وافقت لجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس الشيوخ، برئاسة الدكتور يوسف عامر، على الاقتراح برغبة المقدم من النائب أحمد تركى، عضو مجلس الشيوخ وأمين سر اللجنة الدينية، بشأن إطلاق وزارة الأوقاف - هيئة الأوقاف المصرية، مشروعاً يسمح للمصريين بإنشاء أوقاف جديدة للمساهمة في دعم التعليم والصحة وبناء المستشفيات والمدارس فى مصر، باعتبار ذلك من أعظم سبل العمل الصالح وتوجيه جزء من تبرعات الجمعيات والمؤسسات الخيرية لهذا الهدف، وذلك بحضور ممثلي "الأوقاف، على أن تعد اللجنة تقريرا بشأنه لعرضه على المجلس.
وأوضح النائب أحمد تركي أن الاقتراح موجه إلى وزارتي الأوقاف والتضامن الاجتماعي، وأوضح في المذكرة الإيضاحية أن من يقرأ القرآن بتدبر وتمعن يدرك أن معظم آيات القرآن الكريم تتناول الصلاح والصالحين والمصلحين بالمدح والتبشير بجنة عرضها السموات والأرض أعُدت للمتقين الذين ينفقون فى السراء والضراء، وأن مجال الصلاح ليس فقط فى علاقة الإنسان بربه!، بل في علاقة الإنسان بعالم الأفكار!، وإصلاح الفكر والتوجه لخدمة الناس جزء من الصلاح الإيماني والسلوكي، كما أن تسميم الفكر وجموده جزء من الفساد المجتمعى والإيمانى.
وتابع: كما يتناول مجال الإصلاح علاقة الإنسان بالوطن وبالناس، فإحياء النفس البشرية بالصدقة والعلاج والتعليم وقضاء الحوائج الإنسانية من أعظم صور العمل الصالح، ومجالات الإصلاح والعمل الصالح فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تختلف حتماً عن مجال الإصلاح والعمل الصالح فى عصرنا، والسؤال الذى يطرح نفسه ما معنى الوقف؟، هل بناء المستشفيات والمدارس من الصدقات الجارية التي يُثاب الإنسان عليها بالجنة كما بناء المساجد؟، لافتا إلى أن الوقف في جوهره هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة؛ أي يبقى أصل المال محفوظاً، بينما تصُرف منافعه في الغرض الذي حدده الواقف، فالوقف ليس مجرد تبرع عابر، وإنما تحويل المال الخاص إلى منفعة عامة مستمرة كبناء المستشفيات والمدارس والمنافع العامة، وأصله قول النبى صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
وأكد أن فلسفة الوقف تقوم على مفهوم أن تجعل من مالك حياةً لغيرك بعد موتك، فالذي يوقف مدرسة لا يبني جدراناً فقط، بل يشارك في صناعة أجيال، والذي يوقف مستشفى لا يبني مبنى فقط، بل قد يكون سبباً في إنقاذ حياة إنسان، والذي يوقف مكتبة لا يشتري كتباً فقط، بل قد يكون سبباً في ولادة عالم أو طبيب أو مهندس أو مفكر، ولهذا كان الوقف أحد أهم أشكال التكافل الاجتماعي في الحضارة الإسلامية، وفي مصر تحديدًا ترك آثاراً عميقة في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
توجيه الوقف لصالح التعليم والصحة
وواصل النائب قائلا: "وعليه لا يمكن الاعتماد فقط على موازنة الدولة فى التعليم والصحة تحديداً بل يمكن للوقف سد العجز فى هذين الملفين، ولقد تعلمنا من أجدادنا وآبائنا كيف بنى المصريون مدارس أون فى مصر القديمة، وكيف مولت الأميرة فاطمة إسماعيل إنشاء جامعة القاهرة، وكيف بنيت جامعة عين شمس على أوقاف عبدالرحيم باشا الدمرداش، وانتقل تمويل الوقف الخيرى فى دعم التعليم من مصر إلى العالم كله، حيث جامعة هارفارد وجامعة اكسفورد وغيرهما تعتمد على الوقف الخيرى".
وأشار إلى أنه قد ساهمت كل من الأوقاف القبطية والأوقاف الإسلامية فى بناء المدارس والمستشفيات، كما توجد العشرات من حجج الأوقاف المشروطة على التعليم والصحة، وقال إن بناء المستشفيات والمدارس الآن هو الفريضة الغائبة، ومن بنى مستشفى أو مدرسة بنى الله له بيتاً فى الجنة قياساً على بناء المسجد عندما احتاج الناس إلى بنائه.
