ايجارات - أرشيفية
شهدت القوانين المنظمة للعلاقة بين المؤجر والمستأجر في مصر تطورات كبيرة ومتلاحقة، وذلك كله سعيًا نحو تحقيق التوازن المفقود بين حق المالك في الانتفاع بملكيته وحق المستأجر في الاستقرار، ومع صدور القانون رقم 164 لسنة 2025، يأتي التشريع الجديد ليُقدم حلولًا حاسمة لبعض المشكلات التي استعصت على القوانين السابقة، إلا أن هناك العديد من المشكلات والأزمات التي تعتبر بمثابة قنابل موقوتة في القانون تحتاج إلى تفسير وطرح مختلف كى تصل إلى جموع الملاك والمستأجرين.
وأبرز هذه المشكلات هي تعنت الملاك، ومعاناة المستأجرين في سداد الأجرة، والوسائل التقليدية والحديثة في السداد، وكذا مشكلات إحتساب الأجرة للأماكن الغير سكنية، فالأجرة هي الإلتزام الرئيسى علي المستأجرين، وهو إلتزام دوري متجدد بحسب الأحوال شهرياً أو سنوياً أو حتي نصف سنوي، ورتب القانون جزاء علي الإخلال بهذا الإلتزام وهو الطرد والإخلاء من العين المؤجرة.

تعنت الملاك.. ومعاناة المستأجرين في سداد الأجرة
في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على العديد من الإشكاليات وحلولها بالنسبة لتعنت الملاك، ومعاناة المستأجرين في سداد الأجرة، والوسائل التقليدية والحديثة في السداد، وكذا مشكلات إحتساب الأجرة للأماكن الغير سكنية، فلم تكن الأجرة قبل صدور القانون 164 لسنة 2025 تثير أية مشكلة للمستأجرين نظراً لضآلتها وقلة قيمتها، ومن هنا كان يعزف الملاك عن طلبها ترفعاً واستغناء وحسرة علي أملاك تدر جنيهات معدودة لا تغني ولا تثمن من جوع في حين كان المستأجرون يلجأون إلي عرض الأجرة سنويا نظراً لقلة قيمتها، وكنا نشاهد المستأجر وهو يقوم بعرض الأجرة علي المالك لمدة خمس سنوات قادمة، وكان المالك يجد عناء في تحصيلها وربما ينفق أكثر مما يحصله فكان يعرض عنها بل احيانا يرفضها غضبا واعتراضا – بحسب الخبير القانوني والمحامى بالنقض إبراهيم سليمان.
في البداية - وبصدور قانون الإيجارات الجديد تعدلت الأجرة سواء للأماكن السكنية أو غير السكنية، وأصبحت تمثل قيمة ملحوظة نظراً للزيادة المقررة والزيادة السنوية المصاحبة لها ومن هنا جاءت المشكلة، إذ وجد المستأجر - الذي كان يقوم بعرض لسنوات مقبلة نفسه مضطراً لعرضها علي المالك بداية كل شهر نظراً لزيادتها، كما ولعدم قدرة الكثير من المستأجرين علي العرض القانوني للأجرة لسنوات قادمة أو ربما لشهور فالزيادة المقررة أصبحت تستنزف ميزانية كثير من الأسر محدودي الدخل - في حين وجد الملاك أنفسهم في حيرة أيضاً ومشقة البحث عن الأجرة التي قام المستأجر بعرضها أو إيداعها خزانة المحكمة لصالح الملاك، ويزيد الطين بله إذا كان الملاك مجموعة من الورثة فهم مطالبون جميعاً بتقديم طلب سحبها واستردادها وما يتطلبه ذلك من إجراءات قد تنتهي إلي عدم إمكانية صرفها لوجود مشكلات ضريبية أو مطالبات قضائية عليهم – وفقا لـ"سليمان".

سداد الأجرة بشكل دورى وشهرى يتوقى أحكام الطرد
ومن هنا سوف نبحث عن أحكام الأجرة في القانون من حيث كيفية سدادها واستيفائها والمطالبة بها - وجزاء الإخلال بها - إذ أن الأجرة بحسب الأصل هي إلتزام علي المستأجر، وتُعد دين في ذمته، وهي بهذا الوصف وكونها ديناً، فالأصل فيه أنه مطلوب وليس معروض، وهو ما يعني أن المالك عليه أن يطالب بالأجرة المستحقة له، فإذا امتنع المستأجر عن السداد عليه أن يثبت هذا الإمتناع بالطريق الذي رسمه القانون، فإذا ما تحقق ذلك كان له أن يطالب بطرده من العين المؤجره وإخلائه منها ومن جميع الأشخاص والمنقولات الموجودة بها، وإذا تحققت المحكمة من واقعة عدم السداد والإمتناع عن الوفاء تحكم بالطرد ومع هذا يستطيع المستأجر أن يتوقي حكم الطرد إذا ما قام بسداد الأجرة والمصروفات التي تكبدها المالك قبل قفل باب المرافعة، ولكن في حالة التكرار يكون الجزاء هو الطرد – الكلام لـ"سليمان" .
هذا ووقد سبق وأن أكدت محكمة النقض أن: "سداد الأجرة يعد وفاء مبرءا للذمة ولا محل للقول بالتأخير أو الإمتناع طالما ثبت السداد بأي وسيلة معتبرة قانونا"، كما قررت أيضا أن الوفاء الصحيح يرتب حتما براءة الذمة وانقضاء الالتزام .

