انتخابات اسرائيل
تتجه إسرائيل، غداً الثلاثاء، إلى صناديق الاقتراع في انتخابات قد تعيد رسم خريطة الحكم بعد ثلاث سنوات من الحروب التي غيرت وجه الشرق الأوسط، وسط منافسة شديدة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومنافسيه، وفي مقدمتهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، بينما تلقي احتمالات تجدد الحرب مع إيران بظلالها على مستقبل الحكومة المقبلة.
ولا تبدو المعركة محسومة لأي طرف، إذ تكشف استطلاعات الرأي الأخيرة عن تقارب شديد بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، دون امتلاك أي منهما الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة، ما يفتح الباب أمام تحالفات غير متوقعة أو استمرار نتنياهو في السلطة على رأس حكومة تصريف أعمال.
وتكتسب الانتخابات، الأولى منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، أهمية استثنائية، بعدما أصبحت المسؤولية عن الإخفاق الأمني، ومستقبل الحرب في غزة، والعلاقة مع الولايات المتحدة، والتعامل مع إيران، ملفات رئيسية في تحديد اتجاهات الناخبين.
يخوض نتنياهو الانتخابات بعد سنوات من الأزمات الداخلية والحروب الإقليمية، محاولاً الحفاظ على موقعه باعتباره رئيس الوزراء الأطول بقاءً في السلطة الإسرائيلية، ويقدم أنصاره تجربته باعتبارها ضمانة للأمن في مواجهة التهديدات الإقليمية، بينما تحمله المعارضة مسؤولية الإخفاق الذي سبق هجوم 7 أكتوبر، وتنتقد إدارته للحروب وسياساته الداخلية.
وتزيد محاكمته بتهم فساد، ينفيها، من الضغوط السياسية عليه، إلى جانب مذكرتي الاعتقال اللتين أصدرتهما المحكمة الجنائية الدولية بحقه وبحق وزير الدفاع السابق يوآف غالانت على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة.
ورغم ذلك، لا يعني تراجع فرص ائتلافه بالضرورة خروجه من السلطة، إذ يستطيع الاستمرار رئيساً لحكومة تصريف أعمال إذا تعذر تشكيل حكومة جديدة.
برز غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وزعيم حزب «يشار» الوسطي، باعتباره المنافس الرئيسي لنتنياهو، وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقارب الحزبين، مع تقدم طفيف لآيزنكوت في بعضها، ويستند آيزنكوت في حملته إلى خبرته العسكرية وخلفيته الاجتماعية، إلى جانب تعهده بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر، وهي قضية تحظى بتأييد واسع داخل المجتمع الإسرائيلي.
كما يركز خطابه على الأمن والاقتصاد والتعليم والحفاظ على الطابع الديمقراطي للدولة، في مواجهة ما تصفه المعارضة بمحاولات نتنياهو إضعاف المؤسسات القضائية، لكن تقدم آيزنكوت انتخابياً لا يضمن وصوله إلى رئاسة الحكومة، لأن النظام الإسرائيلي يعتمد على قدرة الأحزاب على بناء ائتلاف يحظى بثقة أغلبية الكنيست.
بحسب استطلاع أجرته مؤسسة «أغام لابز» بالتعاون مع الجامعة العبرية، حصل حزب «يشار» على 20 مقعداً، مقابل 19 لحزب الليكود، وأظهر الاستطلاع حصول معسكر نتنياهو على ما بين 52 و54 مقعداً، بعيداً عن الأغلبية المطلوبة البالغة 61 مقعداً من أصل 120.
وتعكس هذه الأرقام صعوبة استمرار الحكومة الحالية بتركيبتها نفسها، لكنها تكشف أيضاً أن المعارضة لا تمتلك طريقاً مضموناً لتشكيل حكومة بديلة.
وقد تؤثر مشاركة نحو نصف مليون ناخب يدلون بأصواتهم للمرة الأولى، إلى جانب الإسرائيليين العائدين من الخارج للتصويت، في التوزيع النهائي للمقاعد، وتبقى هذه الأرقام مؤشرات استطلاعية وليست نتائج انتخابية، خصوصاً مع تقارب الأحزاب واحتمال تغير توزيع المقاعد بسبب نسبة الحسم.
