من إعادة تدوير المخلفات الصناعية إلى إنتاج الهيدروجين الأخضر، ومن خفض الانبعاثات الملوثة إلى إعادة استخدام مياه الصرف الصناعي، تتجه الدولة المصرية نحو توسيع نطاق الاستثمارات الصناعية الصديقة للبيئة، في إطار رؤية تستهدف تحقيق التوازن بين زيادة الإنتاج وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز قدرة الصناعة الوطنية على مواكبة التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر.
وفي خطوة جديدة على طريق التحول الصناعي المستدام، يستعد مجلس النواب، خلال جلساته العامة الأسبوع المقبل، برئاسة المستشار هشام بدوي، لمناقشة واحدة من الاتفاقيات المهمة التي تتسق مع توجهات الدولة نحو توطين الصناعات النظيفة، والحد من التلوث الصناعي، ورفع كفاءة استخدام الطاقة والموارد، من خلال قرض حكومي بقيمة 45 مليون يورو لتمويل مشروع "الصناعة الخضراء المستدامة"، وذلك بعد بحث لجنة الطاقة والبيئة بمجلس النواب الاتفاق تفصيلا لتنتهي إلي الموافقة عليه.
وتأتي الاتفاقية في وقت أصبحت فيه المعايير البيئية عنصرا مؤثرا في تنافسية المنتجات الصناعية وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، بما يجعل الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة وكفاءة الطاقة وإعادة التدوير أحد المسارات المهمة لتطوير الصناعة المصرية، وليس مجرد استجابة للمتطلبات البيئية.
45 مليون يورو لدعم التحول الأخضر
وتتمثل الاتفاقية المرتقبة في قرار رئيس جمهورية مصر العربية رقم 74 لسنة 2026، بشأن الموافقة على اتفاق القرض الحكومي لمشروع "الصناعة الخضراء المستدامة"، بين حكومة جمهورية مصر العربية والوكالة الفرنسية للتنمية، بقيمة 45 مليون يورو.
ووفقا للاتفاق الذي وافقت عليه لجنة الطاقة والبيئة خلال إجتماعها الذي ترأسه وكيلها النائب خالد عبد المولي، تستهدف دعم التحول نحو أنماط إنتاج صناعي أكثر استدامة، من خلال توفير التمويل اللازم للاستثمارات المرتبطة بمكافحة التلوث وتحسين كفاءة استخدام الموارد والطاقة.
كيف تستفيد المصانع المصرية من التمويل الجديد؟
تكشف المذكرة الشارحة للاتفاقية أن مشروع الصناعة الخضراء المستدامة يستهدف تمويل استثمارات متنوعة داخل القطاع الصناعي، تشمل مكافحة التلوث البيئي بمختلف صوره، سواء تلوث الهواء أو المياه أو التربة، إلى جانب تحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد الطبيعية.
ويفتح المشروع المجال أمام دعم استثمارات الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على تعظيم الاستفادة من الموارد والمواد المستخدمة، وتقليل المخلفات من خلال إعادة تدويرها أو تحويلها إلى منتجات وموارد قابلة للاستخدام مجددا.
كما يمتد نطاق المشروع إلى إدارة مياه الصرف الصناعي ومعالجتها وإعادة استخدامها، بما يسهم في تقليل استهلاك المياه والحد من الملوثات الناتجة عن الأنشطة الصناعية.
وتبرز أهمية هذه المجالات في ارتباطها المباشر بتكاليف الإنتاج وكفاءة تشغيل المصانع، إذ يمكن للاستثمارات في ترشيد الطاقة والمياه وإعادة استخدام الموارد أن تساعد المنشآت الصناعية على خفض الهدر وتحسين أدائها البيئي والاقتصادي.
الهيدروجين الأخضر والغاز الحيوي.. صناعات المستقبل ضمن التمويل
ولا تتوقف مجالات المشروع عند الأنشطة التقليدية لمكافحة التلوث، بل تمتد إلى دعم تطبيقات صناعية ترتبط بتكنولوجيا المستقبل، وفي مقدمتها الهيدروجين الأخضر والغاز الحيوي.
وتشير المذكرة الشارحة إلى أن الاستثمارات المستهدفة تشمل الغاز الحيوي الناتج عن تخمير النفايات العضوية من الصناعات الغذائية، إلى جانب الهيدروجين الأخضر الناتج عن التحليل الكهربائي للمياه.
كما تشمل المشروعات المستهدفة إعادة تدوير المواد المستخدمة، ودعم تطبيقات إزالة الكربون في الصناعات المختلفة، بما يفتح المجال أمام تطوير عمليات إنتاج أقل اعتمادا على الموارد التقليدية وأكثر توافقا مع متطلبات الاستدامة.
ويمثل إدراج هذه المجالات ضمن المشروع توجها نحو توسيع مفهوم الصناعة الخضراء، ليشمل ليس فقط معالجة الآثار البيئية للنشاط الصناعي، وإنما أيضًا تشجيع الاستثمارات في تكنولوجيات إنتاج أكثر استدامة.
