بحثت المائدة المستديرة الثانية ضمن مسار الحوار حول إعداد استراتيجية وطنية لتنمية الحياة الحزبية في مصر، عددًا من الملفات المرتبطة بتطوير أداء الأحزاب وإصلاح البيئة السياسية والتشريعية المحيطة بها، وصولًا إلى بناء أحزاب أكثر قدرة على تمثيل المواطنين وإنتاج بدائل للسياسات العامة وتحمل مسؤوليات الحكم والرقابة والمحاسبة.
واستضاف الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي أعمال المائدة، التي جاءت استكمالًا للمائدة الأولى التي استضافها حزب المحافظين، بمشاركة ممثلين عن أحزاب سياسية وشخصيات ذات خبرة في العمل السياسي والبرلماني والمجتمعي.
وأكد المشاركون أهمية أن تقوم الاستراتيجية الوطنية المقترحة على رؤية تراكمية واضحة، تستند إلى خبرات الأحزاب واحتياجات المجتمع، وتتضمن أهدافًا ومراحل محددة ونتائج قابلة للقياس والتقييم، مع التمييز بين الإجراءات التي تستطيع الأحزاب تنفيذها داخليًا والإصلاحات التي تحتاج إلى تعديلات تشريعية أو قرارات مؤسسية.
حرية التنظيم والانفتاح السياسي
وشكلت حرية التنظيم وفتح المجال العام أحد أبرز محاور النقاش، حيث أكد المشاركون أن بناء حياة حزبية فاعلة يرتبط بوجود بيئة تسمح بالنشاط السياسي السلمي، إلى جانب مؤسسات اجتماعية ونقابية وطلابية مستقلة تتيح للمواطنين اكتساب خبرات العمل الجماعي والانتخاب والتمثيل.
وتطرقت المناقشات إلى تأثير القيود المفروضة على النشاط السياسي والخوف من المشاركة وضعف الثقة في جدوى العمل العام على قدرة الأحزاب على جذب أعضاء جدد وبناء قواعد اجتماعية مستدامة، مع التأكيد على ضرورة وجود ضمانات وممارسات فعلية تتيح للأحزاب التواصل مع المواطنين بصورة عادلة.
كما دعا المشاركون إلى جمع الدراسات والمقترحات التشريعية السابقة، وما خرج به الحوار الوطني من مخرجات، والاستفادة منها في إعداد تصور متكامل للاستراتيجية الوطنية لتنمية الحياة الحزبية حتى عام 2030.
ربط الأحزاب باحتياجات المواطنين
وشددت المائدة على ضرورة أن تحدد الأحزاب القواعد الاجتماعية والمصالح التي تستهدف تمثيلها، وأن تنتقل من الخطاب العام إلى بناء صلات مستمرة مع المواطنين وتحويل مشكلاتهم إلى برامج وسياسات ومواقف سياسية قابلة للتنفيذ.
وتناولت المناقشات عددًا من الملفات، من بينها أوضاع أصحاب المعاشات، والصناعة والإنتاج، وقضايا المرأة والرعاية، واحتياجات المجتمعات المحلية، والعاملين في الاقتصاد الحر والرقمي، ورواد الأعمال وأصحاب المشروعات.
كما بحث المشاركون دور الأنشطة الاجتماعية والخدمية والتنموية في بناء علاقة أكثر استدامة بين الأحزاب والمجتمع، مع التأكيد على ضرورة ارتباط هذه الأنشطة برسالة الحزب وبرنامجه، بما يسهم في تنظيم المصالح وتعزيز قدرة المواطنين على المشاركة في صياغة الحلول العامة.
الشباب وتجديد القيادات
واحتلت مشاركة الشباب وتجديد القيادات مساحة بارزة من المناقشات، حيث طُرحت الحاجة إلى تطوير آليات اكتشاف الكوادر السياسية والتنظيمية داخل الجامعات والمجتمعات المحلية والأنشطة العامة، وتوفير فرص حقيقية أمامها للمشاركة في اتخاذ القرار.
