أطفال الشوارع يمثلون تحديًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا يمس كرامتنا جميعًا، إنهم ضحايا ظروف قاسية يستحقون منا وقفة جادة وعملًا مخلصًا لانتشالهم من براثن الإهمال والاستغلال.
"أطفال الشوارع" في ميزان الشرع والإنسانية
هم ليسوا مجرمين ولا جانحين بطبيعتهم، بل هم ضحايا، أطفال سُلبت منهم طفولتهم، حُرموا من أبسط حقوقهم التي كفلها لهم ديننا الحنيف والفطرة السليمة: حق التعليم، وحق الصحة، وحق الأمان، أُجبروا على مواجهة قسوة الحياة في سن غضة، فأصبحوا عرضة للعنف، والاستغلال الجنسي، والإدمان، والأمراض، ويعيشون في دوامة من الفقر واليأس لا قبل لهم بها، إنهم مرآة تعكس الخلل في بنية مجتمعنا، ونداء عاجل لنا جميعًا.
مفهوم أطفال الشوارع: هم أولئك الذين اضطروا بحكم ظروف قاهرة أن يتخذوا من الشارع مأوى لهم بشكل دائم أو شبه دائم، يفتقرون للحماية والرعاية الأسرية الكافية، وهم فئات مختلفة:
أطفال يقيمون في الشارع تمامًا: ليس لهم مأوى سوى الشارع، ينامون في العراء(الحدائق العامة – أرصفة الشوارع)، تحت الجسور، أو في المباني المهجورة.
أطفال يعملون في الشارع ويعودون إلى منازلهم: يقضون معظم النهار في الشارع للعمل في (التسول، بيع السلع البسيطة، جمع القمامة) ثم يعودون إلى منازل فقيرة أو أسر مفككة.
أطفال في الشارع مع أسرهم: يرافقون أسرهم التي تعيش في الشارع، لكنهم يظلون عرضة لمخاطر الشارع المباشرة.
ملامح وأضرار تئن منها النفوس وتقشعر لها الأبدان
إن هذه الظاهرة تُخلف وراءها سلسلة من الأضرار والآثار السلبية المدمرة، التي لا تقتصر على هؤلاء الأطفال فحسب، بل تمتد لتفتك بالمجتمع كله:
ضياع مستقبلهم الدنيوي والأخروي: يُحرمون من التعليم، ويتعلمون السلوكيات المنحرفة من بيئة الشارع، مما يدفعهم إلى الانحراف، ويُحوّلهم إلى محتالين أو مجرمين أو متسولين، فيضيع مستقبلهم في الدنيا وتُهدد آخرتهم.
تدهور صحتهم وأمراض تفترس أجسادهم الضعيفة: يتعرضون لأمراض خطيرة بسبب سوء التغذية وتناول الأطعمة الفاسدة، والإقامة في أماكن تفتقر لأدنى معايير النظافة.
اضطرابات نفسية وعقلية تدمر أرواحهم: يعانون من ضغوط نفسية شديدة تولد الكراهية والانكسار، وتضعف صحتهم العقلية والنفسية.
التعرض لأبشع أنواع الاستغلال والإساءة: هم صيد سهل للجماعات الإجرامية التي تمتهن البغاء، والاتجار بالبشر، واستغلالهم في الدجل والشعوذة، وترويج المخدرات. تشير الإحصائيات الموثقة إلى أعداد صادمة لأطفال يُستغلون في الدعارة، والمواد الإباحية، ويقعون ضحايا للاتجار بالبشر.
تفاقم الجريمة المنظمة في المجتمع: يصبحون أدوات في أيدي العصابات، يُستخدمون في عمليات السطو، السرقة، وتوزيع الممنوعات، مما يؤثر على الأمن العام ويهدد استقرار الأوطان.
انتشار الانحراف والإدمان: لغياب الرادع يلجأون إلى المخدرات والخمور والسجائر، وتنتشر بينهم الانحرافات الجنسية، مما يسهل زجهم في عالم الجريمة، وينقل هذه الآفات إلى أطفال آخرين يتعاملون معهم.
النبذ والاحتقار: يُعاني هؤلاء الأطفال من نبذ وازدراء المجتمع، مما يزيد من عزلتهم ويدفعهم نحو مزيد من الانحراف.