واقترح النائب قيام وزارة الأوقاف وهيئة الأوقاف المصرية بإطلاق مشروع يتيح للمصريين توجيه تبرعاتهم إلى الوقف لصالح الصحة والتعليم كصدقة جارية، واستثمار هذه الأموال وتوظيفها على شرط الواقف وفق ضوابط الحوكمة الحديثة، ووفق قيم الشفافية، والسماح للجميع بإمكانية المساهمة في صكوك الوقف حتى ولو بالمبالغ الزهيدة، ودعا إلى قيام وزارة الأوقاف بحملة دعوية بعنوان "ومن بنى لله مستشفى أو مدرسة بنى الله له قصراً فى الجنة؟، وتوعية أهل الإحسان والفضل الطامعين فى ثواب الله ببناء منشآت صحية وتعليمية ولهم نفس أجر وثواب بناء المساجد، وتوجیه جزء كبیر من تبرعات المصریین التى تصل إلى الجمعیات والمؤسسات الخیریة نحو بناء المستشفیات والمدارس وتجهيزها ودعم ملف التعلیم والصحة.
سد عجز خطباء الجامعة بالاستعانة بطلاب الكليات الشرعية
في سياق متصل، ناقشت لجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس الشيوخ، اقتراح برغبة مقدم من النائب أحمد تركى، بشأن الاستعانة بطلاب الفرقتين الثالثة والرابعة من الكليات الشرعية على مستوى الجمهورية لسد عجز خطباء الجمعة مع تلقينهم الخطبة كل أسبوع بالتعاون بين وزارة الأوقاف وجامعة الأزهر، والموجه إلى وزارة الأوقاف والأزهر الشريف.
ويستهدف المقترح حل مشكلة خطباء الجمعة، وذلك بالاستعانة بطلاب الفرقتين الثالثة والرابعة بالكليات الشرعية على مستوى الجمهورية بجامعة الأزهر الشريف، لسد العجز في خطباء الجمعة، بالتعاون بين وزارة الأوقاف وجامعة الأزهر.
وقال النائب أحمد تركي، في المذكرة الإيضاحية إن الحديث عن المسجد في مصر ليس حديثًا عن مبنى تُقام فيه الصلاة فحسب، وإنما عن مؤسسة دينية وتربوية واجتماعية صاحبت المجتمع المصري عبر تاريخه، وإذا كانت الدولة قد بذلت جهودًا كبيرة في إعمار المساجد وإنشاء الجديد منها وإحلال وتجديد بعضها، فإن إعمار المسجد لا يكتمل بالحجر وحده، وإنما يكتمل بالإنسان الذي يحمل رسالته، ومن هنا تأتي أهمية توفير الإمام والخطيب المؤهل، القادر على الجمع بين صحيح العلم وفهم الواقع، وبين النص الشرعي واحتياجات المجتمع.
وأضاف أن القضية المطروحة ليست مجرد زيادة عدد الخطباء، وإنما ضمان وجود الخطيب المؤهل في المكان الذي يحتاج إليه، وفي الوقت الذي يحتاج إليه، وبالتأهيل الذي يجعله قادرًا على أداء رسالته، مستطردا: "ولذلك فإننا نقترح إعداد خريطة وطنية لاحتياجات المساجد من الأئمة والخطباء، وربطها بالتوزيع الجغرافي للمساجد والسكان، مع التوسع في برامج إعداد وتأهيل خريجي الأزهر، وتحسين أوضاع خطباء المكافأة، والاستفادة من الكفاءات العلمية والدعوية التي تمتلك الخبرة، محذرا "ذلك بأنه قد سبق للجماعات الإرهابية استغلال ثغرة نقص الخطباء الرسميين وقامت بالاستيلاء على المنابر وتسميم العقل المصري بالشائعات العلمية وحرضت الكثير من الشباب ضد وطنه وأمته، وجندت عدداً كبيراً منهم للانضمام إلى جماعات الإرهاب وهذا لا يخفى على أحد".
150 ألف مسجد في مصر وعدد الخطباء لا يتجاوز 40 ألفا
وأردف: وفى الوقت الذى وصلت فيه عدد المساجد إلى مائة وخمسين ألفاً تقريباً، فإن عدد الخطباء المعينين لا يتجاوز الأربعين ألفاً بجانب مثلهم من خطباء المكافأة، وفى كل الأحوال تعجز وزارة الأوقاف عن تغطية كل المنابر بالخطباء الموثوق بهم التابعين لها وفق معاييرها الإدارية والدعوية، مقترحا سد هذا العجز بدون تكلفة من خلال تعاون وزارة الأوقاف مع جامعة الأزهر باختيار طلاب الكليات الشرعية في كل ربوع مصر (الصف الثالث والرابع) واختيار عدد كبير منهم على قدر العجز الموجود في نطاق المحافظة، وتكليف الطالب بخطبة الجمعة، ويسبق هذا التكليف تلقين الخطبة على يد أستاذه في الجامعة طيلة الأسبوع قبل الجمعة أو على يد كبار أئمة وزارة الأوقاف، على أن يكون ذلك ضمن الخطة الدراسية للكلية في تدريب الطلاب على الخطابة والمتبعة بتنسيق محكم بين وزارة الأوقاف وجامعة الأزهر.
وأكد النائب أحمد تركي، أنه أعضاء لجنة الشئون الدينية والأوقاف وافقوا بالإجماع على المقترح، كما وافق ممثلو الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وأشادوا بمضمونه وتوصياته، ومن المقرر إرسال تقرير إلى رئيس المجلس.