بها، مؤكدًا علي أهمية الاحتفاظ بسجلات العمليات لمدة لا تقل عن 180 يومًا على الأقل، لكن فقدان السجلات الحديثة، بحسب الخبير، يضعف بشكل كبير فرص كشف الجناة أو استرداد الأموال، حتى لو ثبت وقوع الجريمة.

وفي استطلاع رأي أجريناه على عينة قوامها 300 مشارك من مستخدمي الدفع الرقمي في مصر حول جرائم النصب الإلكتروني، منهم 250 مشاركًا عبر استبيان إلكتروني باستخدام google forms و50 مشاركًا من خلال استطلاع ميداني مباشر، أظهر أن 48.8% من المشاركين يستخدمون المحافظ البنكية وبطاقات الدفع معًا، فيما لا يتعامل 4.7% بالمعاملات الإلكترونية، وأفاد 43% بتعرضهم لمحاولات نصب إلكتروني، مقابل 57% لم يتعرضوا أو لا يعلمون بتعرضهم لمحاولات احتيال.
ورغم هذه النسب إلا أنه لم يتقدم 83% من الضحايا بأي شكاوى، وفيما يتعلق بالوعي والحماية، أجرى 55% من المشاركين إجراءات لحماية حساباتهم، بينما أقر 45% بعدم وعيهم بإجراءات الأمان الرقمي، وحمّل 58% المسؤولية المشتركة بين المستخدم والبنوك والجهات الرقابية وشركات المحافظ، كما رأى 60% أن حملات التوعية والتحذيرات غير كافية، مطالبين بتشديد إجراءات الحماية، وتطوير نظم الحسابات البنكية، وتعزيز تأمين بيانات العملاء.
لا يتعلق الاحتيال بخطأ فردي أو سوء تقدير عابر، بل إنها جريمة مكتملة الأركان، ورغم جسامة هذه الوقائع، لا تزال السرقة الإلكترونية في كثير من الأحيان بلا ردع تشريعي فعّال.
وهنا ترى المحامية نهى الجندي أنه لا يمكن التعامل مع الجريمة باعتبارها تقنية محدودة الأثر، بل يندرج ضمن أخطر صور الجرائم الاقتصادية الإلكترونية.
وتوضح أن الركن المادي يتحقق بمجرد الحصول على بيانات البطاقة أو المحفظة، ثم استخدامها في عمليات شراء أو تحويل مالي، أو حتى الاتجار بهذه البيانات وبيعها لطرف ثالث، أما الركن المعنوي، فيتمثل في توافر القصد الجنائي، أي علم الجاني بعدم مشروعية ما حصل عليه، موضحة أن الأحكام الصادرة تؤكد أن مجرد حيازة بيانات بطاقات الدفع دون سند قانوني تُعد جريمة قائمة بذاتها، حتى في حال عدم إتمام عملية سحب أو شراء، مع توقيع عقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة.
بينما تنتهي مكالمة المحتال في دقائق، تبدأ رحلة الضحايا في "متاهة" لا تنتهي بين شركات الاتصالات، البنوك، والجهات الرسمية، تكشف الأرقام والشهادات التي استعرضها هذا التحقيق الذي تم انتاجه ضمن المنحة التدريبية المقدمة في انتاج المحتوى المعزز بالبيانات واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي نظمتها مؤسسة هيكل للصحافة العربية ومركز التدريب بنقابة الصحفيين، أن الفجوة ليست تقنية فحسب، بل هي فجوة في "إدارة المسؤولية"، ومع تسارع البنوك في سباق الشمول المالي لضم ملايين العملاء الجدد، تظل ميزانيات التوعية والحماية تراوح مكانها.
ختاماً، تبقى قصة "أسماء" و"منى" وآلاف غيرهم صرخة في وجه منظومة تحتاج لإعادة ترتيب أولوياتها، فكل "رصيد يتبخر" هو في الحقيقة جزء من استقرار مالي واجتماعي يتلاشى، في معركة لا يملك فيها المواطن سوى "وعيه" سلاحاً، بينما يملك المحتالون كل أدوات التكنولوجيا.
