تقف فرنسا هذه الأيام علي حافة أزمة سياسية غير مسبوقة، وسط مؤشرات قوية على أن حكومة رئيس الوزراء فرانسوا بايرو باتت مهددة بالسقوط في سبتمبر المقبل، بعد أن خسر دعم أطراف حاسمة داخل البرلمان، ووسط عجز حكومته عن خفض العجز المالي المتفاقم.
وبحسب تقرير موسع نشرته صحيفة بوليتيكو وصحف فرنسية أخرى، فإن الرئيس إيمانويل ماكرون يجد نفسه أمام ثلاثة خيارات رئيسية، جميعها محفوفة بالمخاطر: تعيين رئيس وزراء جديد، أو الدعوة لانتخابات مبكرة، أو حتى مواجهة ضغوط متصاعدة تطالبه بالاستقالة.
وقد بدأت المواجهة حين قرر بايرو الذي يقود حكومة أقلية هشة تحدي خصومه بالتصويت على الثقة في 8 سبتمبر المقبل، في خطوة وصفت بأنها "مقامرة سياسية"، لكن الأحزاب المعارضة سارعت إلى إعلان نيتها التصويت ضده، ما يجعل فرص بقائه ضئيلة للغاية.
وأعلنت حركة "فرنسا المتمردة" بزعامة جان لوك ميلينشون، منذ اللحظة الأولى أنها ستتحرك لإسقاط الحكومة، و كذلك الحزب الاشتراكي الذي كان يتردد سابقًا في اتخاذ هذا الموقف، وقرر الانضمام إلى المعسكر المناوئ، حتى "التجمع الوطني" اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، الذي طالما امتنع عن التصويت في اقتراحات سابقة، يبدو عازمًا هذه المرة على الإطاحة ببايرو.
كما عبرت مصادر قريبة من مكتب بايرو عن صدمتها من موقف اليمين المتطرف، مؤكدة أن لوبان كانت تفضل ترك مسؤولية معالجة العجز المالي للحكومة الحالية، لكن الواضح أن الحسابات السياسية تغيرت، والكل يستعد لاستغلال اللحظة لإعادة ترتيب المشهد.
وإذا سقطت حكومة بايرو، سيصبح ماكرون أمام ثلاثة سيناريوهات، جميعها صعبة أولها تعيين رئيس وزراء جديد، حيث يبقى الخيار الأول أمام ماكرون أن يلجأ لتعيين شخصية جديدة من المعسكر الوسطي أو القريب منه، تكون قادرة على اجتياز اختبار البرلمان، ومن بين الأسماء التي تتردد بقوة وزير الدفاع سيباستيان ليكورنو، وهو حليف مقرب من ماكرون، وعضو سابق في حزب الجمهوريين، وينظر إليه كسياسي براغماتي قادر على التواصل مع أطياف متعددة، بما في ذلك اليمين المتطرف.
كما يطرح البعض اسم رئيس الوزراء الاشتراكي السابق برنار كازنوف، باعتباره شخصية قد تساعد في جذب دعم يسار الوسط، غير أن هذا السيناريو محفوف بالتعقيدات، إذ سيطالب الاشتراكيون بتنازلات كبيرة، أبرزها رفع الضرائب أو إعادة النظر في إصلاحات التقاعد التي دافع عنها ماكرون بقوة منذ 2017.
الخيار الثاني أمام ماكرون هو انتخابات برلمانية مبكرة، وهو ما قد ينظر إليه كمقامرة جديدة من ماكرون. غير أن التجربة السابقة في صيف 2024، التي أفرزت برلمانًا معلقًا منقسمًا بين ثلاثة معسكرات متقاربة، تثير الشكوك حول جدوى إعادة الكرة.
ومع ذلك، فإن أحزاب المعارضة تضغط بهذا الاتجاه، إذ أعلن الزعيم الاشتراكي بوريس فالو أن حزبه "مستعد لمعركة انتخابية جديدة"، فيما كتبت مارين لوبان على منصة "إكس" أن الانتخابات المبكرة وحدها ستعيد للفرنسيين حق تقرير مصيرهم .
لكن، ورغم الضغوط، لا يخفي المحللون مخاوفهم من أن تعيد الانتخابات إنتاج المأزق نفسه، وأن تظل فرنسا رهينة برلمان منقسم وصعوبة تشكيل حكومة مستقرة.
أما السيناريو الثالث والأكثر تطرفًا هو استقالة ماكرون نفسه، ورغم أن ماكرون استبعد هذا الاحتمال علنًا، لكنه يواجه ضغوطًا متنامية من أطراف يسارية ومتطرفة تطالبه بالرحيل، فقد دعا ميلينشون وحزبه إلى تقديم اقتراح برلماني لإقالة الرئيس، رغم إدراكهم أن فرص نجاحه ضئيلة.
لكن مجرد طرح الفكرة على الطاولة يكشف عمق الأزمة، وبعض المحللين السياسيين يرون أن الجمع بين العجز المالي الكبير والانسداد السياسي يجعل بقاء ماكرون حتى نهاية ولايته أمرًا محفوفًا بالتحديات.
وبعيدًا عن السيناريوهات، يبقى العامل المالي هو الأكثر إلحاحًا، حيث نشرت صحيفة لوبونت الفرنسية، أن العجز الضخم في الميزانية الفرنسية يشكل تهديدًا خطيرًا، والاتحاد الأوروبي يطالب باريس بخطة واضحة لضبط الإنفاق،كما أن أي فشل في تقديم ميزانية مصغّة لعام 2026 سيضاعف الضغوط على الحكومة، وربما يؤدي إلى فقدان ثقة الأسواق المالية.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف سياسي داخلي، بل اختبار حقيقي لقدرة فرنسا على الحفاظ على استقرارها المالي والسياسي في وقت يتصاعد فيه نفوذ اليمين المتطرف، وتقترب الانتخابات الرئاسية لعام 2027.