الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 11:42 م

من الرقم القومي إلى «InstaPay».. كيف تخطط مصر لفتح أبواب الجهاز المصرفي أمام المواطنين؟

من الرقم القومي إلى «InstaPay».. كيف تخطط مصر لفتح أبواب الجهاز المصرفي أمام المواطنين؟  مجلس النواب
الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 10:00 م
كتبت - نورا فخري
لم تعد معركة الشمول المالي في مصر تدور حول سؤال بسيط "كم شخصا لديه حساب بنكي؟"، وإنما أصبحت ترتبط بسؤال أكبر " كيف يمكن إدخال أكبر عدد ممكن من المصريين إلى المنظومة المالية الرسمية"، وتحويل التعامل المصرفي من خدمة بعيدة عن قطاعات من المجتمع إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية؟
هذا الرهان يظهر بوضوح في وثيقة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، المقدمة من وزير التخطيط الدكتور أحمد رستم ووافق عليها البرلمان بغرفتيه (مجلسي النواب، الشيوخ) التي تضع مجموعة من المسارات المتوازية لتوسيع قاعدة المتعاملين مع الجهاز المصرفي، تبدأ من تبسيط فتح الحسابات، وتمتد إلى القرى والمناطق المحرومة من الخدمات، مرورا بالدفع الإلكتروني، ولا تنتهي عند تحفيز المواطنين على الادخار.
أولى المعارك تبدأ من باب البنك نفسه، إذ تستهدف الخطة تبسيط إجراءات فتح الحسابات المصرفية باستخدام الرقم القومي، دون فرض مصاريف، إلى جانب تخفيض الحد الأدنى المطلوب للإيداع.
الفكرة هنا تتجاوز مجرد تسهيل إجراء مصرفي، إذ تستهدف إزالة واحدة من أهم الحواجز التي قد تحول دون دخول المواطن إلى الجهاز المصرفي، خاصة أصحاب الدخول المحدودة والفئات التي لم تعتد التعامل مع البنوك.
لكن ماذا عن المواطن الذي يعيش في قرية أو تجمع سكاني لا تتوافر فيه خدمات مصرفية كافية؟هنا تضع الخطة الجغرافيا في قلب معادلة الشمول المالي، من خلال التوسع في إنشاء فروع للبنوك ومكاتب البريد في المراكز والقرى والتجمعات السكانية التي تعاني نقصًا في الخدمات المصرفية.
فالهدف ليس أن يضطر المواطن إلى الانتقال لمسافات طويلة للوصول إلى أقرب بنك، وإنما أن تصبح الخدمات المالية أقرب إلى مكان إقامته، بما يوسع قاعدة المتعاملين ويزيد فرص استخدام الخدمات المصرفية بصورة منتظمة.
وبالتوازي مع التوسع في الفروع، تتحرك الخطة في الاتجاه الآخر، تقليل الحاجة إلى الفرع من الأساس.
وتراهن الحكومة على التوسع في الخدمات المصرفية الإلكترونية، عبر زيادة أجهزة نقاط البيع، والتوسع في شبكات ماكينات الصراف الآلي، وزيادة قاعدة كروت الائتمان، فضلا عن تطبيقات التحويل النقدي باستخدام الهاتف المحمول.
وهنا تتغير طبيعة الخدمة المصرفية، فالمواطن يستطيع التعامل مع أمواله وتحويلها وسداد التزاماته دون الحاجة في كل مرة إلى زيارة فرع البنك.
وتشمل الاستخدامات المستهدفة صرف الرواتب والمعاشات، وتحصيل الفواتير، وسداد أقساط التمويل متناهي الصغر، إلى جانب الخدمات المصرفية عبر الإنترنت والنظم الحديثة مثل InstaPay وApple Pay، مع تشجيع إنشاء الشركات الخاصة العاملة في مجال الدفع الإلكتروني.
هذه التحركات تضع الدفع الإلكتروني في قلب استراتيجية الشمول المالي، ليس باعتباره مجرد وسيلة أكثر سرعة للدفع، وإنما كأداة لإعادة تشكيل طريقة تعامل المواطنين مع أموالهم.
فكل عملية دفع إلكتروني تعني تعاملا ماليا أكثر قابلية للتتبع، وكل توسع في استخدام الحسابات والبطاقات والمحافظ والتطبيقات يعني تقليص الاعتماد على المعاملات النقدية التقليدية.
ومن هنا، يصبح التحول الرقمي في المدفوعات أحد الجسور التي تربط المواطن بالاقتصاد الرسمي، وتفتح أمامه في الوقت نفسه أبوابًا أوسع للحصول على الخدمات والتمويل.
لكن الخطة لا تريد فقط أن يمتلك المواطن حسابا مصرفيا فقط، وإنما تستهدف أن يضع مدخراته داخل الجهاز المصرفي، ولهذا تتضمن التوجهات تفعيل دور المجلس الأعلى للمدفوعات في دعم جهود السيطرة على التضخم وزيادة معدلات الادخار، إلى جانب طرح أوعية ادخارية جديدة ومتنوعة بعوائد مميزة لجذب مدخرات المواطنين بمختلف شرائحهم.
وتطرح الخطة كذلك فكرة أكثر استهدافا، تتمثل في ابتكار منتجات وأوعية ادخارية مصممة لفئات محددة، مثل المرأة الريفية والعمالة غير المنتظمة والعاملين في القطاع غير الرسمي.
وتولي الخطة اهتماما خاصا بالفئات التي قد تكون أقل ارتباطًا بالقطاع المصرفي الرسمي،فالمرأة الريفية، والعاملون في القطاع غير الرسمي، والعمالة غير المنتظمة، تمثل شرائح واسعة يمكن أن يؤدي دمجها ماليا إلى توسيع قاعدة المدخرات والمتعاملين مع البنوك.
ولهذا لا تكتفي الخطة بتوفير الحساب، وإنما تتحدث عن منتجات ادخارية جاذبة تلائم طبيعة احتياجات هذه الفئات وقدرتها على الادخار.
وتدرك الخطة أن فتح الحسابات وتوفير ماكينات الصراف الآلي لن يكون كافيًا إذا ظل المواطن يفتقر إلى الثقافة المالية،لذلك تتضمن التوجهات تبني خطة للتوعية بأهمية الادخار وتنمية ثقافة الادخار لدى المواطنين، على مستوى الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام.
وفي قلب ملف الشمول المالي تظهر ورقة أخرى شديدة الأهمية للاقتصاد المصري: مدخرات المصريين العاملين بالخارج وتحويلاتهم، وتستهدف الخطة تبني إجراءات لتحفيز العاملين بالخارج على توطين مدخراتهم وضمان استدامة تدفقاتها، باعتبارها أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي.
وتكشف أرقام الوثيقة حجم أهمية هذه التحويلات؛ فقد سجلت نحو 32 مليار دولار في العام المالي 2021/2022، لتأتي في المركز الثاني بعد الصادرات ضمن أهم مصادر النقد الأجنبي.
لكن المسار لم يكن صاعدًا بصورة مستمرة، إذ تراجعت التحويلات إلى نحو 22.1 مليار دولار في 2022/2023، بانخفاض يقارب 9.8 مليار دولار، وبنسبة تجاوزت 30% مقارنة بالعام السابق.
واستقرت نسبيًا عند نحو 21.9 مليار دولار في 2023/2024، قبل أن تقفز إلى نحو 36.5 مليار دولار في 2024/2025، مسجلة أعلى مستوى لها خلال فترة المقارنة.

الأكثر قراءة



print