واجبنا الديني والإنساني تجاه أطفال الشوارع
قضية أطفال الشوارع ليست مجرد قضية اجتماعية عابرة، بل هي انتهاك صارخ لمبادئ وقيم ديننا الحنيف، فالإسلام دين الرحمة والعدل، أعطى عناية فائقة للأطفال، مما يوضح أن ظاهرة أطفال الشوارع تناقضًا صريحًا مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل، وترشدنا الآيات والأحاديث على الواجبات الدينية والإنسانية نحو كل أبناء مجتمعاتنا، فهي إن لم تنص صراحة على أطفال الشوارع إلا أنها جاء فيه وصايا وأوامر بالإحسان إلى فئات مشابهه لها، ومنها على سيبيل المثال:
الترغيب في رعاية اليتيم والمسكين: يشدد القرآن الكريم على رعاية اليتيم، ويوسع مفهومه ليشمل كل طفل محروم من الرعاية، فقد والديه أو فقد الحماية الأسرية:
قال الله تعالى: {فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ * وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ} [الضحى: ٩-١٠] ، فهذا التوجيه الرباني للجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم - يرشدنا إلى تحريم قهر اليتيم وإذلال السائل، وهؤلاء الأطفال هم في قمة الحاجة لهذه المعاملة القرآنية.
وقال سبحانه وتعالى: {وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: ٨-٩] ، وتوضح الآية الكريمة فضل الإطعام والتكفل بمن فقد من يرعاه أو وقع ضحية ظروف خاصة جعلته بحاجة للمساعدة.
التعاون على البر والتقوى: تدعونا الشريعة إلى التكافل الاجتماعي والتراحم:
{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ} [المائدة: ٢] ، فلو عممنا الأمر الإلهي بالتعاون على الخير والبر والتقوى ، لوجدنا أن رعاية أطفال الشوارع هي من أعمال البر والتقوى.
من السنة النبوية الشريفة:
وكما جاءت الآيات الإلهية بأوامر ربانية، جاءت السنة النبوية بمثلها تأكيدًا لها وحثًا على العمل بها، ومنها أحاديث كثيرة تؤكد على الأجر العظيم لكافل اليتيم، وهذا المفهوم يشمل كل من يرعى طفلًا بلا مأوى:
عَنْ سَهْلٍ - رضي الله عنه - قَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - : «وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» [صحيح البخاري (٥٣٠٤) - ط السلطانية ٧/٥٣] ،هذا الحديث يحفزنا على كفالة كل طفل محتاج.
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ أَوْ يَتِيمَةٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ إِصْبُعَيْهِ» [مسند أحمد (٢٢٢٨٤) - ط الرسالة ٣٦/٦١٤ ] ، فعموم توجيه الخطاب الصادر من الجناب النبوي - صلى الله عليه وآله وسلم – يشمل المجتمع بأكمله ووجوب العطف على هؤلاء الأطفال.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ،...» [صحيح البخاري (٧١٣٨) - ط السلطانية ٩/٦٢]، هذا الحديث يؤكد على مسؤولية ولي الأمر عن الرعية، وهذه المسؤولية تشمل كل فرد من رعيته، وهؤلاء الأطفال هم جزء من هذه الرعية.
الرؤية الفقهية لظاهرة أطفال الشوارع:
الباحث في الأحكام الفقهية يجد أنها تضمَّنت حلولًا شرعية متكاملة لظاهرة أطفال الشوارع تعالج جانبيْ المشكلة الرئيسيَّيْن: الجانب البشري (افتقاد الطفل للراعي والكفيل)، والجانب المالي (توفير النفقة والموارد اللازمة له)، وذلك من خلال الضوابط التالية:
وجوب النفقة والكفالة: أجمع الفقهاء على وجوب النفقة على المحتاجين، وهذا يشمل الأطفال الذين لا عائل لهم، إذا لم يوجد من ينفق عليهم من الأقارب، وتنتقل المسؤولية إلى بيت مال المسلمين (الدولة)، وإلى الأغنياء من المسلمين عمومًا.
الولاية على الأطفال: أكد الفقهاء على ضرورة وجود ولي شرعي على الأطفال، وإذا فقد الطفل وليه، فإن الولاية تنتقل إلى القاضي، ثم مؤسسات إلى المجتمع.
