اجرائات اسرائيل في الضفة الغربية
تشهد الضفة الغربية مرحلة توصف بأنها الأخطر منذ احتلال عام 1967، بعد قرارات إسرائيلية توسّع صلاحيات تسجيل الأراضي، وتنقل سلطات التخطيط والبناء، وتشرعن بؤرًا استيطانية، بما يفتح الباب أمام تثبيت وقائع قانونية جديدة على الأرض. ويرى مراقبون أن ما يحدث يتجاوز التوسع الاستيطاني التقليدي إلى إعادة هندسة قانونية للملكية والسيادة، تمهيدًا لضمٍّ فعلي غير مُعلن.
المنطقة "ج" – التي تمثل نحو 60% من مساحة الضفة – تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة بموجب اتفاقية أوسلو الثانية. غير أن القرارات الأخيرة تسمح باستكمال تسجيل مساحات واسعة كـ"أراضي دولة" حتى عام 2030، ما يعني نقل السيطرة من إدارة عسكرية مؤقتة إلى وضع قانوني دائم. في الوقت نفسه، يعيش أكثر من 500 ألف مستوطن في الضفة (باستثناء القدس الشرقية)، وسط تسارع ملحوظ في المصادقة على وحدات استيطانية خلال العامين الأخيرين.
وتصدرت مصر مواقف الدول العربية الرافضة للقرارات الإسرائيلية، وادانت قرار الحكومة الإسرائيلية باستئناف إجراءات تسجيل وتسوية ملكية الأراضي وتحويلها إلى ما يُسمّى "أملاك دولة"، تابعة لإسرائيل، في مناطق واسعة بالضفة الغربية المحتلة، لأول مرة منذ عام 1967.
وقالت الخارجية إن تلك الخطوة "تمثل تصعيدًا خطيرًا يهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتقويض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأضافت :"تؤكد مصر أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا صارخًا لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2334، كما تتعارض مع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الآثار القانونية الناشئة عن السياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والذي أكد عدم شرعية الإجراءات الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والتاريخي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، ووجوب إنهاء الاحتلال، وعدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.
وتمثل هذه الخطوة محاولة لفرض واقع قانوني وإداري جديد يستهدف تكريس السيطرة على الأراضي المحتلة، بما يقوض حل الدولتين، ويؤدي إلى تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، ويهدد فرص تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة"
واستندت الإدانات الدولية إلى المرجعية القانونية التي رسخها قرار مجلس الأمن 2334، والذي أكد أن المستوطنات “ليس لها شرعية قانونية وتشكل انتهاكًا صارخًا بموجب القانون الدولي”. كما شدد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش على أن استمرار التوسع الاستيطاني يقوّض حل الدولتين ويغلق نافذة التسوية السياسية. غير أن غياب آليات إلزام لتنفيذ القرارات الأممية أبقى الفجوة قائمة بين الإدانة والفعل.
أحد أبرز أوجه التصعيد يتعلق بمدينة الخليل، التي تخضع لترتيبات خاصة منذ اتفاق 1997، حيث جرى تقسيمها أمنيًا بين مناطق تخضع للسلطة الفلسطينية وأخرى تحت السيطرة الإسرائيلية. نقل صلاحيات التخطيط والبناء إلى الإدارة الإسرائيلية يُنظر إليه فلسطينيًا باعتباره تفريغًا لاتفاق الخليل من مضمونه، وإعادة تموضع قانوني يرسّخ السيطرة المباشرة على المدينة ذات الحساسية الدينية والسياسية.
وتوسّع القرارات كذلك نطاق الرقابة والهدم ليشمل مناطق مصنفة "أ" و"ب"، بذريعة مخالفات بناء أو قضايا تتعلق بالمياه والآثار، رغم أنها مناطق تخضع إداريًا للسلطة الفلسطينية. هذا التحول يُعد، وفق خبراء قانونيين، مساسًا بجوهر الترتيبات الانتقالية التي قامت عليها عملية أوسلو، ويعزز مخاوف من تآكل الاتفاق تدريجيًا دون إعلان رسمي بإنهائه.
سياسيًا، يربط محللون بين التوقيت والسياق الداخلي في إسرائيل. فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يواجه تحديات سياسية وقضائية، فيما يُعد ملف الاستيطان عنصرًا تعبويًا أساسيًا لدى قاعدته اليمينية. ويشير مراقبون إلى أن أي تشدد في الضفة يعزز موقعه أمام التيارات القومية والدينية التي ترفض قيام دولة فلسطينية. كما يُقرأ التوقيت في ضوء العلاقة مع واشنطن، حيث تبقى مسألة الضم الرسمي محل تحفظ أمريكي تقليدي، حتى مع اختلاف الإدارات في درجة الضغط على إسرائيل.
وميدانيًا، تشهد الضفة تصاعدًا ملحوظًا في التوتر منذ أكتوبر 2023، مع ارتفاع أعداد الضحايا والاعتقالات، واتساع نطاق المواجهات في مدن ومخيمات عدة. ويرى محللون أن استمرار الضغط الأمني دون أفق سياسي يزيد احتمالات انفجار أوسع، خاصة في مدن ذات رمزية دينية وتاريخية مثل القدس والخليل. ومع اقتراب مواسم دينية حساسة، تتضاعف المخاوف من انزلاق الوضع إلى موجة عنف جديدة.
يرى خبراء أن ما يجري ليس إعلان ضم رسمي بقدر ما هو ترسيخ تدريجي لواقع قانوني جديد. فكل إجراء إداري أو تشريعي على الأرض يسبق أي تسوية محتملة على الطاولة. ومع تضاؤل المساحة الجغرافية المتاحة لدولة فلسطينية قابلة للحياة، يتزايد السؤال حول مستقبل حل الدولتين، وما إذا كانت العملية السياسية قادرة على استعادة زخمها، أم أن الضفة الغربية تدخل مرحلة إعادة تشكيل عميق قد يعيد تعريف الصراع برمته.