كتب لؤي علي
قال مرصد الأزهر لمكافحة التطرف إن نتائج استطلاع معهد الرأي العام الفرنسي IFOP لعام 2025 حول علاقة المسلمين بالإسلام في فرنسا تعكس بالأساس أزمة اندماج اجتماعي وسياسي عميقة، وليست صعودًا تلقائيًا للتطرف الديني كما تروج له بعض الخطابات الإعلامية والسياسية.
ارتفاع معدلات التديّن بين الشباب المسلم
وأوضح المرصد أن القراءة المتأنية لبيانات الاستطلاع تكشف عن توظيف إحصائي مضلل، جرى من خلاله دمج فئات متباينة تحت توصيفات عامة، بما يؤدي إلى تضخيم صورة «التشدد»، وإخفاء حقيقة أن الغالبية الساحقة من المسلمين في فرنسا ترفض أفكار التطرف والإسلام السياسي العنيف.
وأكد المرصد أن ارتفاع معدلات التديّن بين الشباب المسلم — بما في ذلك الالتزام بالشعائر والرموز الدينية — لا يمكن فصله عن سياقات التهميش الاجتماعي والتمييز الاقتصادي، والشعور المتنامي بالإقصاء، مشيرًا إلى أن الدين يتحول في مثل هذه البيئات إلى ملاذ نفسي وهوياتي، لا إلى مشروع صدامي مع الدولة أو المجتمع.
وشدد المرصد على أن المقاربات الأمنية وحدها، إلى جانب الخطاب السياسي والإعلامي القائم على التخويف وربط الإسلام بالتهديد، تسهم في تعميق الأزمة بدل احتوائها، وتغذي مشاعر الاغتراب والانكفاء الهوياتي لدى الشباب، ما قد يدفع بعضهم إلى مسارات أكثر تشددًا.
وأضاف مرصد الأزهر أن التعامل مع مظاهر التديّن لدى الشباب المسلم في فرنسا باعتبارها خطرًا أمنيًا أو تهديدًا للهوية الوطنية يُسهم في إنتاج نتائج عكسية، إذ يدفع قطاعات من الشباب إلى الانغلاق داخل دوائر هوياتية ضيقة، بدل تعزيز اندماجهم في المجتمع. وأكد أن التضييق على التعبير الديني السلمي، ولا سيما في المؤسسات التعليمية والفضاء العام، يخلق شعورًا متراكمًا بالاستهداف، ويقوّض الثقة في قيم الجمهورية ذاتها.
وشدد المرصد على أن حماية النموذج الفرنسي تقتضي إعادة التوازن بين حياد الدولة وضمان الحرية الدينية، بما يُحصّن الشباب من الوقوع في براثن الخطابات المتشددة، ويعزز انتماءهم الوطني الحقيقي.
ودعا مرصد الأزهر إلى تبني رؤية شاملة لمعالجة جذور الأزمة، تقوم على تعزيز سياسات الاندماج العادل، ومكافحة التمييز، ودعم الخطاب الديني الوسطي، وإعادة الاعتبار لقيم المواطنة المتساوية، مؤكدًا أن بناء تعايش حقيقي في فرنسا لن يتحقق بمواجهة الدين، بل بمعالجة أسباب الإقصاء، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وفتح قنوات الحوار المؤسسي الجاد مع مختلف مكونات المجتمع.