الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 01:39 ص

والكرملين: ادعاءات باطلة

"خريف أوروبا".. هل تستغل روسيا الغضب الشعبي لتأجيج الاحتجاجات.. 6 دول أوروبية تحت ضغط عنف المتظاهرين.. والسكن والتعليم وغلاء الأسعار أسباب أشعلت الغضب.. حكومات القارة العجوز تهرب من مسئولياتها باتهام روسيا

"خريف أوروبا".. هل تستغل روسيا الغضب الشعبي لتأجيج الاحتجاجات.. 6 دول أوروبية تحت ضغط عنف المتظاهرين.. والسكن والتعليم وغلاء الأسعار أسباب أشعلت الغضب.. حكومات القارة العجوز تهرب من مسئولياتها باتهام روسيا الاحتجاجات في أوروبا
الثلاثاء، 20 أكتوبر 2026 12:00 ص
كتبت آمال رسلان

من شوارع باريس التي شهدت مواجهات وأعمال حرق ونهب، إلى احتجاجات السكن في مدريد ولشبونة، مروراً بالغضب الطلابي في بلجيكا والتحركات المناهضة للحكومة في ألبانيا، تواجه أوروبا موجة واسعة من الاضطرابات الاجتماعية، أعادت إلى الواجهة التساؤلات بشأن قدرة الحكومات على احتواء الضغوط الاقتصادية، وأثارت جدلاً سياسياً حول اتهامات لروسيا بمحاولة تأجيج الأوضاع داخل القارة.

وبينما تشير مطالب المحتجين إلى أسباب داخلية تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع الخدمات التعليمية، يرفض الكرملين الاتهامات المتعلقة بتدخل موسكو في الاضطرابات، ويعتبرها محاولة لصرف الأنظار عن المشكلات التي تواجه المجتمعات الأوروبية.

وتشمل الاحتجاجات فرنسا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وبلجيكا وألبانيا، لكنها لا تمثل حركة موحدة؛ إذ تختلف دوافعها وتوقيتاتها من دولة إلى أخرى، وإن جمعتها حالة متزايدة من الاستياء من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 

فرنسا في قلب الاحتجاجات الأوروبية

تتصدر فرنسا المشهد بعدما تحولت احتجاجات بدأت بمطالب طلابية إلى تحركات أوسع ضد غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة، وانطلقت المظاهرات الطلابية أواخر سبتمبر احتجاجاً على نقص المعلمين وطول ساعات الدراسة وتدهور أوضاع المدارس، قبل أن تنضم إليها نقابات عمالية ومجموعات تطالب بتحسين الأجور والمعاشات.

وبحسب تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية الواردة في التقارير، شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات شهدتها عشرات المدن، بينما تحولت بعض التجمعات إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب، وطالت الأضرار مباني عامة ومتاجر في مدن بينها باريس وليون ومرسيليا وليل، وسط تقديرات أولية بخسائر تجارية قد تصل إلى مئات ملايين اليورو.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفضه أعمال العنف، مؤكداً ضرورة التمييز بين المطالب المشروعة للمحتجين والاعتداءات على الممتلكات العامة، وفي محاولة لاحتواء الغضب الطلابي، أعلنت الحكومة توفير ثلاثة آلاف معلم بديل إضافي، والتراجع عن زيادات مقررة في بعض رسوم التسجيل الجامعي.

 

السكن يشعل الغضب في إسبانيا والبرتغال

وفي شبه الجزيرة الأيبيرية، تتركز الاحتجاجات على أزمة السكن التي أصبحت أحد أكبر الأعباء على الأسر والشباب، ففي إسبانيا، أثارت واقعة إخلاء امرأة مسنة من منزلها بعد زيادة إيجارها بنسبة 230% غضباً واسعاً، ودعوات إلى حماية المستأجرين والحد من المضاربات العقارية، أما البرتغال، فشهدت لشبونة وبورتو احتجاجات ومخيمات للمطالبة بوضع سقف للإيجارات وزيادة المساكن العامة ومنع الإخلاء دون توفير بدائل.

وتشير البيانات الواردة في التقارير إلى ارتفاع أسعار المساكن البرتغالية بنسبة 124% بين عامي 2015 و2024، مقابل نمو أبطأ بكثير في الأجور الحقيقية.

 

مواجهات في إيطاليا وبلجيكا وألبانيا

وامتدت الاضطرابات إلى إيطاليا، حيث شهدت ميلانو وتورينو وبولونيا مواجهات بين الشرطة ومجموعات من المحتجين، تخللتها أعمال تخريب ونهب لمتاجر، ودعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى اجتماع أمني لبحث التطورات، مؤكدة ضرورة الفصل بين الحق في التظاهر وأعمال العنف.

