أكدت مؤسسة “ملاذ لدعم المرأة” أن تطوير منظومة محاكم الأسرة في مصر لم يعد خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة تشريعية ومؤسسية ومجتمعية عاجلة، في ظل ما يشهده الواقع العملي من تحديات متزايدة تتعلق بطول أمد التقاضي وتعقيد إجراءات تنفيذ الأحكام، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية مباشرة تطال النساء والأطفال داخل الأسر المصرية.
وجاء ذلك بالتزامن مع إطلاق المؤسسة ورقة سياسات جديدة تحت عنوان: **“العدالة الرقمية في محاكم الأسرة: نحو نظام أكثر إنصافًا وحماية للأطفال والنساء”**، والتي تقدم رؤية إصلاحية شاملة تقوم على توظيف التكنولوجيا الحديثة في تطوير منظومة العدالة الأسرية، بما يحقق التوازن بين سرعة الفصل في القضايا وضمان الحقوق القانونية والاعتبارات الإنسانية.
وأوضحت الورقة أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة في المجتمع المصري فرضت واقعًا أكثر تعقيدًا على النزاعات الأسرية، حيث أصبحت قضايا النفقة والحضانة والرؤية والولاية التعليمية وتنفيذ الأحكام من القضايا التي تمس بشكل مباشر الاستقرار الأسري وحماية الأطفال، الأمر الذي يتطلب تطوير أدوات أكثر كفاءة وفاعلية في إدارة هذا النوع من النزاعات.
وأكدت أن استمرار الاعتماد على الإجراءات التقليدية والورقية داخل محاكم الأسرة يؤدي إلى زيادة الأعباء على المتقاضين، وإطالة أمد النزاعات، وبقاء الأطفال لفترات طويلة في بيئات يسودها التوتر وعدم الاستقرار، وهو ما ينعكس سلبًا على حالتهم النفسية والاجتماعية والتعليمية.
وترى مؤسسة ملاذ أن أي عملية لتطوير محاكم الأسرة يجب ألا تقتصر على تحديث البنية التكنولوجية أو ميكنة الإجراءات فقط، وإنما ينبغي أن تنطلق من رؤية شاملة تضع الإنسان في قلب عملية الإصلاح، وتتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها وسيلة لضمان العدالة وتيسير الوصول إليها، وليس مجرد أداة لرفع الكفاءة الإدارية.
وقالت رضوى الخولي، المدير التنفيذي للمؤسسة، إن الحديث عن التحول الرقمي داخل محاكم الأسرة يجب أن يكون مرتبطًا أولًا بحماية حقوق الإنسان والأسرة والطفل، وليس مجرد تطوير شكلي للإجراءات، مشيرة إلى أن تأخر العدالة في قضايا الأسرة قد يعني استمرار معاناة طفل داخل نزاع ممتد أو امرأة تتحمل أعباء قانونية واجتماعية متراكمة.
وأضافت أن العدالة الأسرية تمثل ركيزة أساسية للاستقرار الاجتماعي، وأن بناء منظومة رقمية متكاملة لمحاكم الأسرة من شأنه تقليل معاناة المتقاضين، وتسريع تنفيذ الأحكام، وتعزيز ثقة المواطنين في منظومة العدالة.
ودعت الورقة إلى إنشاء منصة رقمية موحدة لمحاكم الأسرة، وتطوير آليات الإخطار والمتابعة الإلكترونية، وتقديم خدمات دعم نفسي وقانوني رقمية، إلى جانب تعزيز حماية البيانات الشخصية، مع ضمان ألا تؤدي الفجوة الرقمية إلى إعاقة وصول المواطنين إلى حقوقهم القانونية.
واختتمت المؤسسة بالتأكيد على أن تطوير العدالة الأسرية الرقمية يمثل استثمارًا مباشرًا في حماية التماسك الاجتماعي والاستقرار الأسري، وأن نجاح هذا التحول يتطلب إرادة سياسية ومؤسسية واضحة، ورؤية تشريعية متكاملة تواكب التطورات المتسارعة، بما يضمن بناء منظومة أكثر عدالة وكفاءة وإنصافًا في خدمة الأسرة المصرية وحماية الأجيال القادمة.