حوافز ومنح إضافية لتشجيع الاستثمار الأخضر
ومن أبرز ملامح المشروع أنه لا يقتصر على إتاحة التمويل، وإنما يتضمن أيضًا تطوير حوافز خاصة، من بينها المنح الإضافية، لتعزيز المشروعات الفرعية التي تسهم في التنوع بين الجنسين، ودعم الشركات الناشئة العاملة في مجال التكنولوجيا المستدامة والخضراء.
ووفقا للمذكرة الشارحة، تستهدف هذه الحوافز دعم المشروعات داخل المنشآت الصناعية أو الخدمات المرتبطة بها، بما يشجع على توظيف الحلول التكنولوجية الحديثة في مواجهة التحديات البيئية.
كما يتضمن المشروع تقديم المساعدة الفنية للشركات الصناعية، بهدف دعم التنفيذ الفعال للمشروعات الفرعية وتحسين قدرتها على تحقيق النتائج المستهدفة.
ويعكس الجمع بين التمويل والحوافز والمساعدة الفنية توجهًا نحو معالجة عدد من التحديات التي قد تواجه المصانع عند الانتقال إلى تكنولوجيات الإنتاج الأنظف، وفي مقدمتها احتياجات التمويل والخبرة الفنية اللازمة لتطبيق هذه التكنولوجيات.
وزارة البيئة والبنك الأهلي.. توزيع الأدوار في تنفيذ المشروع
وبحسب المذكرة الشارحة، جرى توقيع الاتفاق الحكومي الخاص بمشروع الصناعة الخضراء المستدامة في 23 نوفمبر 2025، بين حكومة جمهورية مصر العربية والوكالة الفرنسية للتنمية، بقيمة 45 مليون يورو.
ومن المقرر أن تتولى وزارة البيئة، ممثلة في جهاز شؤون البيئة، تنفيذ الجانب الفني من المشروع، بينما يتولى البنك الأهلي المصري الجانب المالي.
ويستهدف المشروع دعم جهود مكافحة التلوث الصناعي بالتعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي، بما يعزز الاستفادة من التمويلات التنموية الموجهة إلى القطاع الصناعي.
كما تتضمن مكونات المشروع دعم القدرات المؤسسية والفنية المرتبطة بالتنفيذ، بما يساعد على تحسين كفاءة إدارة المشروعات ومتابعة نتائجها.
271 مليون يورو.. المشروع امتداد لتمويلات سابقة
وتكشف المناقشات البرلمانية أن الاتفاقية الجديدة تأتي ضمن مسار تمويلي أوسع لدعم الصناعة الخضراء المستدامة في مصر.
وأكد النائب خالد عبد المولى، وكيل لجنة الطاقة والبيئة ورئيس الاجتماع، أن الاتفاقية تمثل امتدادا لتقريرين سابقين بشأن قراري رئيس الجمهورية رقمي 613 لسنة 2023 و164 لسنة 2024، للمساهمة في تمويل مشروع الصناعة الخضراء المستدامة، بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 271 مليون يورو.
وأوضح "عبد المولي" أن مشروع الاتفاقية سبق عرضه على مجلس النواب خلال دور الانعقاد السابق، ولم يتسنَ للمجلس مناقشته آنذاك، قبل أن تستأنف اللجنة المشتركة مناقشته في ضوء السوابق البرلمانية المرتبطة بالمشروع.
ويعكس امتداد المشروع عبر أكثر من اتفاقية تمويلية أهمية توفير موارد مالية لدعم التحول البيئي داخل القطاع الصناعي، باعتباره عملية تتطلب استثمارات ممتدة وتطويرا مستمرا للتكنولوجيا المستخدمة في الإنتاج.
الصناعة الخضراء.. حماية للبيئة وفرصة لتعزيز التنافسية
وتتجاوز الأهمية الاقتصادية للمشروع حدود خفض التلوث الصناعي، حيث يرتبط التحول إلى الإنتاج الأخضر بقدرة المصانع على تحسين كفاءة التشغيل وتقليل الفاقد من المواد الخام والطاقة والمياه.
كما يمكن أن يسهم تبني التكنولوجيات النظيفة في تعزيز تنافسية المنتجات المصرية بالأسواق الخارجية، خاصة مع تزايد الاهتمام الدولي بالبصمة الكربونية للمنتجات والمعايير البيئية المرتبطة بسلاسل التوريد.
وفي هذا السياق، يمثل تمويل مشروعات كفاءة الطاقة وإعادة التدوير ومعالجة المياه أحد المسارات التي يمكن أن تساعد القطاع الصناعي على التكيف مع التحولات العالمية، مع دعم جهود الدولة لتحقيق التنمية المستدامة.
غير أن تحقيق هذه المستهدفات يرتبط بمدى قدرة المنشآت الصناعية على الاستفادة الفعلية من التمويل، وتوجيهه إلى مشروعات قابلة للتنفيذ تحقق نتائج ملموسة على مستوى خفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
البرلمان يحسم الاتفاقية الأسبوع المقبل
وبعد موافقة اللجنة المشتركة على قرار رئيس الجمهورية رقم 74 لسنة 2026، تتجه الأنظار إلى مجلس النواب، الذي يستعد لمناقشة الاتفاقية خلال جلساته العامة الأسبوع المقبل، تمهيدا لاتخاذ قراره بشأنها.