في ظل غياب أغلبية واضحة، تبرز الأحزاب العربية باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في تشكيل الحكومة، فقد يحتاج معسكر المعارضة إلى دعم نواب القائمة المشتركة أو القائمة العربية الموحدة للوصول إلى الأغلبية البرلمانية، لكن هذا الاحتمال يصطدم برفض عدد من قادة المعارضة التعاون مع الأحزاب العربية، رغم أن أصواتها قد تكون ضرورية لإنهاء حكم نتنياهو.
وفي المقابل، قد يسعى نتنياهو إلى استقطاب أحزاب من يمين الوسط لتعويض تراجع حلفائه الحاليين، خصوصاً إذا أصبح استمرار بن غفير وسموتريتش عقبة أمام تشكيل ائتلاف أوسع، وهكذا قد تصبح المفاوضات التي تعقب الانتخابات أكثر حسماً من ترتيب الأحزاب في النتائج النهائية.
دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط المنافسة، بعدما أعلن دعمه الصريح لنتنياهو، داعياً الإسرائيليين إلى التصويت لصالحه، واعتبر أوفير فالك، مستشار نتنياهو للشؤون الخارجية، أن القضية الأساسية هي تحديد الزعيم القادر على التعاون مع ترامب خلال العامين المتبقيين من ولايته، خصوصاً في مواجهة إيران، لكن المعارضة انتقدت ربط القرارات الأمنية بالحملة الانتخابية.
وقال يائير لابيد إن سلوك نتنياهو يعرض أمن إسرائيل للخطر، مؤكداً أن القضايا العسكرية لا ينبغي استخدامها لتحقيق مكاسب سياسية.
تزامنت الانتخابات مع تقارير أمريكية عن استعداد القوات المنتشرة في الشرق الأوسط لتنفيذ عملية واسعة ضد إيران إذا أصدر ترامب أوامره، ونقلت شبكة «سي إن إن» عن مسؤولين أمريكيين أن القوات قادرة على بدء العمليات خلال 96 ساعة من صدور القرار، وأن الهجوم المحتمل قد يتجاوز الضربات المحدودة السابقة.
لكن التقارير لا تعني صدور قرار نهائي بالحرب، كما أن بعض التقديرات ترجح تأجيل أي تحرك كبير إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر، وفي إسرائيل، أثارت تقارير عن خلاف بين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير بشأن توقيت ضرب إيران جدلاً سياسياً، بينما نفى وزير الدفاع يسرائيل كاتس وجود خلاف بين القيادة العسكرية والسياسية، وقد يؤدي التصعيد إلى إعادة الملف الأمني إلى صدارة الانتخابات، لكنه يحمل أيضاً مخاطر رد إيراني واسع، وتزايد الأعباء الاقتصادية والأمنية.
وتفتح الانتخابات الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية، الأول، نجاح نتنياهو في تشكيل ائتلاف جديد يضم أحزاباً من يمين الوسط، بما يسمح له بالاستمرار في الحكم، ولو على حساب بعض حلفائه الحاليين، والثاني، تمكن آيزنكوت وأحزاب المعارضة من الاتفاق على حكومة بديلة، وهو خيار يتطلب تجاوز خلافاتها بشأن القيادة والتحالف مع الأحزاب العربية، أما الثالث، فهو فشل الطرفين في تشكيل حكومة، ما قد يقود إلى انتخابات جديدة، مع استمرار نتنياهو في إدارة البلاد مؤقتاً، وتظل حكومة الوحدة الوطنية احتمالاً إضافياً إذا اضطرت الأحزاب إلى البحث عن تسوية لتجنب تكرار الانتخابات.
وبين صعود آيزنكوت وتمسك نتنياهو بالسلطة، ودعم ترامب لرئيس الوزراء الحالي، واحتمالات تجدد المواجهة مع إيران، تدخل إسرائيل انتخابات لا تحسمها بالضرورة هوية الحزب المتصدر، فالسؤال الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع غداً ليس فقط من سيفوز بأكبر عدد من المقاعد، بل من يستطيع جمع 61 نائباً لتشكيل الحكومة، ومن سيقود إسرائيل في مرحلة إقليمية لا تزال مفتوحة على الحرب والتسويات معاً.