دور الوقف الإسلامي: لعبت الأوقاف الإسلامية دورًا تاريخيًا كبيرًا في رعاية الأيتام، وتوفير المأوى والطعام والتعليم لهم، وهي نموذج يحتذى به في معالجة هذه الظواهر.
إجراءات علاج واحتواء ظاهرة أطفال الشوارع
معالجة هذه الظاهرة تتطلب منا إجراءات شاملة ومستدامة، تجمع بين الوقاية والعلاج والتأهيل، ولا يمكن أن تنجح إلا بتضافر جهود كل فرد في هذا المجتمع:
سرعة المعالجة الجذرية للأسباب:
برامج مكافحة الفقر: توفير فرص عمل كريمة، ودعم الأسر المنتجة، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي حتى لا يُضطر الأطفال للعمل.
دعم الأسرة: توفير التوعية والمشورة للأسر التي تعاني من التفكك أو العنف.
التعليم المجاني والإلزامي: ضمان وصول جميع الأطفال للتعليم الجيد، وإعادة المتسربين للمدارس.
تعزيز الاستجابة الفورية والإنقاذ:
فرق الشارع المتخصصة: للتعرف على الأطفال في بيئاتهم وبناء الثقة معهم.
مراكز الاستقبال المؤقتة: لتوفير مأوى آمن ورعاية أولية عاجلة.
برامج الرعاية والتأهيل:
مراكز الإيواء الدائمة: توفير بيئات شبيهة بالأسرة مع رعاية نفسية واجتماعية وصحية مستمرة.
التعليم والتأهيل المهني: دمجهم في التعليم أو تدريبهم على مهن تضمن لهم العيش الكريم.
الدعم النفسي والاجتماعي: لمساعدتهم على تجاوز الصدمات وبناء الثقة.
إعادة الإدماج الأسري والمجتمعي:
لم الشمل الأسري: العمل على إعادة الأطفال لأسرهم بعد التأكد من سلامة البيئة.
الكفالة والأسر البديلة: في حال تعذر لم الشمل، البحث عن أسر بديلة أو دمجهم في دور رعاية نموذجية.
متابعة ما بعد الإدماج: لضمان استقرار وضعهم ومنع عودتهم للشارع.
الإطار القانوني والتشريعي:
تفعيل قوانين حماية الطفل: وتطبيقها بصرامة على كل من يستغل الأطفال.
تسهيل الإجراءات القانونية: لتسجيل الأطفال وتوفير الأوراق الثبوتية لهم.
الشراكة المجتمعية:
دور منظمات المجتمع المدني: دعم جهود المنظمات المتخصصة.
المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص: تشجيع الشركات على دعم برامج التأهيل وتوفير فرص العمل.
حملات التوعية العامة: لزيادة وعي المجتمع بخطورة الظاهرة ودوره في معالجتها.
نداء للرحمة والعمل: "حماية الطفولة مسؤوليتنا جميعًا"
القضاء على هذه الظاهرة ليس مجرد عمل إنساني، بل هو عبادة عظيمة وقربة إلى الله تعالى، فبجهودنا المخلصة: نحمي جيلًا كاملًا ونبني مستقبلًا واعدًا: نحول الأطفال من ضحايا إلى أفراد فاعلين ومنتجين في المجتمع، وننقذهم من الضياع.
نعزز الأمن والاستقرار الاجتماعي: يقلل ذلك من معدلات الجريمة، وينشر شعورًا بالأمان والتماسك.
نحسن الصورة الحضارية لمجتمعنا: يعكس اهتمامنا بالضعفاء والمهمشين تحضرنا ورقينا.
نحقق تنمية اقتصادية وبشرية: يصبح هؤلاء الأطفال قوة عاملة مستقبلية تساهم في التنمية.
نرسخ قيم الرحمة، التعاطف، التكافل، والعدالة، التي هي جوهر ديننا الحنيف.
نكسر دائرة الفقر واليأس: ونمنح هؤلاء الأطفال فرصة حقيقية لبناء حياة أفضل.
علينا أن نكون «كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [البخاري (٦٠١١)]، فلنمد أيدي العون والمحبة لهؤلاء الصغار، ولنجعل من مجتمعاتنا حصونًا تحمي طفولة أبنائها، نرجو بذلك عون الله وتوفيقه، ونيل رضاه وجنته.