في هذا السياق، تعمل وزارة الزراعة بالتعاون مع وزارة البيئة على تنفيذ خطة وطنية طموحة لمجابهة نوبات تلوث الهواء الحادة، وذلك ضمن الجهود المستمرة التي تبذلها الدولة لمواجهة مصادر التلوث، وعلى رأسها الحرق العشوائي لقش الأرز، لتحسين نوعية الهواء، والحفاظ على صحة المواطنين، إلى جانب الاستفادة الاقتصادية المثلى من المخلفات الزراعية.
أكد الدكتور علاء عزوز، رئيس قطاع الإرشاد الزراعي بوزارة الزراعة، أن التعامل مع المخلفات الزراعية، وعلى رأسها قش الأرز، يعد من أولويات الوزارة خلال هذا الموسم.
وأوضح أن الوزارة وضعت خطة متكاملة تستهدف تحقيق التوازن بين حماية البيئة وتعظيم العائد الاقتصادي للمزارعين، من خلال مجموعة من المحاور التنفيذية والتوعوية.
ووفقًا لتصريحات عزوز، ترتكز هذه الخطة على منع الحرق العشوائي للمخلفات الزراعية، عبر التوسع في الرقابة الميدانية وتكثيف الحملات الإرشادية، إلى جانب تعظيم الاستفادة الاقتصادية من قش الأرز بتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة مثل الأعلاف غير التقليدية والأسمدة العضوية، لتوفير بدائل محلية تعزز من الاكتفاء الذاتي في مجالات الزراعة والتغذية الحيوانية.
وتسعى وزارة الزراعة إلى تذليل العقبات الفنية أمام المزارعين من خلال دعمهم بالمعدات والآلات الزراعية اللازمة لجمع وفرم وكبس المخلفات، حيث يتم توفير هذه الآلات بأسعار مناسبة أو من خلال منظومة التأجير التعاوني، بما يسهل على المزارعين التعامل مع المخلفات دون اللجوء إلى الحرق.
كما تشمل الخطة تنفيذ حملات توعية وإرشاد ميداني لرفع وعي المزارعين بأهمية الإدارة السليمة للمخلفات الزراعية، بالإضافة إلى استخدام القنوات الرقمية والإعلام الزراعي في نشر رسائل التوعية، لضمان الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الفلاحين في مختلف المحافظات.
وأشار عزوز إلى أن الوزارة تعمل وفق رؤية شاملة لتحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية، حيث يتم ربط ملف الإدارة السليمة للمخلفات الزراعية بتحسين دخل المزارع وتوفير فرص عمل جديدة، بما يتماشى مع استراتيجية الدولة للزراعة المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي تأكيد على أهمية قش الأرز كمورد غير مستغل بشكل كافٍ، قال عزوز: "وزارة الزراعة لا تعتبر قش الأرز عبئاً بيئياً بل ثروة قومية إذا ما أُحسن استغلاله، ونحن حريصون على تشجيع الاستثمارات في الصناعات المرتبطة به، بالتوازي مع دورنا الإرشادي والتوعوي في القرى والنجوع".
وفيما يتعلق بتعزيز التكامل بين الوزارات، شدد رئيس قطاع الإرشاد الزراعي على أن التعاون بين وزارتي الزراعة والبيئة يمثل نموذجاً عملياً للتنسيق المؤسسي في مواجهة التحديات البيئية.
وأوضح أن هذه الجهود تنعكس بشكل مباشر على تحسين نوعية الهواء، حماية صحة المواطنين، ودعم الاقتصاد الأخضر، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030.
من جانبها، تواصل وزارة البيئة تنفيذ خطتها السنوية لمواجهة نوبات تلوث الهواء، من خلال غرفة عمليات تعمل على مدار الساعة لمتابعة كافة التطورات البيئية، بالإضافة إلى تكثيف حملات الرصد البيئي والتفتيش الميداني على أماكن الحرق المحتمل، بالتنسيق مع الإدارات المحلية والشرطة البيئية.
كما تعمل الوزارة على إنشاء مراكز لتجميع قش الأرز بالمناطق الزراعية، وتوفير حوافز مالية للمزارعين مقابل توريد القش، إلى جانب إصدار التصاريح والتراخيص اللازمة للمتعاملين في إعادة تدوير المخلفات الزراعية، وهو ما يسهم في تقنين الوضع وزيادة كفاءة منظومة الإدارة المستدامة للمخلفات.
السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في نسبة الحرق المكشوف لقش الأرز نتيجة تضافر الجهود الحكومية وتنامي وعي المزارعين. وقد ساعدت هذه النتائج في تقليل أيام التلوث الحاد خلال فصل الخريف، وتحسين المؤشرات البيئية في عدد من المحافظات الكبرى مثل الدقهلية والشرقية وكفر الشيخ.
وفي هذا الإطار، تؤكد الحكومة أن هذه الإنجازات ما كانت لتتحقق لولا التعاون بين الجهات المعنية، والدعم الفني واللوجستي الذي توفره الدولة للمزارعين، وتفعيل آليات الرقابة والمتابعة المستمرة.
رغم هذه الجهود، لا تزال هناك تحديات قائمة تتعلق بتوسيع قاعدة المشاركة المجتمعية، وتوفير بدائل اقتصادية مجدية على نطاق أوسع للمزارعين، وضمان استدامة الحلول دون الاعتماد على التدخل الحكومي المستمر وهنا يأتي دور القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في دعم منظومة الاقتصاد الدائري وتعزيز الوعي البيئي في الريف المصري.
يذكر أن الحكومة تتبنى نهجًا استباقيًا متعدد الأبعاد في مواجهة السحابة السوداء وظاهرة حرق قش الأرز، من خلال تكامل الجهود بين وزارة الزراعة ووزارة البيئة، وبدعم من أجهزة الدولة المختلفة، ولا تقتصر هذه الجهود على المعالجة اللحظية، بل تمتد إلى بناء منظومة شاملة لإدارة المخلفات الزراعية بشكل مستدام، تضمن الحفاظ على البيئة، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الاقتصاد الوطني من خلال الاستثمار في موارد كانت تعتبر من قبل عبئًا بيئيًا وبذلك، تواصل مصر خطواتها الجادة نحو التحول إلى الاقتصاد الأخضر، وتحقيق التنمية المستدامة، في إطار رؤية وطنية واعية بأهمية التوازن بين التنمية والبيئة.