الأحد، 22 مارس 2026 10:31 ص

الاستجواب بين الضرورة والضمان.. جدل حول المادتين 63 و104 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية.. قراءة تحليلية لمدى جواز ما يجوز لمأمور الضبط القضائي المندوب بالنسبة للنيابة العامة بحالات استجواب المتهم دون محامٍ

الاستجواب بين الضرورة والضمان.. جدل حول المادتين 63 و104 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية..  قراءة تحليلية لمدى جواز ما يجوز لمأمور الضبط القضائي المندوب بالنسبة للنيابة العامة بحالات استجواب المتهم دون محامٍ استجواب المتهم - أرشيفية
الأحد، 22 مارس 2026 09:00 ص
كتب علاء رضوان

لازال الحديث مستمراً حول كتاب الاعتراض على عدد من مواد مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، والذي تم عرضه أمام الجلسة العامة لمجلس النواب منذ عدة أيام، حيث أن الاعتراضات جاءت في 8 مواد رئيسية، رأت الرئائة ضرورة إعادة النظر فيها لتحقيق التوازن بين مقتضيات العدالة وضمان الحقوق الدستورية.

 

وجاء في كتاب رئيس الجمهورية أن المواد محل الاعتراض تتعلق بتنفيذ القانون وضمانات الاستجواب المتعلقة بالمادتين 63 و104 من مشروع قانون الإجراءات، وكذا وضمانات حرمة المساكن وتنظيم الحبس الاحتياطي والإعلانات القضائية، وغيرها من المسائل المرتبطة بسير العدالة الجنائية، وجاءت أبرز الاعتراضات كالتالي: المادتين 63 و104 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية، وذلك من خلال قراءة تحليلية في مدى جواز ما يجوز لمأمور الضبط القضائي المندوب بالنسبة للنيابة العامة في حالات استجواب المتهم دون محامٍ. 

 

1 استجواب

 

المبحث الأول: خطورة الاستجواب وأثره على ضمانات الدفاع

 

في التقرير التالى، يلقى "برلماني" الضوء على إشكالية المادتين 63 و104 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية، حيث يُعدّ الاستجواب من أخطر إجراءات التحقيق، إذ يتضمن مواجهة المتهم بالأدلة القائمة قبله ومناقشته فيها تفصيلًا، لتمكينه من دحضها أو الاعتراف بها، وقد قررت محكمة النقض أن: "الاستجواب إجراء خطير يتضمن مجابهة المتهم بالأدلة المختلفة قبله ومناقشته تفصيلًا..."، وذلك في الطعن رقم 213 لسنة 33 قضائية، الصادر بجلسة 22 ديسمبر 1982 – بحسب أستاذ القانون الجنائى والمحامى بالنقض الدكتور ياسر الأمير فاروق.

 

في البداية - يكتسب هذا الإجراء خطورته لما قد ينطوي عليه من ضغط نفسي على المتهم، قد يدفعه إلى الإدلاء بأقوال تمسّ حقه في الدفاع وحريته الشخصية، ولذا أحاط المشرّع المصري الاستجواب بضمانات جوهرية، أهمها أن يباشره عضو من سلطة التحقيق بنفسه، فلا يصح له أن يندب أحد رجال الضبط القضائي لإجرائه مع لزوم حضور محامٍ مع المتهم، وفق المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية الحالي – وفقا لـ"فاروق". 

 

7 استجواااب

 

المبحث الثاني: الاستجواب في ظل القانون القائم: بين الأصل والاستثناء

 

ورغم أن المشرع حظر في المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية استجواب المتهم دون محامٍ، فإن لم يكن له محامٍ ندبت النيابة العامة له محامٍ، إلا أن ذات النص أجاز استجواب المتهم دون محامٍ في حالتي "التلبس والخوف من ضياع الأدلة"، وهو استثناء ضيّق توسّعت محكمة النقض في تطبيقه، فأضافت إليه حالة "تعذّر ندب محامٍ"، طبقا للطعن رقم 9201 لسنة 78 قضائية، الصادر بجلسة 5 يونيو 2009، تأسيسًا على فكرة الضرورة، رغم أن القياس في موضع الاستثناء غير جائز - وفقا لـ"فاروق".

