- مصر لا تطلب استثمارا بدافع الحاجة بل تعرض شراكة قائمة على الاستقرار والبنية التحتية ورؤية واضحة لدور الدولة والقطاع الخاص
- مخرجات «القمة المصرية - الأمريكية» تؤكد استمرار الدور المصرى وقوة توازن فى الشرق الأوسط
- الثناء الأمريكى على دور الرئيس السيسى فى تحقيق الاستقرار والتنمية يعكس اعترافا بدور مصر كركيزة للاستقرار فى منطقة تعانى من أزمات متلاحقة
- اهتمام ترامب بملف مياه النيل يعكس إدراكا لحساسية القضية بالنسبة لمصر باعتبارها مسألة وجودية.. والرهان على وجود حلول للأزمة ما زالت قائمة
يمكن القول، إن مشاركة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، فى أعمال المنتدى الاقتصادى العالمى بمدينة دافوس السويسرية، جاءت لتؤكد أن الدولة المصرية لم تعد تتعامل مع المنصات الدولية الكبرى باعتبارها مساحات استراتيجية لإعادة صياغة موقعها فى المشهدين الاقتصادى والسياسى الدوليين، خاصة فى ظل عالم مضطرب تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية مع صراعات جيوسياسية ظاهرة.
وبنظرة معمقة، على جدول الأعمال المكثف للرئيس السيسى فى دافوس، يتجلى هذا الاتجاه بوضوح، حيث توزعت التحركات بين لقاءات مؤسسية مع إدارة المنتدى، وجلسات اقتصادية مع قادة الأعمال، ولقاءات سياسية رفيعة المستوى، أبرزها اللقاء مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
اللقاء الثنائى الذى جمع السيد الرئيس السيسى برئيس المنتدى الاقتصادى العالمى، ثم المشاركة فى الجلسة الحوارية المخصصة لمصر، يعكسان تقديرا دوليا للدور المصرى، واعترافا بأن القاهرة باتت طرفا له تجربة تستحق الاستماع إليها، خاصة فى ما يتعلق بإدارة الأزمات الاقتصادية والحفاظ على تماسك الدولة فى بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
فى لقائه بالرئيس والمدير التنفيذى للمنتدى الاقتصادى العالمى، أثنى الرئيس السيسى، على تركيز جدول أعمال المنتدى هذا العام على قضايا ملحّة تعكس الحاجة المتزايدة لتعميق التعاون الدولى، بما يواكب التحولات المتسارعة ويضمن توظيفها على نحو يحقق الازدهار والمنفعة لشعوب العالم كافة.
وفى الجلسة الخاصة بمصر لم تكن عرضا تقليديا للأرقام والمؤشرات، بقدر ما مثلت فرصة لطرح رواية الدولة المصرية حول الإصلاح الاقتصادى، والتحديات التى فرضتها الصدمات العالمية المتتالية، من جائحة كورونا إلى أزمات الطاقة وسلاسل الإمداد، وصولا إلى التوترات الجيوسياسية التى تضغط على اقتصادات الدول النامية.
وجاءت مشاركة الرئيس السيسى فى الجلسة الحوارية مع نخبة من قادة الأعمال العالميين على هامش المنتدى الاقتصادى العالمى، عكست تحركا محسوبا يستهدف تثبيت الثقة فى الاقتصاد المصرى، وإعادة تقديم الدولة بوصفها شريكا اقتصاديا مستقرا فى عالم شديد الاضطراب.
ودعونى هنا أركز على هذه الجلسة تحديدا لما تحتويه من رسائل اقتصادية غاية فى الأهمية، فهذه الجلسة
جمعت نحو سبعين من كبار الرؤساء التنفيذيين وقادة المؤسسات المالية والاستثمارية، وإدارتها من قيادات الصف الأول بالمنتدى، وهو ما يحمل فى حد ذاته دلالة على حجم الاهتمام الدولى بالتجربة المصرية، وعلى إدراك دوائر الاقتصاد العالمى لأهمية مصر كفاعل اقتصادى وإقليمى فى آن واحد.
القطاع الخاص.. الملمح الأبرز فى حديث الرئيس السيسى كان الإصرار على وضع القطاع الخاص فى صدارة المشهد التنموى، كقاطرة رئيسية للنمو. كما أن الإشارة إلى سقف الاستثمارات العامة، ووثيقة سياسة ملكية الدولة، وبرنامج الطروحات، حملت رسالة طمأنة مباشرة بأن الدولة تعيد ضبط دورها الاقتصادى، وتفتح المجال أمام رأس المال الخاص المحلى والأجنبي. وهو خطاب يعكس انتقال الدولة من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء نموذج أكثر استدامة، يقوم على تقليص تزاحم الدولة مع القطاع الخاص، وخلق مساحات أوسع للمبادرة والاستثمار.