وشملت المقترحات تخصيص مسؤوليات عملية للشباب داخل الأحزاب وربط التدريب بالممارسة، وتنظيم انتقال الخبرات بين الأجيال، إلى جانب تطوير أنشطة ترتبط باهتمامات الشباب، مثل ريادة الأعمال واللغات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما نوقشت مقترحات بشأن تخصيص نسب للشباب في المواقع القيادية، مع استمرار النقاش حول مدى كفاية التمثيل العددي وحده لتحقيق التمكين السياسي الفعلي.
الجامعات والنقابات بوابة لإعداد الكوادر
وأكد المشاركون أهمية استعادة دور الجامعات والاتحادات الطلابية والنقابات كمسارات لإعداد الكوادر السياسية، باعتبارها ساحات لاكتساب مهارات الانتخاب والتمثيل والتفاوض وإدارة الاختلاف.
وطُرحت أفكار لمراجعة القواعد المنظمة للعمل الطلابي، وتوسيع فرص المشاركة والتعبير، إلى جانب تعزيز التربية المدنية وبرامج التعريف بالمؤسسات السياسية.
كما تناولت المائدة تجارب مرتبطة بتأهيل المساعدين البرلمانيين وإنشاء بيوت خبرة توفر دعمًا بحثيًا وتشريعيًا للنواب والأحزاب، باعتبارها أدوات يمكن تطويرها لإعداد كوادر متخصصة في تحليل السياسات وصياغة التشريعات والرقابة البرلمانية.
توسيع النشاط خارج القاهرة
وفي ملف التنظيم الحزبي، ناقش المشاركون سبل توسيع الحضور السياسي للأحزاب في المحافظات، وإشراك أبناء الأقاليم في تحديد الأولويات وتصميم الأنشطة بما يتناسب مع خصوصية المجتمعات المحلية.
وشملت المقترحات تطوير فروع ومساحات تنظيمية إلكترونية، وتنظيم لقاءات تجمع بين الحضور المباشر والمشاركة عن بُعد، إلى جانب تبادل الاستفادة من مقار الأحزاب وإمكاناتها في تنفيذ التدريبات والأنشطة المشتركة.
كما طُرحت دراسة إتاحة المنشآت الشبابية والثقافية والتعليمية للأنشطة العامة وفق قواعد واضحة وعادلة، بما يساهم في خفض تكلفة النشاط السياسي وتوسيع قاعدة المشاركة.
مراجعة قانون الأحزاب وضمانات المعارضة
وفي الجانب التشريعي، ناقشت المائدة ضرورة إعداد مراجعة شاملة للتشريعات المؤثرة في الحياة الحزبية، بمشاركة المتخصصين، لتحديد المواد المطلوب تعديلها والأهداف المرجوة من الإصلاح.
وتضمنت المقترحات تبسيط إجراءات تأسيس الأحزاب، ودراسة رقمنة توثيق إرادة المواطنين في تأسيسها والاستفادة من منصة مصر الرقمية، إلى جانب بحث طبيعة الجهة المختصة بشؤون الأحزاب وضمانات استقلالها.
كما تناولت المناقشات تعزيز الضمانات القانونية لحقوق المعارضة السياسية، بما يشمل المشاركة والتعبير والتمثيل في اللجان البرلمانية، مع طرح إمكانية منح المعارضة دورًا أكبر في رئاسة بعض اللجان.
ولم تحسم المائدة المفاضلة بين البدائل المؤسسية المختلفة، حيث جرى التأكيد على ضرورة إخضاعها لمزيد من الدراسة في ضوء استقلال الأحزاب وحرية نشاطها وضمان عدالة المنافسة السياسية.
النظام الانتخابي والمحليات
كما ناقشت المائدة تأثير النظام الانتخابي واتساع دوائر القوائم على فرص الأحزاب في المنافسة وعلى العلاقة بين الناخب وممثله، مع طرح بدائل تتعلق بالقوائم النسبية وتقليص النطاق الجغرافي للدوائر ومراجعة قواعد التمثيل.
وتطرق المشاركون إلى فكرة العتبة الانتخابية باعتبارها آلية يمكن أن تشجع الائتلافات والاندماج الطوعي بين الأحزاب، مقابل مخاوف من إمكانية استخدامها لإقصاء الأحزاب الصغيرة أو المعارضة.