 

كما رأت محكمة النقض أنه لا تعارض بين المادة "54" من الدستور – التي نصت على أنه: "لا يبدأ التحقيق مع المتهم إلا بحضور محامٍ" – وبين الاستثناء الوارد في المادة "124"، مستندة إلى أن عبارة: "وفقًا للإجراءات المقررة في القانون" تجيز للمشرّع وضع استثناءات تراعي مصلحة التحقيق، طبقا للطعن رقم 14727 لسنة 89 قضائية، الصادر بجلسة 19 نوفمبر 2017 – الكلام لـ"فاروق". 

 

6 استجواب

 

المبحث الثالث: الاستجواب في مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد

 

نصّت المادة "63" من مشروع قانون الإجراءات الجنائية على أنه: "يجوز لعضو النيابة العامة من درجة مساعد نيابة على الأقل أن يندب أحد مأموري الضبط القضائي للقيام بعمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق عدا استجواب المتهم، ويكون لمأمور الضبط القضائي المندوب، في حدود ندبه، كل السلطات المخولة لمن ندبه، وله أن يجري أي عمل آخر من أعمال التحقيق، وأن يستجوب المتهم في الأحوال التي يُخشى فيها فوات الوقت، متى كان متصلًا بالعمل المندوب له ولازمًا لكشف الحقيقة"، وهو نص يواجه في فقه الاجراءات الجنائية ما يسمي بالخطر الآني ويعرف بأنه وضع يهدد  بفقدان دليل جنائي، ويستدعي تدخل فورى دون تأجيل – هكذا يقول أستاذ القانون الجنائى.

 

 

بينما نصّت المادة "104" من ذات المشروع على أنه: "لا يجوز لعضو النيابة العامة أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محامٍ، وجب على المحقق أن يندب له محاميًا، وإذا لم يحضر المحامي بعد دعوته، جاز للمحقق أن يندب محاميًا آخر"، وطبقا لهذا النص لم يعد للنيابة العامة سلطة في استجواب المتهم دون محامٍ تحت أي ظرف من الظروف – طبقا لـ"فاروق". 

 

9 استجواب

 

المبحث الرابع: الجدل التشريعي حول سلطة النيابة العامة

 

ذهب الرأي المعترض إلى أن ثمة تعارضًا ظاهريًا بين النصين، إذ أجازت المادة "63" لمأمور الضبط القضائي المندوب استجواب المتهم في حالة الضرورة القصوى، بينما حظرت المادة "104" على النيابة العامة – وهي السلطة الأصلية للتحقيق – أن تستجوب المتهم دون حضور محامٍ حتى في الأحوال الاستثنائية، وقد بدا هذا التباين – في ظاهر الأمر – إخلالًا بمراتب السلطات الإجرائية، إذ لا يُعقل أن يُرخّص للأدنى ما يُمنع على الأعلى، وانتهى الاعتراض إلى لزوم منح النيابة العامة سلطة الاستجواب دون محامٍ في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت متى كان الاستجواب لازمًا لكشف الحقيقة، أسوة بمأمور الضبط القضائي – هكذا يرى "فاروق".

 

المبحث الخامس: التحليل الموضوعي والتقدير القانوني

 

غير أن هذا الاعتراض لا يقوم على أساس صحيح، لأن المادتين لا تتعارضان في جوهرهما، إذ تعالجان حالتين مختلفتين من حيث طبيعة الظرف الإجرائي ومدى قيام الخطر الآني، فضلًا عن اختلاف الزمان والمكان الذي يجري فيهما التحقيق. 