مناخ الاستثمار.. تميّزت هذه الجلسة بطرح عملى يتحدث بلغة الأدوات والحوافز، مثل الإشارة إلى الرخصة الذهبية، وقانون حوافز الهيدروجين الأخضر، والمنصة الرقمية الموحدة، كما أن التركيز على قطاعات بعينها، مثل الطاقة الجديدة والمتجددة، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات، والسيارات الكهربائية، يبعث برسالة مفادها أن الدولة تمتلك أولويات محددة، ورؤية استثمارية تستند إلى التحولات العالمية وليس إلى الفرص قصيرة الأجل.
البنية التحتية.. تطرق الرئيس السيسى إلى مشروعات البنية التحتية، من الطرق والموانئ إلى تطوير قناة السويس والمنطقة الاقتصادية، وهو طرح يمكن اعتباره قاعدة لتمكين الاقتصاد وجذب الاستثمار، كما أن الربط بين تطوير قناة السويس وعودة شركات الملاحة تدريجيا بعد قمة شرم الشيخ للسلام، يضيف بعدا سياسيا واقتصاديا مهما، بأن الاستقرار الإقليمى شرط أساسى لاستعادة حركة التجارة، وأن مصر تتحرك على المسارين معا.
تثبيت صورة الاستقرار.. إشارة الرئيس السيسى إلى نتائج البرنامج الاقتصادى بالتعاون مع صندوق النقد الدولى والمؤسسات الدولية جاءت لتثبيت صورة الاستقرار المالى، فحديث الرئيس عن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلى، وارتفاع الاحتياطى النقدى، وتراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلى، يخاطب عقل المستثمر الذى يزن المخاطر قبل الفرص. وبالتالى فإن خطاب الرئيس هنا لترسيخ سردية أن الاقتصاد المصرى تجاوز الصدمات الكبرى، ويمتلك قدرة حقيقية على الصمود والتعافى.
وعى الشعب المصرى.. دائما ما يحرص الرئيس السيسى فى ختام رسائله على الربط بين قدرة الاقتصاد المصرى على تجاوز الأزمات المتلاحقة «من كورونا إلى الحرب فى أوكرانيا وتداعيات غزة» وبين وعى الشعب المصرى. وهذه الإشارة ليست للدعم المعنوى فقط، لأن الرئيس السيسى دائما ما ينظر للشعب المصرى وتحمله للإجراءات الاقتصادية القاسية على أنه «بطل الرواية»، وهذه الرسالة تؤكد أن الاستقرار فى مصر ليس هشا أو مفروضا، بل قائم على إدراك مجتمعى لطبيعة التحديات.
إن جلسة الرئيس السيسى مع قادة الأعمال فى دافوس تعكس تحركا محسوبا لإعادة صياغة صورة الاقتصاد المصرى أمام دوائر القرار والاستثمار العالمية، كما أن الرسالة الجامعة التى يمكن أن نستخلصها من خطاب الرئيس السيسى هنا، أن مصر لا تطلب استثمارا بدافع الحاجة، لكنها تعرض شراكة قائمة على الاستقرار، والبنية التحتية، ورؤية واضحة لدور الدولة والقطاع الخاص فى عالم لم يعد يحتمل الغموض.
«السيسى - ترامب».. قمة السياسة والاقتصاد والخطوط الحمراء.. جاء اللقاء الذى جمع الرئيس السيسى بنظيره الأمريكى دونالد ترامب، كأحد أبرز محطات مشاركة الرئيس فى دافوس، من حيث توقيته ودلالاته السياسية. هذا اللقاء يأتى فى ظل مرحلة دقيقة تمر بها المنطقة، مع تصاعد التوترات فى الشرق الأوسط، واستمرار تداعيات الأزمات الممتدة فى أكثر من ساحة إقليمية، ويعكس انعقاده حرص واشنطن على الحفاظ على قنوات التنسيق مع القاهرة، باعتبارها لاعبا محوريا لا يمكن تجاوزه فى ملفات الأمن والاستقرار الإقليمى.
تناول اللقاء آخر المستجدات الإقليمية والدولية، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار الإقليمى والدولى.
ويمكن قراءة هذا اللقاء باعتباره رسالة مزدوجة، الأولى موجهة إلى الإقليم، وتؤكد استمرار الدور المصرى كوسيط رئيسى وقوة توازن فى الشرق الأوسط. والثانية موجهة إلى الداخل الاقتصادى العالمى، بأن العلاقات «المصرية - الأمريكية» ما زالت تمثل عنصر دعم مهما لاستقرار المنطقة، وهو ما ينعكس بشكل غير مباشر على مناخ الاستثمار والثقة.