وأكدت المناقشات أهمية المجالس المحلية المنتخبة باعتبارها مساحة لإعداد القيادات السياسية، والرقابة على الخدمات، وتمثيل الاحتياجات اليومية للمواطنين، بما يسمح للبرلمان بالتركيز بصورة أكبر على أدواره التشريعية والرقابية.
تمويل الأحزاب.. بين الاستدامة والاستقلال
واستحوذ تمويل الأحزاب على جانب مهم من النقاش، في ضوء ارتباط الموارد بقدرة الأحزاب على بناء تنظيماتها والتوسع الجغرافي والتدريب وإنتاج السياسات.
وطرحت المائدة عدة بدائل، بينها دراسة الدعم العام من الموازنة وفق قواعد للاستحقاق والتوزيع والرقابة، وتوسيع قاعدة المساهمات الفردية الصغيرة، ودراسة أدوات التمويل الجماعي، إلى جانب بحث إمكانية تنظيم بعض صور المساهمات المؤسسية وفق ضوابط واضحة، ودراسة الحوافز الضريبية لأشكال الدعم المسموح بها قانونًا.
وفي المقابل، أثيرت مخاوف من تأثير المصالح المالية على القرار الحزبي، وعدم تكافؤ فرص الأحزاب في الحصول على الموارد، وإمكانية إساءة استخدام المال في المجال السياسي، بما يستدعي وضع ضمانات رقابية واضحة.
خريطة رقمية لتعريف المواطنين بالأحزاب
وفي ملف التواصل، ناقش المشاركون ضعف معرفة قطاعات من المواطنين بأنشطة الأحزاب، والحاجة إلى تطوير أدوات اتصال أكثر فاعلية، خاصة المحتوى الرقمي والبودكاست والمنتديات والأنشطة الثقافية.
وطُرحت فكرة إنشاء منصة أو خريطة رقمية مشتركة تعرض أنشطة الأحزاب ومقارها ومواعيد فعالياتها وطرق المشاركة فيها، بما يسهل وصول المواطنين إلى العمل الحزبي بعيدًا عن شبكات العضوية والعلاقات المباشرة.
كما شددت المداخلات على أهمية بناء الثقة بين الأحزاب وتنسيق المواقف في القضايا المشتركة، مع الحفاظ على التنوع الفكري واستقلال كل حزب، وتوسيع مشاركة الأحزاب في المؤتمرات والحوارات الوطنية والفعاليات المرتبطة بقضايا المجتمع.
خطوات لاستكمال الاستراتيجية
وخلصت المائدة إلى عدد من المسارات المقترحة لاستكمال الحوار، من بينها إعداد مسودة أولية لهيكل الاستراتيجية تجمع مخرجات المائدتين، وتجميع ومقارنة المقترحات التشريعية السابقة، وتعميق النقاش حول التمويل والنظام الانتخابي والتنظيم الحزبي وتأهيل الشباب.
كما تضمنت المقترحات تخصيص جلسات لمناقشة الاتحادات والتمثيل الطلابي، وتبادل التجارب في التدريب والمساعدة البرلمانية والتواصل الرقمي والانتشار المحلي، إلى جانب استمرار استضافة اللقاءات بصورة دورية بين الأحزاب بما يضمن تنوع المشاركين وعمق النقاش.
وأكد البيان الختامي أن استمرار انعقاد المائدة يمثل خطوة في مسار حوار يستهدف تطوير الحياة الحزبية في مصر، انطلاقًا من اعتبار تنمية الأحزاب مسؤولية مشتركة ترتبط بمستقبل النظام السياسي وقدرة المجتمع على تنظيم مصالحه والتعبير عنها.
وشدد المشاركون على أن الهدف النهائي للاستراتيجية يتمثل في بناء أحزاب تمتلك حضورًا اجتماعيًا وبرامج قابلة للتنفيذ، وقادرة على المنافسة وتحمل المسؤولية والخضوع للمحاسبة، بما يتيح مشاركة سياسية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية، وتدعم مسارًا تدريجيًا ومستدامًا للإصلاح السياسي.