 

8 استجواب

 

أولًا: طبيعة الظرف الإجرائي:

 

المادة "63" تتناول حالة الندب، وهي وضع استثنائي يُمنح فيه مأمور الضبط القضائي – في حدود ندبه – بعض سلطات التحقيق، مع الترخيص له في استجواب المتهم الذي يُخشى إن لم يقم به ألا يُستطاع لاحقًا القيام به على الوجه اللازم لكشف الحقيقة، ويشترط للاستجواب في هذه الحالة عدة شروط، أولها أن يكون هناك أمر صريح بالندب لاتخاذ إجراء معين مثل التفيش، وأن يكون الاستجواب لازمًا لكشف الحقيقة وليس فحسب مفيدًا، وأن يكون منع المندوب من مباشره الاستجواب على الفور من شأنه استحالة إجراءه في المستقبل، وأن يكون الاستجواب متصلًا بموضوع الندب، أما المادة "104"، فتتعلق بالاستجواب الذي تجريه النيابة العامة في الظروف العادية، حيث تكون يدها على المتهم ولا يتوافر خطر ضياع الوقت أو استحالة الاستجواب لاحقًا.

 

ثانيًا: اختلاف الزمان والمكان:

 

الاستجواب في المادة "63" يتم في ظرف زمني طارئ تُخشى فيه استحالة الإجراء لاحقًا، مثل إصابة المتهم إصابة بالغة أو محاولته الانتحار عند ضبطه، بينما الاستجواب في المادة "104" يجري في ظرف زمني عادي بعد استقرار التحقيق وسيطرة النيابة العامة عليه، دون وجود خطر زمني يبرر تجاوز الضمانات.

 

من حيث المكان، في المادة "63" يتم الاستجواب عادة في ميدان الواقعة أو مكان الضبط، حيث يمارس المندوب إجراءه في بيئة متحركة غير مستقرة قد لا تسمح بوجود المحامي أو بإجراءات التحقيق الرسمية، أما في المادة "104"، فالمكان هو مقر النيابة العامة حيث تتوافر جميع ضمانات الدفاع والإشراف القضائي الكامل. 

 

3 استوجاب

 

المبحث السادس: صور تطبيقية لحالة الخطر الآني

 

يمكن استظهار حالات يتحقق فيها الخطر الآني الذي يُبرّر استجواب المتهم من مأمور الضبط القضائي المندوب - منها علي سبيل المثال:

 

1- نُدب مأمور الضبط لتفتيش منزل متهم، فيعثر عليه مصابًا إصابة بالغة تهدد حياته، فيبادر المندوب إلى استجوابه فورًا قبل أن يفارق الحياة.

2- وندب مأمور الضبط لسماع شاهد مشرف علي الموت إذ يجوز لمأمور الضبط أن يواجه المتهم به.

3- وكذا ندب مأمور الضبط لتفتيش متهم يحرز اسلحة نارية ومفرقعات فيجده في حالة تسمم أو غيبوبة جزئية يحتمل معها فقدان الوعي، فيستجوب فورًا حول الأدلة المضبوطة قبل زوال إدراكه.

4- وأيضاً ندب مامور الضبط للقبض علي أعضاء خلية إرهابية، وأثناء ضبط أحد المتهمين يقر بوجود رهائن محتجزين مهددين بالقتل أو التفجير في الحال، فيجوز استجواب المتهم فورًا لكشف مكانهم أو إحباط الجريمة.

5-وأخيرا محاولة المتهم الانتحار أثناء تنفيذ إذن تفتيش مسكنه، فيكون الإستجواب العاجل لازمًا لكشف الدوافع أو الشركاء أو أماكن الأدلة.

 

ملحوظة: في هذه الصور، يكون الاستجواب متصلًا بالعمل المندوب له ولازمًا لكشف الحقيقة، ويقع ضمن نطاق الضرورة الإجرائية الناشئة عن الخطر الآني الذي يخشي معه فوات الوقت. 