يبرز تأكيد الرئيس السيسى على الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» باعتباره رسالة سياسية واضحة تؤكد أن مصر تنظر إلى علاقتها بالولايات المتحدة باعتبارها علاقة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على التعاون الأمنى أو العسكرى، بل تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار، ويأتى الحديث عن عقد الدورة الثانية من المنتدى الاقتصادى المصرى الأمريكى فى 2026 ليؤشر إلى توجه عملى لإعادة تنشيط المسار الاقتصادى، وجذب الاستثمارات الأمريكية، فى توقيت تسعى فيه مصر إلى توسيع قاعدة الشراكات الدولية ودعم مسار الإصلاح الاقتصادى.
وفى المقابل، يحمل الثناء الأمريكى على دور الرئيس السيسى فى تحقيق الاستقرار والتنمية دلالة مهمة، إذ يعكس اعترافا بدور مصر كركيزة للاستقرار فى منطقة تعانى من أزمات متلاحقة؛ كما يشير إلى استمرار الرهان الأمريكى على القاهرة كشريك موثوق فى ملفات الأمن الإقليمى، وهو ما يتسق مع الطابع التاريخى للعلاقة بين البلدين.
وعلى الصعيد الإقليمى، فيكشف اللقاء عن اتساع أجندة التنسيق المشترك، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فتثمين الرئيس السيسى لدور الرئيس ترامب فى وقف حرب غزة، والتأكيد على الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، يعكس تمسك مصر بدورها التقليدى كوسيط رئيسى فى هذا الملف، وسعيها إلى تثبيت التهدئة وربطها بمسار التعافى المبكر وإعادة الإعمار، كما أن الإشارة إلى تشكيل لجنة وطنية فلسطينية لإدارة القطاع تعكس توجها نحو معالجة شاملة تتجاوز البعد الأمنى إلى إعادة بناء مؤسسات الحكم والإدارة.
خطوط القاهرة الحمراء.. وتجاوب ترامب.. لا شك أن الرئيس السيسى عندنا يضع خطوطا حمراء فى أى من الملفات المرتبطة ارتباطا مباشرا بالأمن القومى المصرى، فإن القادة المؤثرين فى العالم يتلقفونها بشكل جدّى لا رعونة فيه، رأينا ذلك فى تعاطى الرئيس الأمريكى مع ملف السودان، حيث إن القمة المصرية الأمريكية تبرز إدراكا مشتركا لخطورة استمرار الصراع على استقرار الإقليم بأكمله، لا سيما فى ظل التداعيات الإنسانية والأمنية المباشرة على دول الجوار، وفى مقدمتها مصر، ويعكس ما تم طرحه خلال اللقاء حرص القاهرة على تدويل الجهود الإنسانية والسياسية بما يخفف من عبء الأزمة ويقود إلى تسوية مستدامة.
كما أن ملف مياه النيل شغل مساحة لافتة فى المباحثات، حيث يعكس اهتمام الرئيس الأمريكى به إدراكا لحساسية القضية بالنسبة لمصر باعتبارها مسألة وجودية، كما أن دعوة الرئيس السيسى إلى رعاية أمريكية لتسوية الأزمة تشير إلى رغبة مصر فى تفعيل دور أطراف دولية مؤثرة لإعادة إحياء مسار تفاوضى عادل، قائم على القانون الدولى، مع التأكيد على منطق التعاون والمصالح المشتركة داخل حوض النيل.
ولا يقل ملف لبنان أهمية، إذ يبرز تأكيد الرئيس السيسى على الدور الأمريكى فى وقف الاعتداءات والانتهاكات كرسالة داعمة لاستعادة الدولة اللبنانية لقدرتها على بسط سيادتها، فى ظل أوضاع أمنية وسياسية هشة تهدد بتوسيع دائرة عدم الاستقرار فى شرق المتوسط.
وختاما، فإن هذه القمة «التاريخية» بين الرئيسين فى دافوس، أراها تعكس حرصا متبادلا على تثبيت الشراكة المصرية الأمريكية، وتوظيفها فى إدارة ملفات إقليمية معقدة، من غزة والسودان إلى مياه النيل ولبنان. كما أن مخرجات هذه القمة تؤكد أن القاهرة لا تزال لاعبا محوريا فى معادلات الاستقرار الإقليمى، وأن علاقتها بواشنطن تمثل أحد الأطر الأساسية لتحريك حلول سياسية واقتصادية فى منطقة تعانى من أزمات متشابكة.