وفي بلجيكا، تركزت الاحتجاجات على تكاليف المعيشة والسياسات التعليمية وتخفيضات الإنفاق العام، وشهدت بروكسل ولييج مواجهات وتوقيفات، أما ألبانيا، فاتخذت الاحتجاجات طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً، مع مطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، واتهامات بالفساد وتراجع فرص العمل وجودة التعليم.

 

لماذا يتصاعد الغضب الأوروبي؟

تكشف الاحتجاجات عن فجوة متزايدة بين المؤشرات الاقتصادية العامة والضغوط التي تشعر بها الأسر، فوفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي «يوروستات»، التي حللتها «يورونيوز»، ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي بنسبة 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026، ورغم تباطؤ معدلات التضخم في بعض الفترات، فإن الأسعار لم تعد إلى مستوياتها السابقة، ما أبقى الضغوط على القدرة الشرائية.

وتفاقمت الأزمة مع ارتفاع تكاليف الطاقة والسكن والنقل، فضلاً عن الضغوط على التعليم والخدمات العامة، وتوضح هذه العوامل أن الاحتجاجات تستند إلى مطالب اقتصادية واجتماعية ملموسة، حتى وإن اختلف حجمها وأشكال التعبير عنها بين الدول.

 

الكرملين ينفي التدخل في الاضطرابات

وسط هذه التطورات، رفض المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الاتهامات المتعلقة بتدخل روسيا في الاضطرابات الأوروبية، وقال بيسكوف، في تصريحات لقناة «زفيزدا» الروسية، إن هذه الاتهامات «باطلة ولا أساس لها»، مضيفاً أنه لم يعد أحد يأخذها على محمل الجد، حتى داخل أوروبا.

وفي السياق نفسه، نشرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا مقطع فيديو يجمع تصريحات لمسؤولين أوروبيين بشأن التهديد الروسي مع مشاهد للاحتجاجات في فرنسا وإيطاليا وألبانيا.

وتضمن الفيديو سؤالاً عما إذا كان المشاركون في أعمال الشغب روساً، قبل أن يقدم إجابة بالنفي، في محاولة لتأكيد أن الاضطرابات ناتجة عن مشكلات داخل المجتمعات الأوروبية، واتهمت زاخاروفا الحكومات الغربية بازدواجية المعايير في التعامل مع الاحتجاجات، ودعتها إلى معالجة أزماتها الداخلية بدلاً من توجيه الاتهامات إلى موسكو.

 

هل توجد أدلة على دور روسي؟

يبقى السؤال الأساسي هو مدى وجود أدلة تثبت أن روسيا تقف وراء الاحتجاجات أو تسهم بصورة مباشرة في تأجيجها، فالمادة المتاحة تتضمن نفياً روسياً للاتهامات، وإشارات إلى اتهامات أوروبية، لكنها لا تقدم تحقيقات مستقلة أو أدلة موثقة تثبت وجود تمويل روسي للمظاهرات أو توجيه مباشر لمنظميها.

كما أن وجود مطالب اقتصادية واجتماعية واضحة، واحتجاجات بدأت في توقيتات مختلفة، يجعل من غير الدقيق تفسير جميع التحركات باعتبارها نتيجة تدخل خارجي واحد، وفي المقابل، لا يكفي النفي الروسي وحده لنفي احتمال وجود أنشطة تأثير إعلامي أو محاولات لاستغلال الاضطرابات سياسياً.

وتكشف موجة الاحتجاجات عن تحدٍّ مزدوج للحكومات الأوروبية، يتمثل في الاستجابة للمطالب المعيشية والحفاظ على الأمن العام دون تحويل الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات أوسع، وبينما تحاول موسكو استخدام المشاهد الأوروبية للرد على الاتهامات الموجهة إليها، تواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً لمعالجة أزمة السكن وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات.

وتظل حقيقة التدخل الروسي مسألة تتطلب أدلة محددة وتحقيقات مستقلة، لا مجرد اتهامات أو نفي سياسي، أما المؤكد من المطالب المعلنة للمحتجين، فهو أن الغضب الأوروبي يرتبط بأزمات داخلية قائمة بالفعل، وأن استمرار هذه الأزمات قد يبقي الشوارع ساحة للاحتجاج، بغض النظر عن الجدل السياسي بين موسكو والعواصم الأوروبية.

 


print