الجمعة، 30 يناير 2026 03:16 م

عمود الاقتصاد أوله بذرة.. مصر تبدأ موسم زراعة القطن أول مارس.. خارطة طريق متكاملة لتعظيم إنتاجية الذهب الأبيض.. قائمة وافية بالتوصيات والنصائح للحفاظ على أفضل جودة.. والتوقيت المثالى للبذر يحقق أفضل عائد

عمود الاقتصاد أوله بذرة.. مصر تبدأ موسم زراعة القطن أول مارس.. خارطة طريق متكاملة لتعظيم إنتاجية الذهب الأبيض.. قائمة وافية بالتوصيات والنصائح للحفاظ على أفضل جودة.. والتوقيت المثالى للبذر يحقق أفضل عائد القطن - صورة أرشيفية
الجمعة، 30 يناير 2026 02:00 م
كتبت أسماء نصار
تستعد الحقول مع إشراقة شهر مارس من كل عام لاستقبال بذور القطن لبدء زراعة "الذهب الأبيض"، ذلك المحصول الذي لم يكن مجرد سلعة زراعية عبر التاريخ، بل كان الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني ورمزاً للجودة العالمية التي لا تنافس.
 
ويبدأ موسم زراعة القطن في مصر في أول مارس ويمتد حتى العاشر من مايو، وهي فترة زمنية تمثل "عنق الزجاجة" بالنسبة للمزارع والدولة على حد سواء، حيث تحسم خلالها ملامح الإنتاجية والجودة.
 
وتأتي أهمية هذا المحصول من كونه يتطلب بيئة زراعية شديدة الخصوصية، فزراعة القطن لا تعتمد فقط على وضع البذور في التربة، بل هي عملية هندسية تتطلب تضافر عوامل الجو والتربة والموعد الدقيق، حيث يمتلك كل صنف من أصناف القطن المصري "شفرة وراثية" تجعله يحتاج لظروف مناخية قد لا تناسب صنفاً آخر، وهو ما يفسر التشدد في اتباع الخريطة الصنفية التي يضعها الخبراء.
 
وفي سياق الاستعدادات الجارية، أطلق معهد بحوث القطن بمركز البحوث الزراعية حزمة من التحذيرات والتوصيات الفنية التي لا تقبل التهاون، مؤكداً أن النجاح في موسم القطن يبدأ من اللحظة التي يقرر فيها المزارع إخلاء محصوله الشتوي.
 
ويشدد المعهد على ضرورة الإخلاء المبكر للمحاصيل الشتوية وخدمة الأرض بشكل استباقي، مع التركيز على أن تكون الزراعة في المواعيد المقررة دون تأخير.
 
يشار إلى أن الهدف من هذا الإسراع هو منح النبات فرصة كاملة للنمو الخضري والثمري قبل اشتداد حرارة الصيف في مراحل معينة، مما يضمن الحصول على أعلى إنتاجية ممكنة.
 
وتتجاوز التوصيات مجرد موعد الزراعة لتشمل عمليات "الخف" والتسميد والري، وهي العمليات التي يصفها الخبراء بالثلاثي المقدس لإنتاج قنطار قطن عالي الجودة، حيث أن أي خلل في توقيتات هذه العمليات قد يؤدي إلى تراجع ملموس في المحصول النهائي.
 
ومن الناحية العلمية والأكاديمية، يبرز دور الدكتور مصطفى عطية، أستاذ المعاملات الزراعية بمعهد بحوث القطن، الذي يضع يده على الجرح في كل موسم، مؤكداً أن الالتزام بالتوقيت الأمثل للزراعة يمثل النقطة المحورية والفيصلية للوصول إلى أفضل عائد اقتصادي.
 
آمالاً عريضة على هذا المحصول
ويرى عطية أن قطاعاً عريضاً من مزارعي الذهب الأبيض يعلقون آمالاً عريضة على هذا المحصول، لكن هذه الآمال يجب أن تُبنى على أسس فنية سليمة.
 
ويوضح أن الجغرافيا المصرية فرضت عليها مواعيد محددة بناءً على دراسات مناخية دقيقة، ففي محافظات الوجه القبلي، وتحديداً في النطاق الممتد من المنيا وصولاً إلى سوهاج، يكون التوقيت الأمثل للزراعة منذ بداية شهر مارس وحتى نهايته.
 
كما أشار إلى دخول مناطق جديدة بقوة مثل الأقصر وأسوان، والتي تتركز فيها زراعة صنف "جيزة 98"، الذي أثبت كفاءة عالية في تحمل درجات الحرارة المرتفعة في أقصى الصعيد.
 