 

2 استجواب

 

المبحث السابع: عدم جواز مساواة النيابة العامة بالمأمور المندوب في الاستجواب دون محامٍ

 

يستفاد من التأمل في نص المادتين "63" و"104" من مشروع قانون الإجراءات الجنائية أن المشرّع لم يضعهما في موضع تعارض، بل جعلهما متكاملتين في البناء التشريعي؛ فالمادة "63" تقرر استثناءً ضيقًا تفرضه حالة الضرورة الحالة أو الخطرالآني، يقتصر على مأمور الضبط القضائي المندوب من النيابة العامة، بينما جاءت المادة "104" لتُرسّخ الأصل العام في وجوب حضور المحامي أثناء الاستجواب متى باشرته النيابة العامة بنفسها، التزامًا بمتطلبات العدالة وضمانات الدفاع.

 

ويجد هذا التمييز سنده الدستوري فيما نصت عليه المادة "54" من الدستور المصري، والتي جاء فيها: "يُبلغ فورًا كل من تُقيد حريته بأسباب ذلك، ويُخطر بحقوقه كتابة، ويُمكَّن من الاتصال بذويه ومحاميه فورًا، وأن يُقدَّم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته، ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه. 

 

4 استجواب

 

الحظر الدستوري ينصرف إلى بدء التحقيق بمعرفة النيابة العامة دون غيرها

 

وإذ يُفهم من هذا النص أن الحظر الدستوري ينصرف إلى بدء التحقيق بمعرفة النيابة العامة دون غيرها، إذ إن عبارة "سلطة التحقيق" التي استخدمها الدستور تعني النيابة العامة بصفتها صاحبة الولاية الأصلية في مباشرة إجراءات التحقيق، وهي تعمل في بيئة قانونية تُمكّنها من بسط سلطتها الكاملة على المتهم والإجراءات كافة - ومن ثمّ - فإنها لا تواجه خطرًا آنيًا يخشي معه استحالة الاستجواب لاحقًا ويمكن أن يُبرّر تجاوز ضمانة حضور المحامي، لأن المتهم في نطاق سلطتها القانونية وتحت يدها، ويمكنها استجوابه في أي وقت بعد تمكينه من الاتصال بدفاعه.

 

وعلى العكس من ذلك، فإن المأمور المندوب يباشر عمله في ميدان متغير بطبيعته، وقد يفاجأ بظروف استثنائية تستلزم إجراءً الاستجواب فورا، وهنا فقط تنشأ حالة الخطر الآني التى بررت للمشرّع النص على الاستثناء في المادة "63"، باعتباره خروجًا مؤقتًا تفرضه الضرورة العاجلة، لا قاعدة دائمة. 

 

5 استجواب

 

الاستثناء الوارد بالمادة "63"

 

ويستفاد من ذلك أن الضرورة التي استندت إليها المادة "63" هي ضرورة واقعية وعارضة تبرر استثناءً مؤقتًا في حالات محدودة، بينما النيابة العامة لا تواجه مثل هذه الحالات بحكم طبيعة وظيفتها وموقعها في منظومة العدالة الجنائية - ومن ثمّ - فإن منحها سلطة استجواب المتهم دون محامٍ – بذريعة حالة الخطر الآني – أمر غير متصور ويُعد مخالفة صريحة للدستور، الذي أوجب حضور المحامي كضمانة أساسية لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ذريعة.

 

ويخلص من ذلك أن الاستثناء الوارد بالمادة "63" يظل قائمًا في مجاله الصحيح المرتبط بالعمل الميداني للمأمور المندوب، دون أن يُمد إلى النيابة العامة التي تظل ملزمة بأحكام المادة "54" من الدستور وبالأصل العام الذي قررته المادة "104" من مشروع القانون، حفاظًا على مبدأ المشروعية وصونًا لحقوق الدفاع. 

 

ضمانات
 
10 استجواب
 
القانون الجنائى والمحامى بالنقض الدكتور ياسر الأمير فاروق

 

 


print