سقوط العقوبة - أرشيفية
ما زالت ردود الأفعال مستمرة حول المبدأ التاريخى الذى أرسته محكمة النقض في الطعن رقم 8136 لسنة 95 قضائية، فقد استوى على الجودي رسوخاً، مؤداه أن العقوبة، وأن صدرت بحكم بات، تظل رهينة بسلطان الزمن، فإن انقضت مدته، انحسر سلطان التنفيذ، وغدا الحكم ذكرى قضائية بعد أن كان سيفاً مصلتاً، لتؤكد محكمة النقض أن سقوط العقوبة يُحسب من تاريخ أخر إجراء صحيح.
خلاصة حكم النقض بشأن إشكاليات سقوط العقوبة، فقد تدخلت محكمة النقض لوضع حدّ للجدل القائم حول تحديد بداية احتساب مدة سقوط العقوبة، وقررت مبدأً حاسمًا مؤداه: سقوط العقوبة يُحتسب من تاريخ آخر إجراء صحيح، باعتباره تاريخ صيرورة الحكم نهائيًا، وفقًا لنوع العقوبة ومدتها - وقائع الدعوى ببساطة شديدة - المتهم أُدين في جنحة عام 2015، وصدر ضده حكم باعتبار المعارضة "كأن لم تكن"، لم يتم استئناف الحكم خلال ميعاد الـ10 أيام، فصار الحكم نهائيًا، وبعد مرور قرابة 10 سنوات، تم تقديم استئناف قُبل شكلاً لعذر قهري "المرض"، لكن المحكمة الاستئنافية أيدت الحكم دون التعرض لسقوط أو انقضاء العقوبة.
تفاصيل الوقائع ومُلخصها
وفى تلك الأثناء - تم الطعن أمام محكمة النقض، والتي قررت بدورها أن الحكم الصادر بإعتبار المعارضة "كأن لم تكن"، ولم يُستأنف في الميعاد، يُعد حكمًا نهائيًا باتًا، وبموجب المادتين 528 و529 إجراءات جنائية: تسقط العقوبة في الجنح بمضي 5 سنوات، وتبدأ مدة السقوط من تاريخ صيرورة الحكم نهائيًا، أي من انقضاء ميعاد الاستئناف، وقبول الاستئناف لاحقًا لعذر قهري لا يقطع مدة سقوط العقوبة، وإنما تستمر حتى صدور الحكم بقبول الاستئناف.
ولخلو الأوراق من أي إجراء قاطع لمدة السقوط خلال هذه الفترة، تكون العقوبة قد سقطت قانونًا، كان يتعين على محكمة الاستئناف القضاء بـ"عدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بحكم بات"، وهنا تكون النتيجة نقض الحكم المطعون فيه، والقضاء بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها تأكيد أن إعادة المحاكمة بعد سقوط العقوبة تمثل خطأ في تطبيق القانون، ليكون المبدأ المستقر: أن مدة سقوط العقوبة تبدأ من تاريخ آخر إجراء صحيح يجعل الحكم نهائيًا، ولا تُقطع إلا بإجراء قانوني قاطع، وإلا سقطت العقوبة بقوة القانون.
المبدأ الأول:
وفى هذا الشأن – يقول الدكتور يوسف الديب، الخبير القانوني، وعضو الجمعية المصرية للقانون الجنائي - لما كان القانون قد جعل للزمن حداً، وللسلطة قيداً، فقد استقر أن سقوط العقوبة في الجنح بمضي 5 سنوات أصل راسخ، كالجبل الأشم ثباتاً، لا يزحزحه هوى ولا يؤخره تراخ إداري، إذ لا تبقى العقوبة أبد الدهر، بل تذوي إذا طال عليها الأمد، كما يذوي السراج إذا نفد زيته.
المبدأ الثاني:
ويضيف "الديب" في تصريح لـ"برلماني": تبدأ مدة السقوط من صيرورة الحكم نهائيا، حين يستوي على سوقه، وتستكمل حجيته، ويغدو عنوانا للحقيقة القضائية، أما قبل ذلك فالأمر شذر مذر، لا ينعقد له تمام ولا يستقر له بنيان.
المبدأ الثالث:
ووفقا لـ"الديب": مرور الزمن في مجال العقاب ليس منحة، بل مظهر من مظاهر العدالة، به يستقر المركز القانوني، وتزول رهبة الملاحقة الأبدية، في حين يغدو الإنسان أمنا من شبح التنفيذ الذي لا ينقضي، فالعدالة لا تقوم على دوام التهديد، بل على انضباط السلطان.
المبدأ الرابع:
لا يقطع مدة السقوط إلا إجراء جاد صحيح يرمي حقا إلى التنفيذ؛ أما الصور الشكلية، والأعمال التي لا روح فيها، فهشيم تذروه الرياح، لا يغير من حكم الزمن شيئا، ولا يبعث العقوبة بعد أُفولها.

المبدأ الخامس:
سقوط العقوبة يغاير سقوط الدعوى؛ فالأولى تمس التنفيذ، والثانية تمس الاتهام ذاته، فإذا سقطت العقوبة، بقي الحكم قائما في مدوناته، لكنه غدا كالسيف في غمده، صورة بلا آثر، وهيئة بلا نفاذ.
المبدأ السادس:
هذا السقوط من النظام العام، تثيره المحكمة من تلقاء نفسها، ولو لم يتشبث به الخصوم، لأن المشروعية لا تتجزأ، ولا تقوم العدالة إذا نفذ ما سقط بحكم القانون.

المبدأ السابع:
إذا اكتمل الأجل، وانقضت المدة بغير قاطع صحيح، وجب القضاء بسقوط العقوبة، ولو استبانت الإدانة، لأن الشرعية فوق الاعتبارات، والزمن وأن صمت قاض لا يرد قضاؤه، وحكمه إذا نزل كان كالفجر الصادق، يبدد ظلمة الشك، ويكشف وجه الحق.
القاعدة:
وكانت الأوراق قد خلت مما يفيد أن إجراء قاطعاً لتلك المدة قد اتخذ قبل الطاعن منذ صدور الحكم الغيابي بتاريخ 12 من ديسمبر سنة 2015 وحتى استئنافه بتاريخ 24 من أغسطس سنة 2024، فإن العقوبة المقضي بها بالحكم الغيابي تكون قد سقطت وأصبح ذلك الحكم نهائياً وما كان يجوز معاودة محاكمة الطاعن عن ذات الواقعة، وكان يتعين على المحكمة الاستئنافية التي عرضت عليها الدعوى أن تقضى بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل فيها بالحكم الغيابي الصادر بتاريخ 12 من ديسمبر سنة 2015 أما وقد تصدت لنظرها وفصلت فيها بالحكم المطعون فيه فإنها تكون قد أخطأت في تطبيق القانون، بما يوجب نقض الحكم والقضاء بذلك عملاً بالفقرة الأولي من المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 بشأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض.
الخلاصة:
يشار إلى أن العقوبة ليست قدراً سرمدياً، بل آثر قانوني مؤقت، يزول إذا زال سببه الزمني، وهكذا يظل ميزان العدالة مستقيما، لا إفراط فيه ولا تفريط؛ فلا البطش يدوم، ولا السلطان ينفلت، بل كل أمر عندها بمقدار، كما تنتظم الكواكب في أفلاكها، لا تتصادم .


النقض: سقوط العقوبة يُحسب من تاريخ أخر إجراء صحيح 2

النقض: سقوط العقوبة يُحسب من تاريخ أخر إجراء صحيح 3