أما عن مخاطر التأخير، فقد رسم عطية صورة واقعية لما قد يواجهه المزارع حال مخالفة التوقيتات المثلى، مشيراً إلى أن التأخير يستدعي اتباع مجموعة معقدة من التوصيات والمعاملات الخاصة لتعويض الفقد، ومع ذلك، يظل المزارع عرضة لخسارة مؤكدة في إجمالي الحصاد المتوقع بنسب تتراوح ما بين 15% إلى 35% وهذه الأرقام، عند ترجمتها إلى واقع مادي، تعني ضياع ما يصل إلى 2 قنطار من القطن لكل فدان، وهي خسارة لا يستهان بها في ظل التكاليف الراهنة للإنتاج، مما يجعل الالتزام بالموعد هو "خط الدفاع الأول" عن ربحية الفلاح.
 
وبالانتقال إلى شمال البلاد، تبدأ قصة أخرى في الوجه البحري، حيث تنطلق المواعيد المثلى للزراعة من منتصف شهر مارس وتستمر حتى نهاية شهر مايو.
 
ويفسر عطية طول هذه الفترة الزمنية مقارنة بالصعيد بطبيعة الطقس السائد في الدلتا والمحافظات الساحلية، بالإضافة إلى الارتباط الوثيق بتركيب المحاصيل الشتوية؛ فالقطن في الوجه البحري غالباً ما يأتي "لاحقاً" لمحصول القمح، وهو ما يحتم على المزارع الانتظار حتى تمام الحصاد الشتوي ليبدأ بعدها في تجهيز الأرض للذهب الأبيض.
 
وقد راعى معهد بحوث القطن هذه المعضلة الزمنية من خلال وضع برامج وتوصيات فنية وإرشادية متطورة تلائم الزراعات المتأخرة، خاصة تلك التي تأتي بعد المحاصيل البقولية والقمح، وهي جهود بحثية مضنية أتاحت ميزات تقنية لم تكن متوفرة قبل ثلاثة عقود، مما سمح للمزارع بالجمع بين محصولين استراتيجيين دون الجور على إنتاجية أي منهما.
 
وتتجلى عبقرية الخريطة الصنفية لهذا العام في التوزيع الذكي للأصناف وفقاً لدرجات الحرارة والخصائص الفيزيائية لكل منطقة ففي الوجه البحري، تبرز أصناف من طبقة الأقطان "طويلة التيلة" مثل سوبر جيزة 86، وسوبر جيزة 94، وسوبر جيزة 97، مع توجه واضح من الدولة للتوسع في الصنف الأخير (جيزة 97) نظراً لإنتاجيته الاستثنائية ومقاومته للظروف الجوية المتقلبة. ولا تقتصر الخريطة على ذلك، بل تشمل طبقة "الأقطان فائقة الطول" والتي تعد درة التاج المصري، وتضم أصناف إكسترا جيزة 92، 96، 93، و45، وهي الأصناف التي تطلبها بيوت الأزياء العالمية بالاسم لمواصفاتها التي لا تضاهى. أما في الوجه القبلي، فتركز الاستراتيجية على التوسع في صنف جيزة 98 ليكون جنباً إلى جنب مع الصنف العريق جيزة 95، مما يضمن تغطية احتياجات الصناعة المحلية والتصدير بمنتجات متنوعة المواصفات.
 
يشار إلى أن الحديث عن القطن المصري اليوم لم يعد مجرد حديث عن زراعة، بل هو حديث عن أمن قومي زراعي وتجاري فالجهود التي يبذلها مركز البحوث الزراعية لا تتوقف عند استنباط الأصناف، بل تمتد لتشمل مراقبة عمليات الري والتسميد بدقة، حيث أثبتت الدراسات أن الري في المواعيد المناسبة، خاصة في المراحل الأولى من عمر النبات، يساهم في تكوين مجموع جذري قوي قادر على امتصاص العناصر الغذائية بكفاءة.
 
كما أن التسميد المتوازن، الذي يراعي احتياجات التربة ونوع الصنف، يمنع الهياج الخضري للنبات ويوجه طاقته نحو تكوين "اللوز" وزيادة الوزن والنعومة.
 
جدير بالذكر أن مستقبل القطن المصري مرهون بمدى التكامل بين العلم الذي يمثله معهد البحوث، وبين الممارسة الميدانية التي يقوم بها الفلاح. إن الالتزام بالخريطة الصنفية والمواعيد الزمنية ليس رفاهية، بل هو ضرورة حتمية في ظل التغيرات المناخية العالمية التي باتت تفرض تحديات جديدة على القطاع الزراعي فإذا ما التزم المزارعون بهذه التوصيات، فإننا بصدد موسم قد يعيد لمصر صدارتها المطلقة في إنتاج أجود أنواع القطن في العالم، ويحقق للمزارع المصري العائد الذي يستحقه مقابل جهده وعرقه في خدمة "الذهب الأبيض".
 
إن الدولة، عبر أجهزتها البحثية والإرشادية، وضعت خارطة الطريق، وما على المزارع إلا السير في هذا المسار العلمي لضمان الوصول إلى منصات التتويج الإنتاجي من جديد.

الأكثر قراءة



print