لكن ما معني الوفاء الصحيح الذي يبريء الذمة؟
الوفاء الصحيح هو الوفاء بالأجرة المقررة قانونا والتي حددها قانون الإيجارات الأخير، وما سبقه من قوانين تعد أساس في إحتساب الأجرة، وإن كانت القوانين السابقة تباينت في تحديد الزيادة للأماكن السكنية عن الأماكن غير السكنية والتي اختصها المشرع بالزيادة بنسب مختلفة وفقا لتاريخ البناء بداية من القانون 136 لسنة 1981 ومرورا بالقانونين 6 لسنة 1997 و14 لسنة 2001 وإنتهاء بالقانون 164 لسنة 2025، فقد نجم عن ذلك مشكلات تتعلق بكيفية حساب الأجرة سيما وأن الزيادة المفروضة أخيرا تحسب علي أساسها وهو ما كان يتغاضي عنه بعض الملاك لكن بصدور القانون الأخير بدأت تطفو علي السطح تلك المشكلات وتلج أبواب المحاكم حول كيفية إحتسابها وفقا لصحيح القانون – هكذا يقول الخبير القانونى .
كيفية سداد الأجرة وكيفية إثبات عدم المطالبة بها
إذا كان الدين مطلوب - إذ يجب علي الدائن أن يسعي إلي تحصيله - فالتساؤل إذن ماذا لو لم يطالب الدائن به وهل يعد عدم المطالبة نزول عنه أو أنه يخضع لقواعد التقادم المقررة في القانون؟ فالأصل أو القاعدة المقررة هي براءة الذمة حتي يثبت العكس فإذا ما تقاعس المالك في المطالبة بالأجرة وسكت عنها هل يسكت المستأجر ويمتنع عن الوفاء؟ لا شك أن القول بذلك يؤدي إلي فتح الباب للمماطلة وأكل الحقوق، إذ أن الإلتزام بالوفاء بالأجرة وإن سقط بالتقادم الذي قرره القانون إلا أنه مع ذلك يظل معلقا برقبة المستأجر لا يسقط عنه يوم العرض العظيم – طبقا لـ"سليمان".

لكن أمام عدم المطالبة بالأجرة ماهي الوسائل القانونية المتاحة للوفاء؟
يعد العرض القانوني علي يد محضر أحد الوسائل التقليدية لإبراء ذمة المستأجر، وهو الوسيلة الشائعة والأكثر في التعامل لكن ينجم عنها معاناة لكثير من الناس كبار السن والمرضي الذين تضطرهم الظروف إلي الذهاب الي المحكمة أول كل شهر لعرض الأجرة نظرا لتعنت المالك في استلامها أو لوجود خصومة قديمة بين المالك والمستأجر تمنع كل منهما أن يقابل الآخر وفي أحيان كثيرة تثير الريبة إذا ما تشكك المستأجر في صحة الإيصال المرسل له وفي توقيع المالك عليه وهو حيلة كان يلجأ إليها بعض الخبثاء وعديمي الذمم من الملاك لإثبات الامتناع عن الوفاء أو تكرار الامتناع، وهو ما كان يدفع المستأجرين إلي العرض القانوني للأجرة تجنباً لهذه المخاطرة – كما يرى "سليمان" .
وفى الأخير يؤكد: لذلك يجب البحث في وسائل جديدة حديثة تبيح للمستأجرين عرض الأجرة خلاف انذارات العرض التي تكبدهم المشقة والمعاناة شهريا، وهو ما يدعونا للتساؤل عن طرق جديدة للوفاء ولعل أبرزها السداد الإليكتروني والذي تلجأ إليه كل مرافق الدولة حاليا أو عن طريق المحافظ الإليكترونية وهو ما يخفف العبء والمعاناة عن كاهل المواطنين، ويرفع عنهم المشقة سواء للملاك أو المستأجرين، إذ يمكن للمالك إخطار المستأجر بذلك "حساب بنكي - محفظة الكترونية"، وهو ما يخفف العبء علي أقلام المحضرين التي أصبحت تكتظ أول كل شهر بطوابير المواطنين ولا شك أن هذا الأمر يحقق مصلحة طرفي العلاقة الايجارية - المالك والمستأجر - إذ أن كلا منهما سوف يجد سهولة ويسر سواء في السداد أو الاستيفاء وحيث تكون المصلحة يكون الشرع وحيث يكون الشرع يكون القانون .